نظريات حول الكون

من المترجم:

"نظريات حول الكون" هي مجموعة من المقتطفات المترجمة من كتاب "دليل المبتدئين الكامل لنظريات الكون لمؤلفه غاري ف مورينغ...

الجميل في هذه النصوص المقتبسة من الكتاب أنها تظهر بأن الكاتب يتمتع بأساليب إنسانية فريدة في طرحه لمادة علمية عصيّة على الكثير من القراء. فمن المعلوم أن مجالات الفيزياء الفلكية هي واحدة من أحدث العلوم وأعقدها وهي مرتبطة ارتباط وثيق بالنظريات الفيزيائية الأكثر تقدماً، كما أنها تُعبَّر وتُداوَل عن طريق المبادئ والمعادلات والنظريات والقوانين الرياضية البالغة في التعقيد. رغم ذلك فالكاتب يقوم بإيصال معلومة نافعة للقارئ عبر انتهاجه نهج الطرفة والفكاهة التي بدأها من العنوان الحقيقي للكتاب "دليل المغفّل الكامل لنظريات الكون" والذي اخترت أن اواريه بعنوان ألطف منعاً لسقوط الموضوع من عين القارئ. كما يتمتع الأسلوب الذي اتبعه الكاتب باستعراض الجوانب التأريخية والفلسفية التي أثّرت، وما زالت، على تصوّرنا لمفهوم الكون وتعاملنا معه وعلى الأفكار التي تحيط به.

بل تكاد وأنت تتابع المقتطفات، ولا سيما في نصفها الأول، من الجزم أن موضوع الكتاب لا يتمحور حول شرح منشأ الكون وما يلفه من ظواهر كونية طبيعية، بل هو بحث إنساني فلسفي عن البداية والنهاية وعن الإنسان والخلق والحياة والممات.

ويستطرد الكاتب في الحكم على المنهجية العلمية المتبعة حديثاً وقديماً، وكيف أن الصح والخطأ ما هو إلا أمر نسبي حين يتفاعل الإنسان معه بكل ما فيه من تنوع وتناقض في كيان هذا الإنسان ومنشأه. وما النظريات التي تتطور في شتى المجالات المعرفية هي إلا نتاج لتفاعل المجتمع البشري بعضه مع بعض، وبعضه بعد بعض، وبعضه على بعض! وما الآراء التنظيرية والعلمية إلا رهينة تفوّق طبقة صاحبها من الناحية الإجتماعية. فأي شيء خسرناه جراء تلك العيوب والعلل الملازمة لمجتمعاتنا البشرية عبر الأزمنة؟

كل تلك التساؤلات والتهيئات تُطرح "في الظاهر" من قبل رجل عامّي عادي صحا لوهلة من وَسْنة عابرة في ضمير الإنسانية هي حياته القصيرة هذه!

وكان الغرض من هذه المقدمة من التساؤلات الإنسانية بشكلها البدائي البسيط، مدخلاً وحافزاً لطرح تساؤلات علمية لا تقل صعوبة، ليلج إلى صلب الموضوع المطروق وقد تشكل سياق البحث في عقلية القارئ بشيء من التماسك والوضوح.

وبالأصالة عن نفسي، فإن كان كل ما اكتسبته عبر المرور خلال هذه المقتطفات إلا الثابت الكوني الذي ذكره المؤلف فذلك غنم يكفيني لأبحث عن أصله وصحته كمنهج مسلّم، لعلي أُتْبع عليه بحثي عن الحقيقة في هذه الحياة، والثابت الكوني هذا بحد زعم المؤلف هو:

في الفلسفة، الجماليات هي دراسة كل ما هو جميل. أما في الفيزياء فإنها الإيمان العميق الذي يتشاطره كثرة من الفيزيائيين بأن النظريات حول الكون لابد وأن تكون جميلة. وبطبيعة الحال، فلا وجود في المبادئ والقوانين الفيزيائية ما ينص على ذلك، وما هو إلا استهواء وميل إنساني كان وما زال "نبراس هدى" في استكشاف البنى الخفية لعلم الفلك. وهناك نزعة فينا كبشر تجنح نحو صبغ الكون بطابع الحسن والجمال، سواء من الناحية الرياضية أو الموسيقية أو البنيوية. وجميع النظريات التي ناقشها العلماء تقريباً تغلب عليها هذه الصفة. ولكن ماذا لو لم يكن كذلك؟ فهل سنكون سعداء لو كنا نعيش في كون "قبيح"؟

المختار بن موسى،
الدمام

The Complete Idiot’s Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring.

===============

1. الأسس العلمية لمنشأ الكون

الأسس العلمية لمنشأ الكون

عوداً بالزمن إلى أولى حقب التأريخ المكتوب، كان هناك فريقين متقابلين من الأفكار والإعتقادات والنظريات والتعاليم عن منشأ الكون. فإما أن الكون أزلي المنشأ دون بداية أو نهاية، أو أنه نشأ في نقطة زمنية ما، وسيؤول إلى زوال في نهاية الأمر. وقد تقصينا في القسم الأول الآراء الثقافية والدينية والفلسفية حول منشأ الكون. كما أمضينا بعض الوقت في مطالعة بعض الأفكار حول عن منشئنا نحن البشر من النظرتين، الدينية والعلمية. وفي هذا القسم، سنقوم بنزهة قصيرة خلال نظريات عدة وضعها العلم لتفسير منشأ الكون.

ثقوب سوداء

حصل في غير مرّة في تاريخ العلم، أن السبب في رواج إسهام علمي أو نظرية أو فتح علمي إنما يرجع إلى شهرة صاحبها، وإقدامه على فرض آراءه على أنداده الأقل شهرة. ويحصل هذا بغض النظر عن صحة تعليلات الطرفين المتنافسين. فعلى سبيل المثال رفض إسحاق نيوتن الإستماع إلى الحجج الداحضة ضد بعض نظرياته كما كان الحال مع نايلز بوهر وألبرت أينشتاين بعينه. ففي مكان ما على الجادة، تؤول جهود البحث عن الحقائق العلمية إلى ضياع بضياع صاحبها الذي لا يجيد معرفة جاتب الصواب الذي اهتدى إليه.

ثوابت كونية

زايتغايست – Zeitgeist هي كلمة ألمانية تعني بالحرف "روح العصر". ويمكنها أيضاً أن تعني رواج فكرة أو شعور على مدى فترة زمنية معينة. وهي تصف المزاج العام لثقافة منتشرة أو حالة إجتماعية جاءت نتيجة التأثر بظواهر علمية أو دينية أو فنية أو ساسية أو إقتصادية حتى.

ثوابت كونية

إكس نيهيلو – Ex nihilo هي مصطلح لاتيني تعني بصيغتها المباشرة "من لا شيء". وقد كانت فكرة طرحها القديس أغسطين صارت فيما بعد عقيدة كنسية. وهي تمثل تفسيره الفلسفي لكيفية خلق الله كل شيء من العدم، وهي فكرة بالإمكان تطبيقها على فكرة الإنفجار العظيم بنحو مثير للإهتمام. لكن من أين أتى كل ما أحتوي في الإنفجار العظيم وما الداعي لحدوث الإنفجار أصلاً؟

وإلى الآن، فإن أكثر النظريات انتشاراً في هذا اليوم هي نظرية الإنفجار العظيم، وهي فكرة أن الكون وجد في نقطة ما على خظ زمني بدأ منذ حوالي 15 إلى 20 مليار سنة مضت. وخلال الـ25 سنة الماضية، تقدمت هذه النظرية على سائر النظريات في الكوزمولوجيا (علوم الكون). وستقابل في عرض هذه القراءة بعض الشخصيات الرئيسة التي وضعت نظرياتهم الأسس لنظرية الإنفجار العظيم. ولكن كما سترى، خلال مسيرنا عبر هذا القسم، فإن هذه النظرية ليست نتاج العلم وحسب، بل إن الزمن الذي نحيا فيه له أثر في تكوّن هذه النظرية. وبالرغم من أن العلم دائماً ما يعتبر نفسه متجرد ومنعزل عن العوامل والتأثيرات الخارجية المحيطة به، فإنه لا يقوى إلا أن يتأثر بالناس الذين عملوا في مجاله.

نوّاس علوم الكون

لا أظن أن هناك داع لترديد الطريقتين الرئيستين التي يمكن بهما دراسة علوم الكون، وإني متأكد أنك تتذكر ما هاتان الطريقتان. لقد تجلت الطريقتان في يومنا هذا، وربما تبلورت، في مدرستين بارزتين من المدارس العلمية وهي: المدرسة التجريبية والمدرسة النظرية الرياضية. فالمنظّرين في الغالب لم يعنوا بالتجربة الواقعية ويمكن أن نزعم بالمثل على المجربين. وما كان مصدر الإختلاف بين الفرق العلمية المختلفة إلا هذا التميز بين المدرستين والذي تقدم فيه رأي على رأي آخر عن منشأ الكون وأصله. ولكي نتحقق بوضوح عن هذا الذي أتكلم عنه، فلنتعقب تطور نظرية الإنفجار العظيم خلال مراحلها المختلفة، ولنتدبر في بعض الأسباب التي دعت لتطور هذه النظرية أساساً.

من طبيعة المنهج العلمي أنه يرى في ذاته سابر لكنْه الكون، وكأنه عرّاف يكشف ما وراء حجاب الظاهر. إلا أن المنهج العلمي منهج يأخذ به العلماء، وهم بشر بطبيعتهم، يأتون محملين بشتى صنوف النوازع، والقيم والمعتقدات. وكحال أية صورة مقطعية تستحضرها لمجتمعنا البشري، فإن البعض من هؤلاء العلماء يقفون موقفاً لا نقاش فيه لرأيهم وتوجههم، آخذين بأنفسهم مأخذ الجد وواضعين توهّماتهم موضع الصواب. وبالطبع، فإن هناك عدد لا يقل عنهم ممن لا يقفون هذا الموقف، فهم يسعون لأن يمضوا قدماً عن كل ما يقيّدهم من أهواء أو أراء ترتبط بشخوصهم وهوياتهم وثقافاتهم.

 إن أغلب تاريخ علوم الكون ونظرياته ما هي إلا إنعكاسة لهذه الأنواع من الناس وإنعكاسة لثقافاتهم التي عاشوا فيها وتشبعوا بها. وغالبأ ما كانت أكثر النظريات قبولاً على هذه الحالة  عينها، وذلك يعود للشخصية الطاغية خلف هذه الأفكار. وبينما يحاول العلم التحرر من تأثيرات كل ما هو خارج عنه، فإن العلماء الذين يأخذون به، ما هم إلا نتاج للثقافة السائدة ونتاج للزمان الذي عاشوا فيه. وبكلمات أخرى، فيما يخص نظريات علوم الكون تحديداً، فسواء كان الكون سرمدي البدء أو نشأ عن أنفجار ما، فلا يمكننا أن نفصل أي من الرأيين عن الزايتغايست ، أو روح العصر. وبرغم من عدم اتساع المجال للرجوع إلى الوراء لنفصّل في التاريخ ونبرز كيف أن نوّاس (بندول) ساعة علوم الكون يتراقص ويتقافز من نظرية لأخرى، فإن بإمكاني أن أعطي نظرة عامة وأمثلة قليلة عن بعض الفترات والعصور التي لوحظ ذلك فيه. وليكن تذكرة لك أن هناك كثرة من العوامل التي تدخل حيز التأثير على نشوء أي نموذج فكري ما.

  • في اليونان القديمة، كان كل من المنهجين الأساسيين من أسس المنهج العلمي وهما المنهج التجريبي (المبني على التجريب والتطبيق العملي) والمنهج الإستدلالي (المبني على التنظير والرياضيات) مرتبط بالصراع بين طبقة المواطنين الأحرار وطبقة العبيد. فالمنهج التجريبي تطور وسط الحرفيين والتجار المحرّرين، بينما تطور المنهج الأستدلالي، الذي استغنى عن الرصد التجريبي والتطبيق العملي فأهمله، بإستغناء أسياد العبيد وازدرائهم لكل مجهود يدوي عملي.
  • تأثر النظام البطلمي بشكل كبير بالمنهج الإستدلالي (التنظير والرياضيات مقابل الرصد والملاحظة).كما أننا نجد في هذه الحقبة الزمنية مقدمةٌ للفكرة المركزية التي تتمحور حولها علوم الكون المعاصرة، وهي منشأ الكون من العدم. وقد تطورت هذه الأيدلوجيا من رؤيتين تشاؤميتين سلطويتين في نظرتها للعالم، وهي نظرتي الأبوين المؤسسين للكنيسة وهما ترتوليان والقديس أغسطين. وقد اعتبر معتقد الخلق هذا المعروف بالـ "إكس نيهيلو"، الركيزة لنظام إجتماعي ديني نظر إلى العالم والكون الذي ينحى منحىً إنحلالي من منطلق متقن صافٍ إلى منتهىً مندثر منحط.
  • خلال فترة النهضة العلمية، تم طرح فكرتين مركزييتين في علوم الكون من الحقبة القروسطية – وهما إعتقاد أن الكون ينحى منحى الإنحلال، وهو محدود الزمان والمكان، والإعتقاد  بأن هذا العالم يمكن التعرف عليه من خلال العلل والقوانين. وقد تم استبدال النظام البطلمي الذي اتسم بالمنهج الإستدلالي ومحدودية الكون في الزمان والمكان، بالمنهج التجريبي، وأزلية الكون واتساعه اللامتناهي. وكان هذا الكون معروفاً لديهم عبر الملاحظة والتجربة. وقد كان انتصار العلم رهيناً بالإطاحة بالنظام الإقطاعي، الذي نتج عنه فيما بعد العمالة الحرّة ومجتمع يزخر بالتجار والحرفيين والفلاحين الملاك، وقد امتاز هؤلاء دائماً بوضع السلطة المطلقة موضع التساؤل والتشكيك، سواء كانت هذه السلطة دينية أو سياسية أو إقتصادية.
  • إن النظرة اليوم لعلوم الكون هي أقرب بكثير لنظرة بطليموس وأغسطين من نظرة جاليليو وكيبلر. فالكون الناشئ عن الإنفجار العظيم هو كون محدود سينتهي في النهاية بالإنقباض العظيم أو السحق العظيم، (وسنستعرض هذه النظريات في باب "التناظر الفائق والأوتار الفائقة والهولوغرامية")، وهي على غرار الكون المعروف في القرونالوسطى، في محدودية زمانها. إن الكون في الكوزمولوجيا المعاصرة، ما هي إلا نتاج حدث فريد واحد، لم يكن له نظير في تاريخ الحوادث أبداً، وهو شبيه للكون القروسطي الذي كان نتاج للخلق.

وفي نهاية هذا القسم، ولسبيل تبيان أن الذي أوردته بعاليه يمكن أن يتجلى في حيواة الناس الذين عاشوا تلك الحقب، فإني أورد بعض الشواهد لما قاله هؤلاء المشهورين من الناس. 

 ما يجعل الله مدرَكا أنه غير مدرَك

- ترتوليان، 200م
 
إن لم أتمكن من الضحك في الجنة، فلا أريد الذهاب لها
- مارتن لوثر، 1460م
 
يعلّمك الدين كيف تسير إلى السماء ولا يعلّمك كيف تسير السماء.
- جاليلي جاليليو، 1630م
 
إن أكثر ما لا يُدرَك عن الكون هو أن الكون مدرَك.
- ألبرت أينشتاين، 1935م
 
كلما زاد إدراكنا للكون كلما بدا (أي الكون) عبثاً.
- ستيفن واينبرغ، 1977
 
قد نكون الآن مشارفين على الإنتهاء من البحث عن آخر قوانين الطبيعة.
- ستيفن هوكنغ، 1988

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

2. فجّر نقاش الإنفجار

فجّر نقاش الإنفجار

خدعٌ ذهنية

الفكرة الأولى للإنفجار العظيم لم تأت من الإسهامات العلمية بل أتت من الإسهام الأدبي لـ إدغار ألان بو. فبالإضافة إلى أقاصيصه المخيفة التي يألفها الكثير منا، فقد كان من المروّجين للعلم والفلك. وفي مقالته "يوريكا"، وضع فكرة أن الله فجر هذا الكون إلى حيز الخليقة، موسعاً فيه إلى أجل ثم قابضاً إياه على ذاته (أي الكون). وقد رفض مبدأ الكون اللامتناه، مستعيضاً بالتفكر في أن الكون محكوم بالجاذبية وهي ستقبض الكون على نفسه مرة أخرى.

إذاً فكيف انتهى بنا المطاف مع تصورنا الحالي للإنفجار العظيم في هذا اليوم؟ في الحقيقة تطورت هذه النظرية بعد مراحل عدة، فكل تصور عن منشأ الكون كان ينسخ سابقه، لكنه ما فتئ يحوي فحوى الحدث الأحادي الفريد. إن نظرية الإنفجار العظيم هي نتاج لحضارة القرن العشرين، وخلال دقائق سنتتبع المراحل المختلفة التي أفضت لنا بالصورة الأكثر رواجاً لها. فلنقارن أين كنا قبل عدة قرون وما الذي حصل في القرن الماضي في هذا الصدد، ولكن على مستوى عام.

إن علوم الكون في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت تعكس عالماً لا محدود في سير تقدمه من النواحي الصناعية والإقتصادية والثورية. فقد مثّلت الحقبة كون لا محدود منفتح على مستقبل لا محدود ليعكس مجتمع تقدمي متأهب. لكن القرن العشرين، حيث وصل التقدم إلى وقفة إثر الحروب العالمية وما صاحبها من معسكرات إعتقال وقنابل نووية وإغتيالات سياسية، فليس من المفاجئ حقاً أن نرى الأفكار والنظريات حول الكون المحدود والمتفسخ تنشأ مرة أخرى من مخيلاتهم. ولا أقول هنا أن هذه الفترة لم يحدث خلالها الكثير من الأمور الحسنة، ولكن عندما ظهرت نظرية الإنفجار العظيم، كانت المجتمعات تمر بالأحداث العصيبة هذه، وقد تغلغلت هذه النظرة في العقول والضمائر منذ ذلك الحين.

وفي قلب نظرية الإنفجار العظيم هناك خاطرة جديرة بالإهتمام وهي، أن الكون ما هو إلا تجسيد للقوانين الرياضية التي سبقت حدوثها، فهذه النظرية لا تنشأ من عمليات الرصد والملاحظة، بل تنشأ عن المعادلات الرياضية المشتقة من الفرضيات المتفق عليها. وفي حال تصادم الملحوظ مع النظرية، يتم طرح أفكار جديدة لتمديد صلاحية هذه النظرية. ولا يوجد سوى حالات قليلة من الظواهر الملحوظة التي أيّدت الإنفجار العظيم، لكنها شواهد فُسِّرت وأُوّلت لتأييد هذه النظرية بدلاً من دحضها.

الكون المغلق الخاص بـ آينشتاين

ثقوب سوداء

أثناء تطوير آينشتاين لنظرياته الكونية، قام بتقديم شيء إعتبره لاحقاً "أكبر تخبط وقع فيه في حياته". فمن أجل أن يحافظ على تصوره بالكون الساكن، قام بإضافة معادلة سميت بالثابت الكوزمولوجي. وقد وزنت هذه العبارة الرياضية قوى الجاذبية التي تعمل على قبض الكون على ذاته باستحداث قوة نافرة أبقتها في حالة استقرار. وهكذا يحافظ الكون على حالة سكونه واستقراره. هل تذكر النقطة التي طرحتها في المقدمة بأن: إيمانك بأن شيء ما هو الصح لا يجعله بالضرورة صحيحاً في الواقع؟ لقد اكتشف آينشتاين هذه الحقيقة بنفسه مباشرة.

لكي يتم لنظرية الإنفجار العظيم التشكّل في صورة مقبولة، كان لابد من أن يطرأ تغيير عليها بإعادة تعريف ما هي حدود الكون. فبعد عدة سنوات من طرح آينشتاين لنظريته النسبية، قدّم نظرة كونية كان لها أثر هائل في الأوساط العلمية، فقد تأمل أن الكون محدود في شكل كروي ذو أربع أبعاد، وهو معقوف بقوة الجاذبية التي تكهن بها في نظريته. وقد كان هذا الكون ساكناً لا حراك فيه تحكمه معادلته الأنيقة التي وضعها.

وفي عام 1919م، في السنة التي أعلن فيها عن آراءه، كانت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها للتو، وكان الناس يتماثلون من ويلات الحرب. وكان التقدم العصري الذي عُوِّل عليه الإزدهار والتطور، قد قاد إلى الموت والتدمير. حينها كانت فكرة الكون المحدود الساكن، فكرة جذابة تُرجع الطمأنينة للنفوس وهي في ذات الوقت تبدر من رجل مشهور ما فتئ ينال الاستحسان في العالم كله. وبتركيبة الأحداث هذه، مُهّدت الأرضية لتطور الإنفجار العظيم، كما تضمن هذا المشهد جانب آخر كان له تداعيات بليغة أثّرت في سائر النظريات الكونية إلى يومنا هذا. لقد افترض آينشتاين أن الكون بكله متجانس الطبع، وأن المادة على المقاييس الضخمة، تنتشر بتساوٍ عبر الفضاء. وقد علمتَ، بالرجوع إلى النسبية العامة، كلما زادت كتلة الشيء، كلما اعوجت أو تقوست مساحتها. وبعبارة أخرى، إن كان للكون الكثافة ذاتها في كل مكان، بكل سلاسة وانسجام، فمن الطبيعي أن تكون كتلة الكون متقوسة على نفسها وحول ذاتها، مكونة بذلك كرة محدودة. ولكن بحلول العام 1919، كان هنالك من الأدلة ما يكفي لدعم حقيقة أن الكون لم يكن متجانساً، بل كان مكتل الأنحاء، ولم تزعج هذه المعلومة آينشتاين. فلأسباب فلسفية وجمالية، كان الكون المتجانس مستحسن أكثر لديه، وهنا كانت السابقة في علوم الكون. فالسماح بوجود الفرضيات التي تصادم الملاحظة، مع ثبوت صحة الفرضية على الملاحظة في النهاية، أدى إلى انتهاج هذا النهج عبر النظريات الكونية المختلفة إلى يومنا هذا.

الذرة البدائية

من دون الخوض في تفاصيل تطوّر ونشوء فكرة الكون المحدود، فلننظر إلى المرحلة التالية من ولادة الإنفجار العظيم. فقد طُوّرت الصورة الأولى من نظرية الإنفجار العظيم على يد قس كاثوليكي بلجيكي هو جورج-هنري لامييتري (1894-1966). وقد درس هذا القس الكثير من الملاحظات التي وضعها الفلكيون، وعلى وجه الخصوص كل من إدوين هبل وكارل ورتز. فقد اقترح هاذان أن الكون توسعي المنحى، بناء على معدل الإنزياح الأحمر الذي لاحظاه. فقام لامييتري بالإستفادة من هذه المعلومات لتركيب نظريته الرياضية التي أظهرت مسألتين:

ثوابت كونية

فيما تسير مجرة أو نجم عن أرضنا، يبدأ ضوئها بالإنزياح نحو الطرف الأحمر من الطيف الضوئي، وهي ظاهرة شبيهة بصافرة القطار حين تنخفض طبقة رنينها بينما تعبر منا. (وهي ما تسمى بظاهرة دوبلر). عندما يمرر ضوء قادم من مجرة بعيدة عبر منشور ضوئي، فإن الطيف الناتج عنه يظهر التغيّر الحاصل في تردد الموجة الضوئية، بالضبط مثلما تلاحظ انخفاض طبقة الصوت في ظاهرة دوبلر. هذا الإنزياح في التردد، أو ما يسمى بـ الإنزياح الأحمر - redshift، يشير إلى أن مصدر الضوء يسير مبتعداً عنا بسرعة عالية جداً.

الأحاديّة - singularity هو مصطلح معطىً  لطبيعة الكون قبل الإنفجار العظيم. وهي نقطة نظرية واحدة لا حجم لها، ولها خاصية كونها ذات صغر لا متناهٍ وذات كثافة لا متناهيةٍ.  ولا توجد أية قوانين فيزيائية يمكنها أن تشرح ماهيتها على وجه التحديد.

  • أن فكرة آينشتاين عن الكون الساكن غير المتغيّر غير صحيحة، إن كان الكون يتوسع. ولكنه اتفق مع آينشتاين أن الكون محدود.
  • إن كان الكون محدود الزمان، فهذا يقتضي أن يكون محدود الفضاء أيضاً. وإن كان الكون في توسع نحو الخارج فذلك يعني لزاماً أنه ابتدأ من نقطة اللاتوسع، وهي نقطة في الزمان والمكان تسمى الأحاديّة.

وهذه النقطة الواحدة التي اقترحها لامييتري سماها "الذرة البدائية". ولكن هل تذكر الظاهرة الشاغورية للأشعة الكونية بينما تدخل الغلاف الجوي وتصطدم بشذرات الأرض؟ كانت هذه نظرية الألعاب النارية خاصته حول التوسع الكوني. عندما انفجرت الذرة البدائية، انقسمت إلى وحدات متناهية في الصغر، وهي جسيمات كونية دون-ذرية تحولت إلى مجرات، تفسخت فيما بعد وتصاغرت إلى الشموس والمجموعات الشمسية. وفي واقع الحال، فقد اقترح هذه النظرية لتفسير وجود ظاهرة الأشعة الكونية، وبذلك صارت الأشعة الكونية برهاناً على نظريته. بطبيعة الحال، هزأ أغلب العلماء على فكرته، فقد احتوت على الكثير من العيوب في الفرضيات الجدلية الأساسية، كما تعذّر على أغلب سائر العلماء قبول الكثير من نواحي هذه النظرية من الناحية الفلسفية.

انفجار آخر

مع مجيء الحرب العالمية الثانية وتطوير القنبلة النووية، بدأت الصورة التالية من الإنفجار العظيم بالتشكل. فأخذ جورج جامو، وهو أحد علماء مشروع مانهاتن، على عاتقه أن يدفع بآراءه حول بدايات الكون إلى مسرح الحوادث العلمية. فبعد أن رأى إنفجار القنبلة النووية، قام بإسقاط تشبيه على بداية الكون مستفهماً: إن كانت القنبلة الذرية، في جزء من مئة مليون من الثانية، قادرة على انتاج عناصر نتمكن من ملاحظتها بعد سنين طويلة من الإنفجار، فلمَ لا يمكن لإنفجار في بداية الزمان أن ينتج كل هذه العناصر التي نراها اليوم أمامنا؟ مستهدياً بتساؤله: "إن كان هذا الكون قد أتى من نقطة واحدة بالفعل؟"، قام جامو بالإستعانة بمعادلة النسبية العامة للتنظير بأن التفاعلات النووية التي تولدت أثناء الإنفجار هي التي أنتجت كل عناصر الضوء مثل الهيدروجين والهيليوم. وفي نهاية الأمر، بينما استمر الكون في التبرد، نشأت العناصر الأثقل أيضاً. وبإضافة بعض التعديلات على المعادلات الرياضية التي تفسر كثافة المادة الموجودة في الكون، تمكن من الإفاضة بالبيانات التي توافق بشكل قريب مما تم ملاحظته.

خدعٌ ذهنية

عندما قام جورج جامو بتقديم نظريته، قام المخالفون له بتلقيبها بـ "الإنفجار العظيم". وقام الفيزيائي فريد هويل، وهو العالم الذي اقترح نظرية حالة الإستقرار لاحقاً، قام بسك هذه العبارة. فالإسم الذي هدف لأن يسخر من الفكرة أصبح هو الإسم المتداول والمقبول في علوم الكون المعاصرة. ألا ترى معي سخرية الأقدار في هذا؟

أقدم جورج على الترويج والإعلان عن أفكاره متسلحاً بهذه النظرية في قبضته وسط المجتمعات التي خرجت ملكومة من الحرب. فأقبل كتّاب العلوم والجمهور العام مسارعين لإحتضان نظريته على حد سواء نظراً لسهولة فهم تشبيه انفجار القنبلة الذرية. وبينما تصاعدت شعبية النظرية، بدأت تصطبغ بطابع الواقعية بدلاًَ من أساسها النظري. وبالطبع فقد تأصل ذلك بعد أن نُشر كتاب جامو الذي عنونه بعنوان: "واحد، إثنان، ثلاثة، لانهائية" والذي قدّم فيه الإنفجار العظيم كحقيقة قطعية في قسمه الأخير.

ولم تمض فترة طويلة حتى بدأ العلماء واللاهوتيون بمناقشة أوجه الشبه ما بين الإنفجار العظيم وخلق الكون المذكور في الإنجيل. وفي عام 1951، قام البابا بايوس الثاني عشر بإلقاء أولى التصريحات الرسمية للكنيسة الكاثوليكية حول نظرية الإنفجار العظيم، قائلاً: "بدأ العلماء باكتشاف أصابع الله في خلق الكون." 

 

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

3. البديل عن الإنفجار العظيم

البديل عن الإنفجار العظيم

بينما كافحت فكرة الإنفجار العظيم للفوز بالوعي العام، كان هناك فيزيائيون آخرون لم يقتنعوا بها. فقد قام ثلاثة علماء بارزون آخرون، هم فريد هويل وتوماس جولد و هـ. بوندي، بتقديم نظريتهم التي صارت تعرف بنظرية حالة الاستقرار. وعلى غرار نظرية الإنفجار العظيم التي وضعها لامييتري فقد إعتمدت الأسس الفلسفية، وليس الأسس العلمية في تفسير منشأ الكون، ولكن على خلاف الإنفجار العظيم، اقترحت وجود كون أبدي لم ينشأ مع مضي الوقت. وكانت هذه النظرية مبنية على المبدأ الكوزمولوجي، الذي يحوي جوانب استحدثها آينشتاين. وكانت الفكرة في جوهرها أن الكون متجانس (سلس) ومتفق في شكله أينما وآنما نظرت إليه من الكون (متناحي – Isotropic) وإن كان الإنفجار العظيم قد وقع، فإن الكون سيبدو مختلفاً للناظرين له في أوقات مختلفة. وبذلك اقترحت نظرية حالة الاستقرار مبدأ كوزمولزجي تام وكامل. أو بكلمات أخرى، أن الكون يبدو بشكل واحد لأي ناظر أينما وآنما كان.

ثوابث كونية

المبدأ الكوزمزلوجي - cosmological principle هو فكرة تنص على أن الكون، وعلى المقاييس الضخمة جداً، متشابه لأي ناظر في جميع الأماكن والأزمان. وأن المادة متوزعة عبر الكون بتساوٍ، ما يعكس أن الكون سلس غير مكتّل. وهي فكرة فلسفية اقترحها في الأصل ألبرت آينشتاين.

واقترح جولد وبوندي حل فريد لكونهم السلس ذي الكثافة المنتظمة، وهي خلق المادة بشكل ذاتي مستمر. ففي كل حيز من الفضاء، على نحو 100 متر مربع، لمرة واحدة من كل عام، تُخلق ذرّة جديدة في هذا الكون. وعبر الأنحاء الشاسعة والفضاءات المترامية فإن هذه الكميات الضئيلة من المادة المخلوقة تتجمع عبر الزمان لتحافظ على ثبات كثافة الكون. وفيما تموت النجوم والمجرات القديمة، تولد نجوم ومجرات جديدة من رحم المادة المتجددّة التي تُخلق بعملية تلقائية.

واعتمدت هذه النظرية في حوادث خلق العناصر نفس الطريقة التي اعتمدتها حادثة الإنفجار العظيم لـ جامو، لذلك فإن إحكام حجتها ضد شعبية الإنفجار العظيم هي ذات إحكام الحجة. لكنها لم تنل قط الدعم العلمائي التي نالتها نظرية الإنفجار العظيم . كما أن إثباتها كان أمر في غاية الصعوبة. وفي حين أنها ذهبت مذاهب بعيدة لإيجاد بديل مقبول لنظرية الإنفجار العظيم ، فإن أحداً لم يلحظ قط خلق هذه الذرات التي افتُرض أن تحدث بعملية تلقائية في الفضاء. ولكن على مدى 15 سنة ظلت النظريتين تناقَش بحماسة في الأوساط العلمية، على الرغم من أن جهود جامو في الترويج لنظريته، هي التي أكسبتها الرواج والقبول الأكثر.

الأمواج الميكرونية، هو سبيل الإنقاذ

خدعٌ ذهنية

عندما تم الإعداد للإختبار لأول مرة لكي يتم قياس أشعة الأمواج الميكرونية الخلفية، تحير العلماء لوجود التشويش المفرط الذي كان نظامهم يلتقطه، ولم يكن من المفترض أن يوجد كل هذا التشويش الذي يمثل عادةً الإشعاع الخلفي. وبعد إعادة ضبط الأجهزة والآلات والصحون اللاقطة من جديد، لا زال التشويش مفرط. وبعد أن كادوا يستسلمون ويوقفوا الإختبارات، وجدوا أكوام كبيرة من مخلفات الطيور داخل لواقط الأمواج الميكرونية (من ظن أن بإمكانها أن تتجمع بهذه الكميات) وهي التي كانت تشوّه المعلومات الملتقطة. من المعروف أن البراز ينتج الحرارة أثناء تحلله، وكانت هذه الحرارة القليلة جداً هي التي تؤثر بقراءات طيف أشعة الأمواج الميكرونية.

جاءت أهم الدلالات الداعمة للإنفجار العظيم في سنة 1965، عندما قام باحثان في مختبرات بيل في نيوجرزي – الولايات المتحدة، وهما آرنو بينزياس وروبرت ويلسون، بتأكيد أمر تنبّأت به نظرية الإنفجار العظيم. وكان هذا الشيء يسمى بـ أشعة الأمواج الميكرونية الكونية الخلفية. وهو يشبه على نحو ما شفق واه تركه ذلك الحدث، حدث الإنفجار العظيم المهول. وكما تعرف، فإن أي إشعاع يمكن أن يوصف بطيفه الضوئي. فإذا وضعت طيفه هذا في رسم بياني فيسظهر لك الرسم حجم قوة الإشعاع على ترددات مختلفة. وتستبق نظرية الإنفجار العظيم أن الإشعاع الكوني الخلفي في حالة إستقرار حراري. أي أن الطيف الخاص بشيء ما، يوصف بالإستقرار الحراري إذا كان هذا الطيف لا يؤثر حرارياً في محيطه ولا يتأثر حرارياً به. وإن كان مصدر الإشعاع المقاس هو انفجار، مثل الإنفجار العظيم والكائن مداه وتأثيره الكون بأكمله، فلابد أن يكون في حالة استقرار، حيث لا يوجد ما يحيط به (أي الكون) ليؤثر أو يتأثر به.

وبتأكيد هذا التنبؤ الإشعاعي الذي أخبرت به نظرية الإنفجار العظيم، صار العلماء على قناعة أن الإنفجار العظيم هو "الإجابة الشافية". فأصبحت الأوراق والمقالات العلمية تتقاطر بالمئات، كلها تضع النظريات الرياضية والعلل التي تدعم وتؤيد صحتها. وإن كان هنالك أي شك، أو كان هنالك جانب من جوانب النظرية يواجه طريقاً مغلقاً، فكان السبيل أن تُستحدث المزيد من النظريات لسد الثغرات عوضاً عن التشكيك في النظرية الأساس. وأصبح العلماء يتلقّون الهبات ويبنون رصيد السمعة على حساب نظرية الإنفجار العظيم، لذلك لم يكن أحدهم يسعى لأن ينال من هذه النظرية او يشكك فيها. ثم على صعيد آخر، هي أفضل النظريات التي تمت مداولتها، فلم إذاً السعي وراء سواها إن كانت تقدم لك في الأعم الأغلب ما يكفيك. أهو الخمول الكوزمولوجي أم أنه الواقع الذي استُهلِك فيه الكثير من الوقت والمال والجهد في نظرية تم التعامل معها كحقيقة مطلقة؟ أم أن الفرض الذي قدمه آينشتاين:  بأن &qoute;أي من النظريات يمكن إثباتها إثبات مطلق&qoute;، هو فرض لا يزال له تأثير كبير، رغم كونه تأثير لا شعوري؟

رغم ذلك كله، فبينما يمضي الزمان، ومع استحداث المزيد من الإختبارات وتُطوير المزيد من المناظير الأقوى التي تعين على تأكيد كوزمولوجيا الإنفجار العظيم، فإن المشاكل التي سعت لأن تعالجها الإختبارات ، أفضت إلى التسبب بالمزيد من المآزق للنظرية. ومن هذه المشاكل هي أسئلة هامة تعاني نظرية الإنفجار العظيم من الإجابة عليها. في القسم التالي، سنتطرق إلى هذه المشاكل بشيء من الدقة ونشرح فحواها، كما سندرس كيف يرى العلم الحديث نهاية الكون. وستتاح لك الفرصة أيضاً للتعرف على بعض النظريات الجديدة التي قد تكون بديلاً مناسباً عن الإنفجار العظيم.

  

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

4. تسارع الكون

تسارع الكون

سنبدأ هذا القسم من حيث تركناه في القسم السابق، وذلك بإكمالنا لتحليل نظرية الإنفجار الأكبر. وستجد الفرصة هنا للنظر إلى عقبتين أو ثلاث عقبات تحد من القبول التام لها. ولكن ليكن ما يكن، فبما أنها النظرية الأكثر رواجاً في الوقت الحالي، فسندرس إلى عاقبة هذا الكون وكيف سيكون مآله في النهاية، إن كانت نظرية الإنفجار الأكبر هي صحيحة بالفعل. إن هذه النهاية ليست بالنهاية السعيدة أبداً وهي تثير العديد من التساؤلات الفلسفية عن الغاية من خلق الإنسان ووجوده. ولكن من ناحية أخرى، فإن النظرة إلى كيفية انتهاء الكون ما هي إلا تصوّرٌ لنظرية مجردة، وهي ليست بالضرورة كيف ستؤول إليه الأمور في الواقع.

وفي سياق هذا القسم، فإننا سنبحث في نظرية أخرى وضعت للملأ عبر العقود الماضية، وهي نظرية الكوزمولوجيا البلازمية. وهي تقدم الأجوبة على أسئلة تستشكل على الإنفجار الأكبر. وبعد المرور على كل هذه النقاط، فسنستطلع ثلاثة أقدار محتملة للكون والأشكال الهندسية التي تتصادف مع ما تعرفه العلوم الكوزموجية عن هندسية الكون في بداية القرن الحادي والعشرين.

إن هذا الكون أكبر مما توقعنا!

ثوابث كونية

في عام 1986، قام برنت تولي بإكتشاف أن كل المجرات التي تقرب من أرضنا بحوالي مليار سنة ضوئية هي مجرات مكثفة في شرائط ضخمة من المادة وهي تسمى العناقيد الفائقة. ويبلغ طول أحد هذه العناقيد حوالي مليار ميل، وبعرض ثلاث مئة سنة ضوئية وبسماكة مئة سنة ضوئية.

هناك فرضان أساسيان في الكوزمولوجيا التقليدية، أشارت لها الدراسات الحديثة بشيء من الإشكال، والفرضيتين هما:

  • أن الكون في المقياس الضخم، سلس متجانس.
  • هذه السلاسة في الكون محكومة بالجاذبية لوحدها، وعليه فلابد أنه سيتوسع أو ينقبض حول نقطة واحدة هي الأحاديّة.

ولكن، يمكن وصف كوننا بأي شيء عدا كونه سلس متجانس، بل هو متكتل، ولكن ما هي هذه التكتلات؟ اكتشِف أن هذه التكتلات هي مجرات مجتمعة على بعض في عناقيد فائقة تشكل عقد فيما بينها وتبلغ أحجام غاية في الكبر. وهي تشكل شرائط ضخمة من المادة يبلغ طولها مليار سنة ضوئية. وهذه التكتلات لا تتقوس عبر محيط الفضاء كله ولا تتسبب في اتساعه أو انقباضه. فكل من هذه العناقيد الفائقة ما هي إلا مجرد تجعيدة من تجاعيد الفضاء على وجه هذا الكون.

ثقوب سوداء

أول ما اكتشفت العناقيد الفائقة، لم يقبل كثرة من الفلكيين والعلماء فكرة وجودها وأهملوها بالجزم أنها ما هي إلا أخطاء حسابية. بذلك تم تضييع جهود سنوات عديدة للفلكيين الذين اكتشفوها، وذلك لإنقاذ نظرية الإنفجار الأكبر. ولكن الزمن ومنظار هبل كان خير برهان ودعم للإكتشاف الجديد تاركاً المشككين في حيرة من أمرهم. ويعكف العلماء الآن في تخطيط النواحي من الفضاء التي تحتوي على هذه العناقيد الفائقة والضخمة.

طالما كانت فكرة تجانس الكون إشكالية لا تقبلها نظرية الإنفجار الأكبر، لأنها ولعقود من الزمن، صار الفلكيون على يقين أن الكون ليس سلس على هذا النحو. وكانت الرد المتعارف عليه من هذه ناحية تكتل الكون أن الكون وإن بدأ بالتجانس في أولى مراحل الإنفجار، فقد كان هناك تكتلات صغيرة جداً. ومن خلال تأثير الجاذبية، كبرت هذه التكتلات تدريجياً حتى صارت تشكل النجوم والمجرات والعناقيد الموجودة اليوم.
والمشكلة الوحيدة في ذلك أن التكتل كلما كان أكبر، كلما لزم المزيد من الوقت لكي يتشكل. فالكون يقدر أن يكون عمره بين 15 إلى 20 مليار عام. والقول على هذا النحو: من خلال ملاحظة الإنزياح الأحمر (الذي تطرقنا إليه في القسم السابق) الخاص بالمجرات، تمكن الفلكيون من حساب شيئين: كم تبعد المجرات وكم تبلغ سرعة تحركها بالنسبة لنفسهما. وكما تبين فإن المجرات نادراً ما تجري بسرعة تفوق الـ 1000 كيلومتر في الساعة، أو جزء من ثلاثمائة من سرعة الضوء.

وما يعني هذا هو أن خلال العشرين مليون سنة ضوئية منذ الإنفجار الأكبر، لن تتمكن المجرة من التحرك أكثر من 65 مليون سنة ضوئية. وبالطبع فلكي تتشكل هذه العناقيد الضخمة، فإن المادة المحتواة بداخلها لابد وأنها تحركت مسافة 270 مليون سنة ضوئية، والتي تحتاج أن تقطعها خلال مدة زمنية مقدارها 80 مليار سنة، أي بمقدار أربعة أضعاف من الزمن الذي حصل خلاله الإنفجار الأكبر. ولكن إنتظر – فهناك المزيد، فلأن المادة المحتواة في هذه المجرات يجب أن تتسارع أولا إلى السرعة المطلوبة ولأن مركز الكتلة الموجودة في هذه النواحي من الفضاء عليها أن تتشكل لتجذب المادة كل هذه المسافات الضخمة، فمن المقدر أن تحتاج إلى 100 مليار سنة لكل هذه الأحداث أن تقع. إذا بالـ 20 مليار سنة التي تشير إليها التقديرات هي فترة قصير جداً لكي يسمح للكون بأن يتشكل بشكله الحالي.

  

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

5. الكوزمولوجيا البلازمية

الكوزمولوجيا البلازمية

ثوابث كونية

يعتقد الكثير من الكوزمولوجيون أن قرابة 99 بالمئة من الكون لا يمكن ملاحظته لأنه مكوّن من المادة المظلمة. أما ما يمكننا رؤيته من نجوم ومجرات وما سواهم فهي لا تشكل إلا 1 أو 2 بالمئة من إجمالي المادة في الكون كله. أما الباقي فهي شكل غريب وغير معروف من أشكال المادة، وهي جسيمات اعتبرت فكرة ضرورية لكي تصح نظرية الإنفجار الأكبر. فقد أدرك المنظّرون أن المادة الموجودة في الكون هي غاية في القلة وهي بحد ذاتها غير كافية لإمداد الكون بالقوى الجاذبية لتخليقه وتطوّره ليكون على ما هو عليه اليوم. إذاً، إذ لابد من وجود شيء ما ليُنتج كل كمية الجاذبية هذه، لذلك أسست نظرية المادة المظلمة. وقد تم طرح هذه الفكرة قبل حوالي عشرين عاماً وصارت بعدها من المبادئ الثابتة من كوزمولوجيا الإنفجار الأكبر.
البلازما – Plasma تعتبر الحالة الرابعة للمادة، بجانب الحالات الثلاث الأخرى وهي الصلبة والسائلة والغازية. وهي تعتبر حالة ساخنة للمادة يتم فيها تجريد أنوية الذرات من إلكتروناتها فتبقى أيونات ذات شحتنة موجبة، لتختلط بحرية مع الإلكترونات. وخير مثال على البلازما في الطبيعة هي الشفق القطبي الشمالي

ما زال لدينا الكثير من المواضيع لنناقشها في هذا القسم، وأريد أن أقدم لكم نظرة موجزة عن بديل شيّق للكوزمولوجيا التقليدية. إذا فسألخص لكم التحديين الذين تواجهه نظرية الإنفجار الأكبر، وسنضيف تحدٍ آخر عليهما لمزيد من التوضيح. إن إختبار أية نظرية علمية هي عبارة عن العلاقة ما بين تنبّؤاتها وملاحظاتها. ولنتفحص كيف أبلت نظرية الإنفجار الأكبر في هذا الصعيد:

  • النظرية تتنبّأ بوجوب عدم وجود أي مادة قبل عشرين مليار سنة وعدم وجود أي مواد تبتعد عن بعض أكثر من 150 مليون سنة ضوئية. وكما ناقشنا في السابق فمن المتيقّن أن هذين الفرضين غير صحيحهين.
  • من المتنبأ في هذه النظرية أن الكون، بطبيعته العامة وعلى المقاييس الضخمة، فمن المفترض أنه سلس متجانس لكنه ليس كذلك، بل هو مكتل!

المشكلة الثالثة لها علاقة بأقوى دلائل ثبوت النظرية، وهي إشعاعات الأمواج الميكرونية الكونية الخلفية. ولكي يتهيأ للكون أن يشكل المجرات التي نراها من حولنا، فإن الذبذبات التي وجدت في هذه الأشعة الخلفية تشير إلى ضرورة وجود مادة مظلمة تفوق وجود المادة المرئية بمئة مرة. إلا أنه لا توجد أية دلائل مستقاة من التجربة أو الملاحظة تشير إلى وجود المادة المظلمة أصلاً. وما المادة المظلمة إلا نظرية تعين على تفسير نظرية الإنفجار الأكبر. إذاً فإن لم يكن هنالك ما يسمى بالمادة المظلمة، فإن النظرية تتنبأ عملياً بإستحالة وجود المجرات، إلا أننا نعيش وسط مجرة، وهي مجرة درب التبانة.
إذاً، فيما تتنبأ النظرية الأمور من القائمة السابقة، فإن الملاحظة تشير إلى عدم صحتها. إلا أن هذه النظرية هي النظرية المقبولة في الوقت الراهن، وكثرة من العلماء يفترضون أنها صحيحة، فمسألة التخلي عنها لن يكون بالأمر السهل. ففي المجتمع العلمي لم يهمل إلا القليل من النظريات حينما لا يتوفر البديل عنها في اليد. إذاً فما الذي بقي لنا؟ حسنأ، هنالك بديل جديد يقبل وراء الآفاق. وهي تسمى الكوزمولوجيا البلازمية. وفيما يلي فكرة مبسطة عن ما تقدمه.

ملاحظات كوزمولوجية

بما أن الذي تم تقديمه لكم كله، ما هو إلا ملخص ميسّر عن الكوزمولوجيا البلازمية، فإني أنصح أن تطلعوا على قائمة المراجع التي أوردتها في الملحق ب، بعنوان "قائمة المطالعات المقترحة". و فيما يتعلق بهذه النظرية، يوجد الكثير بأكثر مما تستوعبه الصفحات المعدودة التي خصصت لها هنا، لذا فإن وجدت في نفسك الإهتمام لمعرفة المزيد حول هذه الأفكار، فإني أقترح أن ترجع إلى بعض الكتب التي ذكرتها. ولاحظ أن هذه النظرية ما تزال تحظى بدعم متواضع، ذلك أن نظرية الإنفجار الأكبر هي التي ما تزال تحظى بالقبول والرواج لمنشأ الكون وسط علماء الكوزمولوجيا المعاصرين، ومسألة التشكيك في صحة هذه النظرية هي ليست مسألة واردة في خطط أعمالهم اليومية.

يعتقد المدافعون عن الكوزمولوجيا البلازمية أن تطور الكون في الماضي يجب أن يناقش ويبرهن في ظل إعتبارات الأحداث التي تجري في الكون اليوم. وبعبارة أخرى، فيمكن للأحداث التي وقعت في أعماق الفضاء أن تفسّر في ظل الظواهر المدروسة في المختبرات على أرضنا. وهذه المقاربة تستبعد فكرة أن الكون قد بدأ من العدم، في نقظة زمنية ما، كما تتصور نظرية الإنفجار الأكبر. فنحن غير قادرين على إعادة إنتاج الظروف الشرطية للإنفجار الأكبر في المختبرات. وأقرب ما يمكننا الوصول إلى ظروف النظرية هو إنتاج الجسيمات في المسارعات. والكوزمولوجيا البلازمية تؤيد فكرة التساؤل: لأننا نرى كوناً مستمر التطوّر ومستمر التغيير، فإن هذا الكون دائماً ما كان في حيز الوجود، وما فتئ يتطور وسيستمر في الوجود والتطور والديمومة.
وناحية أخرى من نواحي هذه النظرية هي: فيما ترى نظرية الإنفجار الأكبر الكون من ناحية الجاذبية فقط، فإن الكون البلازمي يتشكل ويُحكم عن طريق الكهرباء والمغناطيسية، وليس الجاذبية لوحدها. فبإستحداث مبدأ الكهرومغناطيسية، فإن تكتل الكون والتباين في إشعاع الأمواج الميكرونية الخلفية يمكن تفسيره في غاية السهولة. حتى أن توسع الكون يمكن تفسيره من خلال التفاعل الكهرومغناطيسي للمادة والمادة المضادة.

وفي حين أن الكهرومغناطيسية تشكل الأساس للكوزمولوجيا البلازمية، فهي تعتبر أساساً للمجتمعات التكنولوجية التي تحيط بنا هذا اليوم. فالتكنولوجيا البلازمية حفزت البحوث نحو تحسين شاشات الحواسيب، وكيف يمكون مضاعفة بث موجات الراديو والرادار، وقد تكون هي الإجابة الوافية لتطوير المصباح السحري الذي طال البحث عنه وهو: الطاقة المدمجة – Fusion Energy. إذاً فعلى المدى البعيد فإنها لا تختزن الإمكانية لتقديم توصيف أفضل لمنشأ وطبيعة الكون فحسب، بل يمكن لها أيضاً أن تفضي إلى مجالات كاملة جديدة من التقدمات التكنولوجية. وسأناقش فيما بعد شيء من التراث الشرقي ومقارباتهم الكوزمولزجية والفلكية. فهناك تلازم مثير للإهتمام بين نظرتهم ومفهومهم للكون والأفكار التي نشأت من خلف الكوزمولوجيا البلازمية.

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

6. النموذج المعياري

النموذج المعياري

ثوابت كونية

القانون الثاني للديناميكا الحراريّة ينص ببساطة على أن الأشياء تفنى وتبلى. لكن، لكي نتحرى العلمية، فهو قانون من ثلاثة قوانين مبدأية في دراسة الحرارة. وهي تعبّر عن القوانين الفيزيائية التي تقول بأن الحرارة لا يمكنها أن تنتقل من الحيز البارد إلى الحيز الأكثر حرارة من تلقاء نفسها. على سبيل المثال، فإن قالب الثلج في كأس من الماء الدافئ يذوب بينما تنتقل الحرارة إليه من الماء، ما يفضي إلى كوب أبرد قليلاً من كوب الماء الذي بدأنا به. ولكنك لن تجد أبداً قوالب ثلج تتشكل تلقائياً في كأس الماء، ولا يمكن لهذه القوالب أن تتشكل إلا من خلال ضخ الحرارة خارج الكأس، وهو الأمر الذي يحصل في خزانة التجميد من ثلاجتك. إذاً فلا يمكن لهذه العملية إلا أن تحصل في إتجاه أحادي، ولا يمكن عكسها.

لو أخذنا الوضعية الراهنة للعلوم الكوزمولوجية في عين الإعتبار، فستكتشف أنه من الحسن أن نمضي ما تبقّى من هذا القسم في محاولة تزويدك بفهم عام عن الإتجاهات التي ستقودنا فيه النظريات التقليدية منه. وفيما تعتبر نظرية الكوزمولوجيا البلازمية هي البديل الأكثر جدارة، فإن النموذج المعياري الحالي في الكوزمزلوجيا هي نظرية الإنفجار الأكبر، ومن المتوقع أن ننتظر قليلاً من الوقت قبل أن نحصل على المزيد من الأنصار للكوزمولوجيا البلازمية. وعليه فلنكمل الإستطراد في بعض نواحي الإنفجار الأكبر التي لم نتطرق إليها مسبقاً. ويتمحور هذا النقاش حول ثلاثة سيناريوهات محتملة عن كيفية إنتهاء هذا الكون. ويمكن تلخيص إثنتان منهم بما يلي:

  • الإنقباض العظيم وهي العكس المرآتي للإنفجار الأكبر. وسيدخل هذا الحدث حيز الوجود حين تكون القوة الجذبية للكون كافية للحد من التوسع المستمر للكون بشكل نهائي قاطع. حينها، سيتوقف الكون عن التوسع ثم لا يلبث أن ينهار منقبضاً على نفسه من حيث بدأ.
  • أما الجمود العظيم فهو عكس الإنقباض العظيم. ففي هذا السيناريو سيستمر الكون في التوسع إلى الأبد. إذ لا يوجد في الكون القوة الجذبية الكافية لإيقاف هذا التوسع، حينها ستستهلك كل النجوم والمجرات مخزونها من الطاقة ليبرد الكون بعد أن صار خالياً من أي مصدر من مصادر الحرارة. عندها سيؤول كل شيء إلى البرود والجمود!
وأعتقد أنك ترى من خلال الملخصين الفائتين أن أهم العوامل التي تحدد مصير الكون هي الجاذبية. ولكي يتسنى لك الحصول على فكرة أوضح، عن إمكانية وقوع هاذين المصيرين، فلتسمح لي أن أعطيك بعض الأمثلة لتوضيح آلية عملهما. إذا رميت بكرة إلى أعلى، فإنها ستصل إلى إرتفاع أقصىً ما، ثم تتوقف لجزء من الثانية، ثم ترجع واقعة بين يديك. وفي هذه الحالة فإن قوة الجاذبية هي قوية بما يكفي لأن تكبح وتبطئ الكرة المتحركة إلى الحد الذي تعكس فيها سرعتها. وهكذا يكون الإنقباض العظيم.

ملاحظات كوزمولوجية

إن العلم الذي يعنى بدراسة ما يحصل داخل بيئة نظام ما، يسمى نظرية الأنظمة العامة. وهي من المجالات العلمية الخلابة التي تستقصي القوانين التي تحكم بيئات الأنظمة المغلقة والمنفتحة، وهما النوعان الوحيدان المحتملتان لبيئات الأنظمة. وهذه الأنظمة البيئية توجد حولنا في جميع الأرجاء سواء في الطبيعة أو الإجتماع أو الكون بل وفي أنفسنا أيضاً. وقد صرنا نعلم الكثير عن الإعتماد البيني لبيئات الأنظمة وكيف أن إختلال التوازن في إحداها تقود إلى التأثير في توازن الأخريات. ومثال جيد على هذه الأنظمة هي الأثر الذي نخلفه نحن البشر على بيئتنا الطبيعية. فما الذي تتوقع إختلاله فينا نحن البشر، والذي أثر بدوره على الطبيعة فأربك توازنها؟

وعلى الصعيد الآخر، إذا ما أطلقت بصاروخ مكوكي نحو أعماق الفضاء الخارجي، دون مخطط لعودته، فإن لدينا فيه مثال للجمود العظيم. في هذه الحالة، فإن الطاقة الحركية للصاروخ تفوق طاقة الجاذبية، فيستمر هذا الصاروخ المضي إلى الأبد، لأن جاذبية الأرض غير قادرة على كبح حركته. إذاً ففي المثالين، كانت كمية الجاذبية هي العامل المؤثر في النتيجة. ولكن يوجد هناك عوامل أخرى غير الجاذبية يجب أن نأخذها بعين الإعتبار. وإحدى هذه العوامل هو القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحراريّة - second law of thermodynamics، أما العامل الآخر فهو شكل الكون.

يرتبط القانون الثاني هذا أيضاً بعملية فيزيائية أخرى تسمى: الإنتروبيّة. والإنتروبيا هي مقياس لكمية الإضطراب في الكون. وهي تعكس فكرة: أن الشيء، عندما يبدأ يبلى ويهترئ، فإن هذا الشيء لن يكون قادر على استعادة صلاحه من تلقاء ذاته دون مساعدة خارجية. أي أن البيضة المكسورة لن تكون قادرة على إعادة شكلها الأصلي. ففي بيئة نظام مغلق، فإن الإنتروبيا لا تتناقص أبداً، بل تتزايد أو تبقى ثابته. فإن كان الكون نظام مغلق، فإنه سيتهالك ويفنى ببطء مع مرور الزمن. وعلى الصعيد النقيض، إن كان الكون عبارة عن نظام منفتح، فيمكن للنظام أن يتزايد ويمكن للإنتروبيا ان تتناقص، بسبب وجود عوامل تدخّلت فيه من حيثٍ آخر، مستجلبة المساعدة معها إلى هذا الحيث.

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

7. الألفا والأوميغا

الألفا والأوميغا

الآن وبعد أن عرفنا أن كل من الجاذبية والأنتروبيّة والقانون الثاني للديناميكا الحراريّة تلعب دوراً في تحديد مصير الكون في نظرية الإنفجار الأكبر، فنركب جميع هذه الأجزاء معاً ولننظر ما هي الإحتمالات لمصير الكون. ذكرت فيما مضى احتمالين، وهما الجمود العظيم والإنقباض العظيم ، ولكن هناك احتمال ثالث كذلك. وأود هنا أن ألعب دور العالم أكثر لكي أتعامل مع العملية بكاملها وأتعامل مع السيناريوهات الثلاثة المحتملة بأفكار ومفاهيم يتعامل بها الكوزمولوجيون والفلكيون.

عند مناقشة الطاقة الجاذبية للكون بصورته الكاملة، فهناك ترابط مباشر مع كثافة كتلة الكون: كلما زادت كثافة الكتلة للكون، أو لأي كائن، كلما زادت طاقة الجاذبية فيه. فعلى سبيل المثال، فإن النجم النيوتروني هو نجم متراص جداً ينشأ عندما تنهار نواة نجم مهول جداً. ويمكن للنجم النيوتروني أن يحوز على كتلة مشابهة لكتلة الشمس، لكن بقطر يصغر عنها بسبعين ألف مرة. والنتيجة لذلك أن الجاذبية عند سطح النجم النيوتروني هو أكبر من الجاذبية عند سطح الشمس بنحو خمسة مليارات مرة.

ثوابت كونية

يتكون النجم النيوتروني بشكل كلي تقريباً من نيوترونات، ولها تقريباً نفس كتلة الشمس، لكنها مكدسة كلها في حيز كرة يبلغ قطرها عشرة كيلومترات تقريباً، وتبلغ كثافتها عين كثافة النواة الذرية. وإن كان لنجم ما كتلة تبلغ ثلاثة أضعاف كتلة شمسنا، فإنها في نهاية حياتها ستنهار على نفسها أكثر من ذلك. فعوض عن انهيار إلى نجم إلكتروني فهي ستنهار لتكوّن ثقب أسود، فيما تغلب جاذبيتها كل المظاهر الكمية وتسحق كل المادة الواقعة في محيط التأثير إلى عدم لا موجود.

إن الطاقة الجاذبية للكون إنما هي مساوية لطاقته الحركية (وهي الطاقة التي يختزنها الجسم نتيجة حركته) لقيمة محددة من كثافة الكتلة في الكون. وهذه القيمة التي تفصل ما بين التوسع الأبدي والإنقباض المصيري، تسمى الكثافة الحرجة. وإن كانت الكثافة في الكون أعلى من الكثافة الحرجة، فإن الإنتصار سيكون من نصيب الجاذبية، وعندها سيتوقف التوسع ويبدأ الإنقباض بالحدوث. وإن كانت الكثافة أقل من الكثافة الحرجة، فإن الكون سيستمر في التوسع إلى الأبد. أما السيناريو الثالث، فهي حدود فاصلة بين الإنقباض العظيم والجمود العظيم. ففي هذه الحالة عندما تساوي الطاقة الجركية تماماً الطاقة الجاذبية (أو بعبارة أخرى، عندما تتساوى كثافة الكتلة تماما مع الكثافة الحرجة) فإن التوسع أيضاً سيستمر إلى الأبد، ولكن سرعة التوسع الذي يستمر فيه الكون مآله الصفر بينما يمضي الوقت.

في الفيزياء، كما لاحظت مسبقاً، يتم استخدام حرف يوناني للدلالة على هذه النسبة بين الكثافة الحقيقية والكثافة الحرجة. وهذا الحرف المستخدم هو الأوميغا، Ω. إن الأوميغا هو الحرف الرابع والعشرين والأخير للأبجدية اليونانية، وهي رمز مناسب في هذه الحالة. إذاً فاستخدام هذا الحرف كما يستخدمه الكوزمولوجيون عندما يتحدثون عن الكيفية التي سينتهي فيها الكون، فالإنهيار المصيري أو الإنقباض العظيم يتوافق مع قيمة للأوميغا هي أكبر من الواحد. أو بعبارة أخرى، فإن النسبة الناتجة عن كثافة الكتلة على الكثافة الحرجة هي نسبة تكبر عن الواحد. وإن كان الكون سيتوسع إلى الأبد وبشكل أزلي، فإن قيمة الأوميغا ستصغر عن الواحد. وهذا يعني أن الكسر الناتج عن قسمة كثافة الكتلة على الكثافة الحرجة ستكون أصغر من الواحد. أما في الكون الذي سيتوسع إلى الأبد، لكن بسرعة توسع تتباطئ لتؤول إلى الصفر، فإن قيمة الأوميغا ستكون مساية للواحد تماماً. وفي هذه الحالة، فإن نسبة كثافة الكتلة إلى نسبة الكثافة الحرجة هي نسبة متساوية.

خدعٌ ذهنية

إن الطرق المتبعة لإكتشاف قيم الأوميغا هي شبيهة جداً بالطرق التي اتبعها القائد العسكري القرطاجي العظيم حنابعل. فقبل معركته مع الرومان عند قرية كاناي الأثرية في عام 216 قبل الميلاد، أراد القائد أن يتوصل إلى قيمة تقديرية لحجم الجيش الروماني. فقام بذلك عبر جمع الإستخبارات الدقيقة عن المؤن الغذائية التي تورّد إلى الجيش الروماني. وعن طريق حساب كميات الطعام التي يستهلكها كل جندي، استطاع أن يحدد بشكل دقيق حجم ذلك الجيش. وعلى غرار ذلك، عند حساب كمية كثافة الكتلة الكونية، فقد إعتمد العلماء على ملاحظاتهم أن هذه الكثافة تنتج الشد الجاذبي.

الحاجة إلى المادة المظلمة

بناء على ذلك، لكي يتسنى لنا الإجابة عن التساؤل حول القدر المصيري للكون، فيجب أن نقرر إن كانت الكثافة الخاصة بكتلة كوننا هي: أكبر أم أصغر أم مساوية للكثافة الحرجة. يبدو هذا التساؤل سهل جداً، أليس كذلك؟ في الحقيقة، هذا هو المدخل الذي يدخل عبره الدعم لمفهوم المادة المظلمة. فالظاهر من غير الكتلة المزعومة هذه، فإنه لا يوجد في الكون مادة كافية لإحتساب القوى الجذبية التي تمسك بالمجرات والعناقيد الفائقة مع بعضها، وعليه يستمر الكون في التوسع إلى الأبد. ومن دون وجود المادة المظلمة، فإن الكثافة العامة للكون (كثافة الكتلة) هي أصغر بمئة مرة من الكثافة الحرجة، وهي ما تعطينا قيمة لأوميغا تقل عن 0.01 . وهذه القيمة صغيرة جداً ولا تتوافق مع القيم الأخرى المتوقعة لأوميغا.

هناك الكثير من الطرق والمنهجيات التي اتبعها الفلكيون لتحديد قيمة أوميغا. وسأعطيكم فكرة عن طريقة عمل إحداها. فمن خلال سرعة الغمامات الغازية التي تحيط بمركز مجرات منفردة وسرعات مجرات في عناقيد وعناقيد فائقة، تمكن الفلكيون من تحديد أن المادة المظلمة يفوق وزنها المادة المرئية بعمل عشرة أو يزيد. إذاً، فقيمة أوميغا المستنتجة الديناميكيات الجذبية، في العناقيد والعناقيد الفائقة هي ما بين 0.2 و 0.3 تقريباً. لكنها ليست التقدير الرسمي، فكما تبيّن، فالقيمة التي استُنتجت لأوميغا يزعم أنها مساوية لواحد، أما تلك القيم الأصغر فمردها إلى عدم كفاءة وقدرة الطرق المتبعة للكشف عن كل المادة المظلمة الموجودة في الواقع. إن النظرية التي طوّرت لدعم قيمة الواحد التي تساويها الأوميغا، هي في الحقيقة نظرية معقدة ولا تلائم مستوى ابتدائي في الطرح والشرح، ولكن ما يهمنا هنا هو ملاحظة أن الفيزيائيين عبروا عن نزعة قوية لتفضيل قيمة الواحد لأوميغا حتى قبل أن تُطوّر هذه النظرية، ومردّ ذلك كله هو الرجوع لمبدأ الجماليات.

ثوابت كونية

الكثافة الحرجة هي قيمة رياضية معطاة للعلاقة بين الطاقة الجاذبية للكون وكثافة الكتلة الخاصة بالكون. وهي تستخدم لتحديد المصير المحتمل للكون كما أنها تستخدم لتحديد الشكل المحتمل له.

العيش في العوالم المسطحة

الجاذبية، وهي القوة التي تعتبر العنصر الأساسي في كوزمولوجيا الإنفجار الأكبر هي، وكما لاحظتم، مستخدمة لتعريف قيمة أوميغا. والجاذبية تستخدم على السواء لمعرفة شكل الكون. فكما سترى قريباً، فإن هناك ربط مباشر ما بين شكل الكون والقيمة المعيّنة للأوميغا. ففي الكون المغلق، تكون القيمة المعطاة لأوميغا أكبر من الواحد. وفي هذا النموذج، فإن كثافة الكتلة هي كبيرة بما يكفي أن توقف الجاذبية توسع الكون وفيها يرجع الكون لينقبض على نفسه. أما من الناحية الهندسية، فإن ذلك يتوافق من حيث الزمان والمكان مع الشكل الكروي. وبفعل كثافة الكتلة فإن الفراغ سينحنى راجعاً على نفسه. وفي كونٍ كهذا، إن كنت تمضي عبر خط مستقيم (وما هو في الواقع إلا محيط دائرة كبرى) فإنك سترجع في النهاية إلى النقطة التي ابتدأت منها. ولكن هناك مزايا أخرى غريبة لهذا الشكل من أشكال الكون المحتملة: فالخطوط المتوازية تتقاطع في نهاية المطاف، وأقصر المسافات ما بين نقطتين هي ليست الخط المستفيم بل هي الخط المنحنى، ومجموع زوايا مثلث ما، دائما ً ما تفوق الـ 180 درجة. (بالطبع في السطح المستوي، القاعدة هي أن مجموع زوايا المثلث دائما ما تكون 180 درجة. وعندما تطير الطائرات عابرة مسافات كبيرة من الأرض، فإنها لا تطير أبداً بخط مستفيم، فالمسافة ستكون أقصر لو طارت مع المنحنى العلوي أو السفلي للأرض.)

ثوابت كونية

في الفلسفة، الجماليات هي دراسة كل ما هو جميل. أما في الفيزياء فإنها الإيمان العميق الذي يشاطره كثرة من الفيزيائيين بأن النظريات حول الكون لابد وأن تكون جميلة. وبطبيعة الحال، لا يوجد في المبادئ والقوانين الفيزيائية ما ينص على ذلك، وما هو إلا استهواء وميل إنساني كان وما زال "نبراس هدى" في استكشاف البنى الخفية لعلم الفلك. وهناك نزعة فينا كبشر تجنح نحو صبغ الكون بطابع الحسن والجمال، سواء من الناحية الرياضية أو الموسيقية أو البنيوية. وجميع النظريات التي ناقشها العلماء تقريباً تغلب عليها هذه الصفة. ولكن كيف إن لم يكن كذلك؟ فهل سنكون سعداء لو كنا نعيش في كون "قبيح"؟

الإحتمال الثاني هو أن الكون كونٌ منفتح. وهذا يوافقه أن تكون قيمة الأوميغا أصغر من الواحد. وفي هذه الحالة فإن مجال الجاذبية أضعف من أن يوقف التوسع، وعندها سيتوسع الكون إلى الأبد. وسيكون الشكل الهندسي لهذا الكون هو عكس الشكل الموصوف في النموذج السابق. فعوضاً عن إنقباض الزمان والمكان على نفسه راجعاً والإفضاء بحجم منتهٍ، فإن الفضاء ينحنى خارجاً عن نفسه نحو أفق مفتوح، وهو ما يننتج فضاء لا متناهٍ. والشكل الناتج عن ذلك يمكن وصفه بأفضل الطرق على أنه شكل السرج. وبالطبع، فسيكون له مواصفات متناقضة مع مواصفات الكرة. فالخطوط المتوازية تنفرج عن بعضها، ومجموع زوايا المثلث دائماً ما ستكون أقل من 180 درجة، وٌأقرب المسافات بين نقطتين هي مسار القطع الزائد.

الإحتمال الثالث المتوفر لدينا هو في أن قيمة الأوميغا مساوية تماما للواحد. وهي، كما علمت، تضع الكون على خط فاصل بين التوسع الأبدي والإنقباض المحتوم. والكون في هذه الحالة في توسع أبدي ولكن السرعة التي يتوسع فيها تؤول إلى الصفر مع مضي الوقت. إن هذا الشكل المحتمل من أشكال الكون هو شكل مسطّح. نعم، مسطّح، تماماً مثل سطح الطاولة أو سطح الجدار. وفي هذه الحالة فإن لهذا الكون الصفات المتعارف عليها من قبيل أن: الخطوط المتوازية تبقى متوازية، وأن مجموع زوايا المثلث هي دائما ما تساوي 180 درجة، وأن أقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم. وهل أن الفرض القائل بأن "واقعنا المعيشي واليومي يؤيد ويعكس الشكل الهندسي المسطح للفضاء" له أي علاقة بكونه مسطح فعلياً؟ أبداً، إلا أن ذلك التصوّر يسهل علينا فهم الأمور أكثر لا غير.

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

8. إنه كون خارج أي سيطرة

إنه كون خارج أي سيطرة

ثوابث كونية

القطع الزائد هو منحنى يتشكل نتيجة تقاطع سطح مستوٍ مع شكل مخروطي يميل ميلاً حاداً نحو قاعدته أكثر من ميله نحو جوانبه. فما معنى ذلك بـ "العربية" البسيطة؟ هو نوع من أنواع المنحنيات الخاصة التي تتخذ (على النحو العام) من شكل الحرف اللاتيني U شكلاً لها.

إذاً فهذا هو الوضع الراهن للإنفجار الأكبر. والإجماع العام هو أن قيمة الأوميغا هي مساوية للواحد وأن شكل الكون الهندسي هو شكل مسطح. إذاً فما معنى ذلك؟ وما الذي اكتشفه الفلكيون والكوزمولوجيون عن الحاصل في الكون لتعكس هذا الشكل؟ إن إحدى أبرز الأمور التي يظهر حدوثها حالياً، هو أن السرعة التي يتوسع فيها الكون في تزايد. والكون ينشق عن بعضه بسرعة متزايدة باطّراد. وفي الوقت الراهن، فإن المئة مليار من المجرات التي يمكننا رؤيتها عبر مناظيرنا ستنسحب متقلصة خارج نطاق رؤيتنا واحدة تلو الأخرى. (بالطبع نحن نتحدث عن مقياس من مئات الملايين من السنين قبل أن يتحقق ذلك.) وبعد العشرات من المليارات من السنين، ستكون مجرة درب التبانة هي المجرة الوحيدة التي سنتمكن من رؤيتها. ولكن ستكون شمسنا حينها قد انكمشت واضمحلت إلى قزم أبيض (نجم متكثف صغير يقترب من نهاية حياته، ويشع منه ضوءً أبيضاً). وستبعث اليسير من الضوء والحرارة لأيّ من أو لأيّ ما بقي على سطح الأرض. إلا أن المليارات من السنين لهو زمن قصير على المقياس الزمني الكوزمولوجي، حيث سيستمر الكون في الوجود فيما تستمر النجوم والشموس في استهلاك واحراق وقودها عبر كل المجرات ببطء شديد. ومع مجيء الوقت الذي يكون فيه الكون أحد ترليون–ترليون–ترليون–ترليون–ترليون سنة، فستنهار كل النجوم الميتة إلى ثقوب سوداء، وهذه الثقوب السوداء سوف تتفكك ببطء لتتحول إلى جسيمات طائشة تصطدم ببعضها البعض بين الحين والآخر. حينها ما كان في زمن ما كون مضاء من قبل النجوم والمجرات التي لا حصر لها، أمسى به الأمر مكاناً واسعاً خالياً مظلماً وحيداً، يفوق كل تصور وكل خيال. ومع هذه الصورة المبهجة سنأتي على ختام هذا القسم من نقاشنا.

 ---------------

ترجمة المختار موسى بوخمسين،

لمقتطفات من كتاب: The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe

من المترجِم: الرجاء وضع رابط لهذه الصفحة عند نقل الموضوع

 The Complete Idiot's Guide to Theories of the Universe © 2001 by Gary F. Moring. All rights reserved including the right of reproduction in whole or in part in any form. Used by arrangement with Alpha Books, a member of Penguin Group (USA) Inc.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.