محمد: نبيٌّ لهذا العصر - خطبة تقديمية للكتاب

"محمد: نبيٌّ لهذا العصر" خطبة الكاتبة في تقديمها للكتاب بعد نشره

في عام 2007 عندما قامت الباحثة والكاتبة الانجليزية كارين أرمسترونغ بنشر كتابها المعنون "محمد: نبي لزماننا - Muhammad: A Prophet for Our Time" ارتجلت أمام جمهور ذو غالبية مسلمة يتألف من المهتمين والدبلوماسيين والمثقفين في واشنطون بالولايات المتحدة متحدثةً عن نفسها وعن دراستها الاسلام، ثم عن دراساتها المقارنة بين الديانات الابراهيمية وقراءاتها للجماعات الأصولية المتطرفة التي أوبئت بها جميع ديانات العالم عندما ينتزع الخطاب بين الجماعات من قيم الانسانية والعدل والمساواة والتفاهم التي يجب أن تحكم بين المجتمعات البشرية بمختلف توجهاتها واطيافها. إن أهم ما جاء في هذه الكلمة هو تحليلها للحداثة في النصف الثاني من كلمتها، وكيف أن الحداثة في مجملها تنسجم وجوهر الاسلام. إلا أن المؤسف هو الخلط الذي حصل ما بين مفهوم الحداثة وبين تطبيقاتها والأيديولوجيات التي أسست عليها أو نشأت عنها، والتي جعلت المجتمع الاسلامي التقليدي في حالة انسحاب وتشكيك منها، بل اعتبره تهديداً لوجوده.
المترجم


سعادة السيدات والسادة،

إنه من دواعي سروري العظيم أن ألتقي بكم ولو في هذه الأيام العصيبة والمضطربة، وسأبدأ بالسؤال: كيف نما عندي الاهتمام بالاسلام منذ بداية مشواري؟ فبالنظر الى طموحي في الحياة، لم تكن الكتابة عن الأديان شيء يثير اهتمامي على الاطلاق، بل ما كنت أسعى إليه هو أن أكون أستاذة جامعية تدرس الأدب الانجليزي.

ولكن بعد العديد من الاحباطات المهنية، وجدت نفسي مقدمة في التلفاز، ومنها وجدت نفسي في القدس أعد برنامجاً عن عهد المسيحية المبكر. وهناك، نزل عليّ إلهام شخصي من السماء. فحتى ذلك الوقت، ورغم أني امتلكت ماضياً متديّناً قوياً، فإني لم أسمع بتفاصيل عن اليهودية أو الاسلام. ولم أفكر باليهودية إلا أنها كانت حركة تمهيدية سبقت الدين المسيحي. أما الاسلام، فإني لم أفكر به مطلقاً.

بداية دراستها الاسلام

ولكن عندما يعيش المرء في المدينة المقدسة، فيرى ثلاث ديانات تتنافس، في كثير من الأوقات على نفس المواقع المقدسة، فإنك لا تدرك الخصومة التي وقعت بكل أسف بين الدين والآخر وحسب، تذكيها وتضرمها العوامل الساسية، بل أيضاً تلاحظ التشابهات والارتباطات والحميميات بينهم.

فشرعت بدراسة الديانات الثلاثة كلها، وعليّ أن أقول أن دراستي لليهودية والاسلام معاً هي التي أرجعتني الى جادة التدين لممارسة منظومة دينية. وقد مكّنتني هذه الدراسة أن أرى فحوى الرسالة العملية التي كان موروثي الديني الأصلي يسعى ويبرع في تطبيقها على سائر المواريث الدينية. وقد ازداد انزعاجي كثيراً لأن أجد وجهة النظر السائدة حينئذ عن الاسلام، ونحن نتحدث عن ثمانينات القرن الماضي، إذ اختلفت اختلافاً كبيراً عن الواقع. وقد أزعجني ذلك لسببين:

فقد اكتسبت لياقاتي البحثية من جامعة أوكسفورد، فإذ دُرّبت على ان أتفحص الرأيين المتعاكسين لأي سؤال دائماً، وأنا على يقين أن ذلك ينطبق على جامعاتكم الأمريكية العريقة أيضاً، فإن ذلك يوجب أن لا تكتب بحثاً أو مقالاً تستعرض فيه رأياً واحداً وحسب. بل يجب عليك أن تضمّن بل وتمعن التفكير في الرأي المقابل، بل ويجب أن تكون مستعداً لأن تغير رأيك إن قادك البحث نحو ذلك. وكان عليك أن تتحرى الدقة وتبني نظرياتك وأفكارك على حقائق دامغة.

وقد أهان فكري ذلك الذي كنت أسمعه من الناس الذين يتكلمون عن الاسلام بأنه منظومة دينية متأصلة في العنف والتعصب واللاتسامح معتبرة أن ذلك غير صحيح. وقد أزعجتني هذه اللهجة بحق لأننا نحن القادمون من أوروبا، فإن تاريخنا يزخر بالتعصب الأعمى. وإن كان هنالك شيئاً مهّد لقيام معسكرات القتل في ثلاثينيات القرن الماضي فهو التعصب الأعمى والتحيّز المجحف الخامل من أي فكر، ويبدو أننا لم نأخذ أي عبر أو دروس من تلك الكوارث المرعبة.

فبدأت أتكلم محاولة أصلاح الاختزالات والصور النمطية. ووجدت أن الفوبيا التي عندنا من الاسلام هي ظاهرة قديمة جداً في العالم الغربي. فهي ترجع الى زمن الصليبيين. وهو ذلك الوقت الذي بدأت فيه أوروبا بالزحف خارجة من فترة بربرية قاتمة تعرف بعصر الظلام في القرنين العاشر والحادي عشر، لتعود الى الساحة الدولية. وفي تلك الفترة أصبحت اليهودية والاسلام شماعة اللوائم النفسية لأوروبا، فقد كانا رمزاً لكل ما أملنا أن لا نكون وكل ما خشينا أن نصبح.

التصور المسيحي المبكر عن الاسلام

فعلى سبيل المثال، في فترة الحروب الصليبية، كان المسيحيون هم الذين يبادئون الحروب المقدسة الضارية على المسلمين في البقاع المقدسة، حتى بدأ علماء أوروبا في القرن الثاني عشر بوصف الاسلام بأنه ديانة السيف العنيفة. وقد كان هذا الاسقاط نابعاً من قلق دفين عن سلوكياتهم هم. فقد ذكر في أحد الأناجيل أن عيسى (ع) قال لأتباعه أن يحبوا أعدائهم لا أن يمحقوهم. فالقلق حيال طبيعة كراهيتهم اللامسيحية المتطرفة جعلتهم يرمون بتهمة "ديانة السيف" على غيرهم.

بالاضافة الى ذلك، في زمن حاول فيه الباباوات أن يفرضوا تعاليم التبتل بين طبقة الكهنة العازفة عن هذه التعاليم، كان النبي محمد (ص) يتهم باتهامات تنم عن حسد بغيض أنه جنسي بل ومنحرف. وكان الاسلام يوصف بأنه دين يشجع المسلمين على الاستجابة لأحط الغرائز والنزوات. وكان ذلك الوقت من التاريخ هو زمن كانت أوروبا الموبوءة بالطبقية الاجتماعية تقف مناهضة لروح المساواة والعدل التي جاء بها الانجيل.

وكان الاسلام يوصف بأنه يعطي اعتباراً وحقوقاً واحتراما أكثر مما يجب للخدم والعبيد والطبقات الاجتماعية الدنيا وللنساء. وهكذا فإن الاسلام أصبح شماعة تلقي عليها أوروبا مثالبها ومخاوفها. وبينما اجتهدنا، نحن الأوروبيون، لأن نعيد صياغة فهمنا لأنفسنا، ونضع تصوراً جديداً للمسيحية الغربية التي كانت تختلف اختلافاً كبيراً عن المسيحية الأرثودكسية الشرقية، أصبح الاسلام البعبع والشماعة.

واليهودية كذلك! فخلال فترة الحروب الصليبية، عندما عجز الناس أن يسافروا للشرق الأوسط لقتال المسلمين هناك، قاموا بمهاجمة اليهود الذين عاشوا بينهم كمساهمة منهم في جهود الحرب الصليبية. ولم يكن إلا في هذا الوقت، عندما صار اليهود ينعتون للمرة الأولى بقتلة الأطفال.

فقد أشيع أن مناسبة عيد الفصح اليهودي كانت الفترة التي يختطف فيها اليهود الأطفال المسيحيين ليستخدموا دمائهم في صناعة فطير العيد. وهذه الصورة عن اليهودي بأنه قاتل أطفال تعكس مرة أخرى خوف غير مفهوم للديانة الأصلية، ترتب على ذلك عجز على تقبل الجذور اليهودية للمسيحية.

إذاً فهذه الأحكام المجحفة عميقة جداً، فأستميحكم عذراً إن شرعت بالحديث عن الجهاد والعنف. فهذا هو أمر، كما كنت أقول، وصف به الإسلام لفترة فاقت ألف سنة. وأنا أعبر عن اعتذاري لكم لأن أكثر السادة الحضور من المسلمين وهم يعرفون هذا الأمر، لكن السادة الحاضرين من الغرب سمعوني أقول هذا الشيء كثيراً منذ الحادي عشر من سبتمبر، وقد تعودت على تقديم اعتذاري لأن الناس بدأت تفهم هذا المراد الآن.

لكن المؤسف الذي يحصل هو كلما وقعت علينا أزمة مثل أزمة الرسومات الكاريكاتورية الدنماركية، تدب الحياة في الهياكل العظمية فتخرج علينا من توابيتها، فيتعين علينا أن نبدأ التفاهم من الصفر. والأفكار هذه محفورة في بعمق، حتى صرنا كما لو كنا نتعامل مع لعبة الأطفال السلالم والأفاعي: فما إن يصادف لحجرك أن يقع على أفعى إلا ويبتلعك لترجع الى نقطة البداية وتبدأ من جديد فتعيد الشرح أن الإسلام هو ليس ديانة السيف.

هل الإسلام دين سلام؟

أعتذر إن قفزت الى هذا الموضوع الآن مباشرة. يقدم القرآن لأتباعه ديناً لا يعرف السلم المطلق. فهو لا يتبع ذات المنهج السلمي الذي يفترض للدين المسيحي أن يمثله، لكنه ما عاد كذلك (أي المسيحية). إن لدى الإسلام تصور أكثر واقعية للسلمية، وفي بعض الأحيان يتحتم بكل أسف على المسلم أن يقاتل لكي يحافظ على مجموعة القيم التي يؤمن بها بشرط أن يكون قتاله دفاعاً. ويجب ألا يكون القتال حربا عدائية. وقد وضعت قوانين صارمة في التشريع الإسلامي ألا يمسّ المدني بأي سوء. وكان من المحظور على الحاكم أن يهاجم دولة تسمح لمسلميها حرية المعتقد والعبادة. وكان من المحرم استخدام القتال بالنار فهو من الأمور الشنيعة. ومرّة أخرى يخطر على بالنا مشهد تفجيرات البرجين في الحادي عشر من سبتمبر، وهو عمل غير شرعي وهرطقي، بل وغير إنساني ارتكب باسم الإسلام.

يصر القرآن أن قتال النبي محمد (ص) كان دفاعاً عن النفس. وكانت مدينة مكة ذات السلطة والقوة تهاجم التجمعات الإسلامية، ولو تسنّى للمكيين الغلبة، فوفق العادات العربية قبل الإسلام، لتمكنوا من قتل الرجال كلهم وسبي النساء والأطفال. إذاً فإن هذا المجتمع الإسلامي المبكر يدافع عن نفسه من الاندثار. 

ولكن الحال في أي حرب، مثل ما نلاحظ اليوم، فإن للحروب ديناميكيات رهيبة، والفاجعات ترتكب في كل الأطراف. وذلك هو الذي دفع بالنبي محمد لأن يبادر لاستجابة سلمية لا عنف فيها. فعندما هب عليه طوفان الرأي العام في الجزيرة العربية كلها، لا في المدينة وحسب التي امتلأت هي أيضاً بالمعارضين، أعلن على أتباعه أنه يريد الخروج للحج الى مكة.

وفي الحج كما تعلمون، فلا يمكنك أن تحمل السلاح، ولا يسمح لك بالقتال، ولا يمكنك حتى أن تقتل حشرة أو تتكلم باللغو. فكانت فكرة الخروج للمسلمين الذين كانوا في أوج شراسة القتال مع مشركي مكة من غير سلاح هو كدخول عرين الأسد خالي اليدين.
ومع ذلك، فإن ألفاً من المسلمين تطوعوا للخروج من المدينة في هذه الرحلة الخطيرة. وعندما علم المكيون بخروج المسلمين حجيجاً، أرسلوا عليهم أفواج خيالتهم لقتلهم. ولكن بمساعدة من دليل المسلمين الأعرابي، تمكن النبي من المراوغة وتجنبهم والدخول في دائرة حرمة مكة حيث يحرّم على الجميع العنف.

وهكذا جلس النبي مخيّماً في اعتصام سلمي. وفي ستينات القرن الماضي كنا نسمي هذا النوع من الاحتجاج السلمي اعتصام جلوس. وقد تمكن النبي من جذب أنظار عرب الجزيرة كلهم إليه. لقد كان محمد عبقرياً، وقد علم بتصرفه ذاك أنه سيضعهم في تحت أضواء المراقبة، لأنهم لو تجرأوا على دماء المسلمين وهو الحجيج المسالمين الذين حرصوا على كل أعراف وتفاصيل شعيرة الحج أو منعوهم من حق أداء شعيرة حج البيت المقر لهم كعرب، فإنهم سينتهكون بتلك الأعمال الحرمات التي زعموا أنهم يناضلون من أجلها، ولخسروا الكثير من الشأن والاعتبار بين العرب. وبما أنهم سدنة البيت، فقد توجّب عليهم المفاوضة. فقبل النبي محمد الشروط، كما أمر القرآن. وقد بدا ذلك لأتباعه أمراً مهولاً لأن القرار بدا لهم خضوعاً وتسليماً لكل ما قاتلوا من أجله.

أما الذين رافقوه من الحجيج فقد بدرت عنهم أمارات التمرد على هذا القرار، لكنه أصر عليه. وفي طريق العودة نحو المدينة نزل عليه الوحي مبشراً أن هذه الحادثة هو نصر جليّ وليس بهزيمة. ذلك أن المكيين المشركين تصرفوا بكل شوفينية وعنف جاهلي، والجاهلية هو الاسم لفترة ما قبل الإسلام، وهي كلمة سآتي على ذكرها خلال دقائق. بينما تصرف المسلمون بالسكينة، وهي حالة روحية من القرار والسلام النفسي، هبطت عليهم من السماء.

ولقد كانت هذه الحالة الروحية هي ما قرنتهم باليهود والنصارى، أو أهل الكتاب. وإن هذه الحالة الروحية هي التي تميّز مسلك الانسان إزاء الله. والمؤرخون الإسلاميون المتقدمون يقرون أن تلك الحادثة كانت بالفعل نصراً للمسلمين. فقد كانت نقطة تحوّل حرجة في تاريخ الإسلام الأول. وبعدها بعامين فتحت مكة أبوابها طواعية للنبي، ولم يجبر أي أحد أن يعتنق الإسلام، وبهذا نجح محمد في إحلال السلام في بلاد العرب التي مزقت واستنزفت جرّاء الحروب.

المعنى الحقيقي للجهاد

هنالك حديث مهم يصف سلوك الحرب. يقال أن محمداً كان عائداً من معركة مهمة جداً، فقال لأصحاله: إننا نعود من الجهاد الأصغر، وهي المعركة، الى الجهاد الأكبر، وهو الصراع الدائم للإصلاح، إصلاح المجتمع وإصلاح النفس والقلب.
وبالطبع، كما قلت كثيراً بعد الحادي عشر من سبتمبر، أن الجهاد لا يعني الحرب المقدسة، مهما قاله المتطرفون أو الاعلام لنا عنها. بل هي تعني الجهود والسعي في الكفاح. والمسلمون يسعون معاً ويكافحون على جميع الجبهات والأصعدة أن يطبقوا كلمة الله في هذا العالم المليء بالصدام والعنف.

وفي بعض الأحيان يتعين على المرء أن يقاتل، لكن عليه أيضاً أن يشتغل بالجهاد الفكري والجهاد الاجتماعي والجهاد الاقتصادي ليضمن وجود العدالة وكرامة الانسان في المجتمع. كما على المرء أن يشتغل بالجهاد الروحي ليصارع الأنا والكراهية التي تطغى على العلاقات الإنسانية.

أما ما يسمى بحروب الفتوحات، فهي بحاجة الى ذكر هنا. فبعد موت النبي محمد، خرج قادة الإسلام العرب من شبه جزيرتهم في لحظة طارئة جداً. فالقوى العظمى في المنطقة، الفرس والبيزنطيين كانوا في حرب طاحنة بين بعض، وكانت القوتان محطمتان ومنهكتان جرّاء المجهود الحربي هذا. وقد تهاويا أمام الجيوش العربية بعد أن باغتتهم وهوت عليهم فجأةً. وسرعان ما وجد العرب بين أيديهم امبراطورية تمتد من جبال الهيمالايا في الهند الى سلسة جبال البيرين في إسبانيا.

لكن هذه الحروب، في حينها، لك يكن لها أهمية دينية كبرى. فالناس الذين قادوا هذه الحروب كانوا من القادة السياسيين والقادة العسكريين وأتباعهم. ومن الواضح أن المعيشة داخل شبه جزيرة العرب تكتنفها الصعوبات الكثيرة، وسط ثقافة الغزو والغارات بين القبائل التي كانت جزءً من الاقتصاد اليومي لقبائل العرب. فماذا عسى قادة المجتمع أن يفعلوا بأفراد المجتمع الذين تسيطر عليهم روح العنف التي كانت تجبرهم على العودة للقتال فيما بينهم، فلم يجدوا إلا أن يخرجوا بهم في حروب خارجية!

ولم يحدث إلا في وقت لاحق أن أعطيت هذه الحروب الطابع المقدس. ولم يجبر أياً من الرعية في الأراضي الجديدة على اعتناق الإسلام. وفي الواقع، فخلال السنة المئة الأولى من وفاة النبي، كانت حالات الاعتناق ينظر لها بعبوس من قبل العرب. فقد كانت الثقافة المروّج لها أن الإسلام هو دين حصري للعرب، لذرية إسماعيل (ع)، كما أن اليهودية كانت حصراً في ذرية يعقوب (ع) وبني إسرائيل، والمسيحية محصورة لأتباع عيسى (ع).

التعددية في القرآن

الموضوع الجدير بالذكر بعد ما سبق هو التعددية التي تعتبر ناحية استثنائية في القرآن. وهي السمة التي جذبتني أول مرة للإسلام. فغالباً ما يقال لنا أن الإسلام ليس عنيفاً وحسب، بل هو دين غير متسامح. لكن القرآن يصر أن لا إكراه في الدين، وأن كل الديانات السوية قد جاءت من عند الله. وأن أنبياء بني إسرائيل والنبي عيسى يجب أن يحترمون ويكرمون. فلا يمكن لك أن تكون مسلماً ما لم تقر بنبوة عيسى وموسى وإبراهيم (عليهم السلام).

وهناك بعض من العلماء المسلمين المعاصرين الذين يقولون أن العرب لو تسنى لهم أن يعلموا بوجود البوذيين والهندوس وسكان أستراليا الأصليين، لأقر بوجودهم القرآن وأثنى على قادتهم الدينيين أيضاً. لأن كل من خلق على وجه الأرض من البشر أرسل لهم نبياً من عند الله وكتاب يحدثهم بلغتهم، وفق ثقافتهم وتقاليدهم.

وما هو في غاية الأهمية بالنسبة للتعددية، هو قصة الرحلة الليلية، قصة التجربة الروحية المتسامية للمسلمين. وقد أسست روحانيات المتصوفة بناء على حادثة إسراء النبي محمد ليلاً الى القدس، تبعها معراجه السماوي. وكلكم يعرف القصة بالطبع. ففي ليلة ما، عندما كان محمد نائماً عند الكعبة، نقل، ربما بروحه، الى القدس على جبل الهيكل.

وهناك، التقى به كل الأنبياء العظماء في التاريخ، ورحبوا به في وسطهم. ثم طلبوا من النبي محمد أن يلقي عضة لهم، ثم أعرج به عبر السماوات السبع الى العرش العظيم، ملتقياً وهو في طريقه بأنبياء عظماء آخرين.

فالتقى بآدم ثم بموسى (عليهما السلام) الذي تحدث معه بخصوص عدد الصلوات المفروضة على المسلمين. وكان النبي محمد يريد من أتباعه أن يصلوا عشر مرات في اليوم، لكن موسى (ع) طلب منه أن يخفف عليهم، إذ أن في ذلك مشقة على الناس، فصار يرجع محمداً الى ربه ليقلل من عدد الفروض اليومية حتى صار عددها خمسة.

إن أهمية هذه القصة أنها قصة تعددية. وهي تظهر أولاً، أن النبي محمد يتوق الى أن يدخل العرب، الذين طالما شعروا أنهم استبعدوا من البيت السماوي لأنهم لم يكن لهم نبي من قبل يأتي بالعرب من أقاصي بلادهم إلى قلب عائلة التوحيد في القدس.

ثانياً، لقد تحدث الأنبياء فيما بينهم واستمعوا لبعضهم البعض. فلم ينظر أنبياء الماضي للنبي محمد بأنه كاذب أو مدّع، ولم يعتبر النبي محمد أنه ذو مقام أعلى منهم. وإنه من الجلي الواضح أن الأنبياء كانوا يصغون لبصيرة أحدهم الآخر بكل إمعان، فالأنبياء أخوة كلهم، مهما تكن أقوامهم ومهما بلغ تعدادهم، فآلاف الأنبياء كلهم رسل من عند الله.

وحقيقة أن حادثة الاسراء والمعراج هي تجربة روحية نموذجية للمسلمين تشير الى ذلك الطريق الذي علينا أن نسلكه جميعاً حينما نهمّ باحثين عن العلّة والغاية الإلهية لوجودنا. وحقيقة أن هذه التعددية هي مبنية في صميم هذه التجربة الروحية المفاهيمية النموذجية تظهر أن التعددية متجذرة في القرآن. إن هذا الصوت الإسلامي هو الصوت الذي نريد أن نسمعه في عالم اليوم، لكي نواجه صوت التطرف الإقصائي الجامد.

من هم الكافرون ومن هم الجاهلون؟

دائماً ما يترجم القرآن الى اللغة الإنجليزية بشكل مريع حينما يُتناول موضوع الكافرون التي غالباً ما تترجم بأنهم غير المؤمنين. وهي ترجمة رديئة جداً لكلمة كافرون وجاهلون.

وليس الكافر هو غير المؤمن أبداً، إن الناس الذين كان النبي محمد ينتقدهم ويصفهم بالكافرين كانوا في الحقيقة يعرفون معنى التوحيد الصحيح بجدارة. وقد أمنوا أن الله هو خالق الخلق دون أية مشكلة. لكن موضع الإشكال هو أنهم لم يكونوا يتصرفوا وفق هذه المعتقدات. بالكافر هو الجاحد. ولهذا اللفظ دلالات لشخص امتلأ تكبراً وأنفة على الغير، وعندما يقدَّم له شيء رائع فإنه لا يرد الجميل إلا ببصقة في الوجه، وكان هناك الكثير من المكيين الذين كانوا يحتقرون ويزدرون رسالة النبي محمد.

والجاهلية شيء شبيه لذلك، فهو مصطلح مستخدم من قبل المتطرفين كثيراً. وهو مصطلح يستخدم أيضاً لوصف حقبة ما قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية قبل مجيء الرسول، لكنها غالباً ما تترجم الى "عصر الجهل المعرفي". والحقيقة أن اسم الفاعل "جاهل" له إشارات عن الجهل المعرفي، لكنه أيضاً يدل على الغضوب والعنيف والمتعصب الأخرق، وهو شخص يعتقد أن أسلوبه الحياتي أو "سنته في الحياة" هي السنة الصحيحة المتفوقة على كل من سواه. وللاختصار، فهو ذلك الذي يعتقد بمبدأ الضربات الاستباقية (في إشارة الى جورج بوش الإبن)، عوض عن الانتظار والتروي لمعرفة من سيهجم عليه.

وفي يومنا هذا، هنالك كثرة محيطة وغمرة فاضحة من الجاهلية. وهي ليست موجودة وسط المسلمين وحسب أو في وسط المتدينين وحسب. وعندما يتلو محمد آية ما فتذكروا أن محمداً هو قائد ميداني، وفي بعض الآيات أوامر صريحة  أن يلاحقوا الكافرون والجاهلون.

وعندما يرسل القادة جندهم إلى المعركة، كما يحصل ذلك في كل زمان، فإنهم لا يرسلونهم بأوامر أن يدخلوا الميدان عارضين للعدو صفحات وجوههم. بل سيحث القائد جنده قدماً إلى القتال. ولكن مع انتهاء القتال وكف القائد جنده عن العدو فإن القرآن دائماً ما ينهي آيات القتال بحض المؤمنين على العفو والسلم، وفور أن يطلب العدو منهم ذلك أن يخفضوا السلاح ويرفعوا رايات السلم. لكن هذه الآيات لا تذكر من قبل المتطرفين الإسلاميين وأعداء الاسلام.

 والأمر شبيه بالناس الذين يؤيدون عقوبة الإعدام من المسيحيين، فيقولون أن عيسى قال أن العين بالعين والسن بالسن، دون أن يكملوا قول عيسى الذي ينص على: ولكن أقول لكم أحببوا عدوكم ولا تثأروا ولا تقاضوا.  كما ينص القرآن أن على المؤمن أن لا يخرج المسائل عن سياقها الأصلي، ويجب على المرء أن يكمل ويمعن كيف أن كل آية وكل سورة تنسجم مع روح التنزيل الكامل.

إذاً فالنبي محمد لم يكن يعطي تفويضاً كاملاً للمسلمين في كل مكان ليقتلوا الناس الذين لم يتبعوا دين الاسلام. وقد كان المجتمع الاسلامي مجتمع صغير جداً وكان المسلمون يعرفون بالتحديد من هم الأشخاص الذي تتحدث عنهم الآيات في ذلك الزمن. لقد كان أولئك رجال من أمثال أبو سفيان وأبو جهل وهم من أقارب المسلمين، وهم أسياد مكة الذين صالحهم النبي وأقام معهم السلم. والأمر شبيه بأيام السيدة مارجريت ثاتشر، حيث كان هنالك في البرلمان البريطاني مجموعة من الأعضاء المحافظين عرفوا بلقب بالمبللين "wets" وقد لقبتهم السيدة ثاتشر بالمبللين، وهي كلمة إنجليزية تشير إلى ضعاف العقول، وكان الجميع يعرف بالضبط من هم هؤلاء المبللين.

ومثل ذلك في زمن جون ميجور، وأرجو أن تسامحوني على كلامي غير المهذب، كانت هناك مجموعة أخرى من البرلمانيين عرفوا باسم النغول. وقد عرف الجميع هؤلاء النفر من الناس، وقد كان الشيء مماثل مع القرآن في تلك الأيام. وهي ليست رخصة عامة لقتل أي شخص لم يعتنق الاسلام. لقد عرف هؤلاء الناس من هم الكافرين ولاحقاً حلّ السلام بين المسلمين وبين بعض أولائك الكفار الذين احتلوا منازل رفيعة في المجتمع المسلم.

الأصولية التي تبناها المتطرفون المسلمون

هنالك ظاهرة أُشركت مع الاسلام وهي كانت السبب في إنتاج الأصولية. ومصطلح الأصولية هو مصطلح غير مرضي كما تعرفون، فهو لا ينطبق على المسلمين. لأنه مصطلح وضع على يد المسيحيين البروتستنتيين في مطلع القرن العشرين للإشارة إلى حركتهم الاصلاحية، إذ كانوا يسعون للعودة الى الأصول المسيحية، لكن الكلمة لا تترجم على وجه دقيق الى اللغة العربية، والناس يستاؤون، وعلى نحو مفهوم، حين يُكرهوا على كلمة لها أصل مسيحي غربي لوصف حركاتهم.

لكن اسمحوا على استخدام هذه الكلمة لأنها صارت هي الكلمة المتداولة في المساجلات والمباحثات العامة لوصف المجموعات الدينية المسلحة التي ظهرت في كل ديانة رئيسة حول العالم خلال القرن العشرين.

وبين الديانات التوحيدية الثلاث، فإن الإسلام كان آخر من أفرز المجموعات الأصولية في أواخر ستينات القرن العشرين. وكانت أول الحركات الأصولية، كما ذكرت، قد ظهر هنا في الولايات المتحدة وقد تأسست في عشرينات القرن الماضي. وكانت كل حركة من هذه الحركات التي ظهرت، سواء كنا نتكلم عن الأصولية في المسيحية أو اليهودية أو الاسلام أو الهندوسية أو السيخية أو الكنفوشية في الصين، كل هذه الحركات هي حركات متجذرة في الخوف العميق.

الأصولية والحداثة

كل حركة من الحركات الأصولية التي درست عنها في اليهودية والمسيحية والاسلام تتشرب يقيناً أن المجتمعات الغربية الحديثة تسعى لاجتثاثها والقضاء عليها. وحتى هنا في الولايات المتحدة، فإن الكثير من المسيحيين في البلدات والقرى الامريكية الصغيرة تشعر بأنها استعمرت من قبل ما ترى أنها روح تقافية غريبة عليهم جائت من واشنطون أو الجامعات العريقة مثل جامعة هارفارد أو جامعة ييل.

إذاً فهنالك خوف عميق، والأصوليون منزعجون جداً من المجتمعات العلمانية في كل ديانة من ديانات العالم، حيث أسس الى جانبها مجتمع ذو ثقافة علمانية غربية، ونشأ بينها حركة ثقافية مناهضة للحداثة والعلمنة الى جانبها، في دلالة على رفضٍ واعٍ لها. وهم يسعون لأن يرجعوا الحياة الدينية بكل مقوماتها من الممرات الجانبية التي نفوا إليها في الثقافة العلمانية المعاصرة الى المسرح المركزي.

وقد حققوا نجاحات ملحوظة في ذلك. وهذا عائد الى الاعتقاد الذي ساد لدى المراقبين في منتصف القرن العشرين بأن الأيديولوجيا القادمة هي العلمانية وبأن الأيديولوجيا الدينية لم تكون لاعباً رئيساً في الأحداث الدولية بعد ذلك. وقد ثبت أن هذه النبوءة غير صحيحة.

والسؤال هو ما هو ذلك الشيء الذي يتهيب منه الناس بخصوص الحداثة؟ في القرن السادس عشر، بدأت دول غرب أوروبا بإنشاء نوع مختلف كلياً من الحضارة، وهي حضارة لم يكن لها مثيل في التاريخ كله. وكانت هذه الحضارة مبنية على نوع جديد من الاقتصاد. فعوض عن الاعتماد على الفائض في المنتوج الزراعي، الذي بيع واتجر به لتمويل المشاريع الثقافية، قام هذا المجتمع الغربي الجديد بالاعتماد وبشكل مطرد على التقانة والتناسخ التقاني للموارد والمعاودة المستمرة في تدوير رأس المال.

إلا أن تلك الحوادث الدخيلة غيرت كل شيء تقريباً مهما بدت للسامع أنها جافة ومضجرة. ولكي تموّل هذه الجتمعات وتصبح منتجة، تحتم علينا أن نغير كليّة طرق حياتنا، ونظم تفكيرنا ومنظوماتنا الاجتماعية في الغرب. وعلى ذلك، اجتاحتنا الثورات الدموية. وفي تلك القرون المضطربة عندما كانت أوروبا ثم الولايات المتحدة تشتغل بالتحديث، كانت هنالك ثورات دموية خلفتها فترات سادت عليها فوضى الرعب (reign of terror) ثم خلفتها بدورها الديكتاتوريات، ثم خلفتها حروب دينية مفزعة في القرن السابع عشر. وما الذي نراه اليوم حينما تهم أجزاء أخرى من عالمنا بعملية التحديث والحداثة غير الدماء والثورات والحروب الدينية والنزاعات الطائفية والديكتاتوريات؟

إن عملية التحديث، حالها حال أي تغيير اجتماعي عارم من هذا النوع، هو في الحقيقة صدمة كبرى. وبالنسبة للكثير من البلدان الاسلامية فإن الظروف كانت صعبة جداً. فعوض عن قيامها بعملية التحديث على مدى 300 سنة كان عليها أن تحدث من بناها الاجتماعية في الأمس. وهي أسرع بكثير من التجارب المعروفة وقد تسببت بأنواع كثيرة من الضغوط الاجتماعية.

الحداثة والديمقراطية

إن الديمقراطية لم تبدأ في الغرب لأنها كانت مرغوبة بين ناس أرادوا وبكل بساطة أن يحاصصوا الطبقة الكادحة حكم البلاد. بل وجد أنها ضرورة ملحة للمجتمع الحديث المنتج. وإذ انطلقت عملية التحديث في تلك البلدان، توجّب إضافة المزيد من الناس في عملية الانتاج، حتى وإن كانوا من طبقات متواضعة، كموظفي المكاتب وعمال المصانع و المطابع. وتعيّن ذلك أن يحظى الواحد منهم بالحد الأدنى من التعليم. وكلما حصلوا علماً أكثر كان من المحتوم أن يطالبوا بصوت في حكوماتهم. ولم يُتوصل الى هذه النتيجة إلا عن طريق التجربة والخطأ، التي أوصلت تلك البلدان الى العملية الديمقراطية، وتمضي قدماً في طريق الحداثة لتكون أكثر إنتاجية ونجاحاً من غيرها من الدول التي نهبت خيرات المجتمع وحصرتها على نخبة قليلة.

إذاً فالديمقوراطية، كما سبق أن ذكرت، كانت جزء لا يتجزأ من الحداثة ونحن كدول ما زلنا نكافح من أجل تحسينها. فكما تعرفون في بداية القرن العشرين، لم تكن النساء تمنح كامل حقوقها المدنية، ولم تعطَ الحق بالتصويت إلا في ثلاثينيات ذلك القرن، بعد أن أدخلوا في العملية الإنتاجية خلال الحربين العالميتين. إذاً، فكل هذا الكلام عن عن الديمقراطية، كما لو كانت قد أنزلت علينا في الجبل المقدس في صحراء سيناء، لم تكن إلا جزء  من عملية الحداثة. وإن فرضها على البلدان النامية لن تكن بالأمر السهل التي ما تزال أمام تحدٍ كبير لإثبات قدرتها على اجتياز الفاصل الأليم بين مجتمع ما قبل الحداثة ومجتمع الحداثة.

متطلبات الحداثة

إن المجتمع الحديث أو المجتمع الذي يتمتع بروح الحداثة يحتاج الى خاصيتين اثنتين، ولا يهم كم هي عدد ناطحات السحاب التي يمتلكها أو عدد أجهزة الحاسب أو عدد المقاتلات الجوية التي يقتنيها. فإن كنت أنت لا تمتلك هاتين الخاصيتين في الثقافة الاجتماعية فإنك لن تصنف كمجتمع حديث.

فالأول هو الاستقلالية. إن الحداثة الأوروبية سبقتها إعلانات الاستقلال على كافة الجبهات. فعلى جبهة السياسية كان إعلان الرابع من يوليو، وهو إعلان الاستقلال في أمريكا الذي كان نموذجاً مثالياً لوثيقة تحمل القيم والركائز الحداثية. ومن الجبهة الدينية، يعتبر مارتن لوثر مثالاً للاعلان عن استقلال الكنيسة الرومية الكاثوليكية. وفي الصعيد الفكري: طالب المخترعون والعلماء الطبيعيون بحريتهم في التفكير وفق أمزجتهم دون إشراف أو تنكيل من قبل طبقية الكنيسة. وكانت الاستقلالية الفكرية لا تقل أهمية عن الاستقلال الاقتصادي التي مثلت في الأسواق الحرة.

إن الخاصية الثانية هي الابداع والابتكار. فحتى لو كانت عملية التحديث تشكل صدمة كما كانت مع بدايتها في أوروبا القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، مخلفة فيها المعاناة والحروب، إلا أن عملية التحديث تكون دائماً مشوقة لأننا دائماً ما نقبل على الابداع والابتكار والتجديد ومقاربة الأمور مقاربةً مجدِّدة وتجريب طرق لم يسبقنا إليها أحد لنقف أمام مشاكل لم يقف عليها أحد ثم نأتي بحلول وابتكارات جديدة كلياً.

التحديث في العالم الثالث

والآن، حينما نتكلم عن العالم الاسلامي، فإن الاقتصاد الحديث والمجتمع الحديث لم يأتي مع الاستقلال بل جاء مع الاخضاع الاستعماري. فعوض عن الاستقلالية صارت سمة هذه البلدان هي التبعية. وعوض عن الابتكار والابداع، صارت تقلد وتحاكي مستعمرها، لأن الدول الاستعمارية كانت تسبقهم بمراحل بعيدة، فلم تتمكن المجتمعات المستعمَرة إلا أن تقلدهم وتسير على خطاهم. وهذا ما عني أن المكونات الخطأ دخلت في هذه المجتمعات.

فهي كحال من يصنع قالب كعك من الشوكولاته. فلو طلب منك أن تصنع قالب كعكة، لكنك لا تملك المواد كلها فما الذي ستنتهي إليه؟ فبدل أن تحضر الطحين لا تجد إلا دقيق الرز، وبدل إحضار البيض الطازج لا تملك إلا البيض المجفف ولا تملك الفرن الصحيح لخبزها أصلاً، فهل ستحصل على جاتو شوكولاته خفيفة ومنفوشة ولذيذة كما وعدك به كتاب الطبخ؟ بالطبع لا، بل ستنتهي بشيء مقرف حقاً.

وبما أن عملية التحديث في المجتمعات الاسلامية حصلت بسرعة كبيرة جداً فإن تجربة العلمنة في بعض البلدان كانت تجربة مرعبة جداً. فعندما قرر أتاتورك أن يحدث تركيا، على سبيل المثال، قام بإغلاق المدارس الدينية وأجبر الرجال والنساء أن يرتدوا الأزياء الغربية. وكان الهدف وراء الاصلاحات هي أن تظهر البلدان بطابع حداثي، دون الامعان في أن السواد الأعظم من السكان لم يكونوا يألفوا طبيعة العيش في المجتمع الحديث، ولم يكن لديها أي علم بالمؤسسات العلميانية.

وكان شاهات إيران يأمرون جنودهم أن يخرجوا بحرابهم فيخلعوا أغطية النساء ويمزقوا نقاباتهم أمامهم. وفي إحدى المرّات، أعطى الشاه رضا بهلوي جنوده الأوامر بأن يطلقوا الذخيرة الحية على المئات من المعارضين العزل في إحدى أقدس المراقد في إيران بعد أن خرجوا في تظاهرة سلمية ضد فرض الأزياء الغربية عليهم وعلى نسائهم، فمات في ذلك اليوم المئات من الإيرانيين.

وفي مصر، أدخل الرئيس عبدالناصر الآلاف من أعضان الأخوان المسلمين، وغالباً ما كانوا من الشباب اليافعين الذين لم تتجاوز جرائمهم توزيع المطبوعات وحضور الاجتماعات.لكنهم في تلك السجون توصلوا الى الفكر الذي نسميه اليوم بالفكر والأيديولوجيا الأصولية.

وأحد الذين كانوا في تلك المعتقلات هو السيد قطب، المؤسس لكثير من تلك المدارس. وأسامة بن لادن هو تابع لإحدى تلك المدارس. وعندما اطلع على أفكار مدارس السيد قطب عندما كان معتدلاً، كان يسمع عبدالناصر وهو يعاهد مصر بأنه سيحولها الى دولة علمانية على النموذج الغربي، فاصلاً أمور الدين عن أمور السياسة، وعندها فإن وعود العلمنة لم تبدو محببة بقد ما كانت تبدو جاهلية منكرة. بل وبدت بربرية وعدوانية وشرية.

هل الأصوليون تقليديين في طرقهم؟

ما يثير الاهتمام هنا هو أن السيد قطب لم يعلن الحرب على الغرب. إن كافة الحركات الدينية تبدأ موجهة للداخل. تناهض وتواجه معتقدات وتوجهات محيطها وبني قومها. وهي لا تتحول الى مواجهة الأعداء الخارجيين إلا إذا تطورت الى المرحلة الثانية ، إن كانت تبدي عوارض للتطور. ومن المهم أن يلاحظ أن هذه الحركات سواء كانت مسيحية أو يهودية أو مسلمة هي حركات غير تقليدية أبداً، ونحن غالباً ما ندلل على أسامة بن لادن لإثبات أن الدين الاسلامي دين عنف. إن هذه الحركات هي غير تقليدي بل هي مناهضة لكل ما هو تقليدي، لأنها حركات بدعية.

فإن نظرتم الى اليمين المسيحي هنا في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فإنهم أوجدوا فكرة يطربون لها غاية الطرب، بأنهم سيصعدون الى السماء ويشاهدون منها كيف تنزل البلايا على العالم في آخر الأيام، بعد أن ينزل المسيح الدجال الى الأرض ويقتل اليهود... إلخ. وهي نظرة بدعية جديدة وتفسير غير مسبوق لسفر العهد الجديد. وإني أأسف إذ أقول أن هذه الأفكار انبثقت من عقلية بريطاني. لكن عليّ أن أقول لكي أبرئ قومي أن أفكاره لم تلاقي قبولاً بينهم فعبر المحيط الأطلسي قادماً الى الولايات المتحدة. وإن بإمكانكم أن تقولوا أن هذه الأفكار الطربية ليست إلا هرطقة.

وبالمثل، فإن آية الله الخميني كان شيعياً غير تقليدي إطلاقاً. فلمدة قرون من الزمن كان الشيعة يعتقدون، اعتقاداً مبدئياً مقدساً ،بفصل أمور الدين عن أمور السياسة، فامتنعوا عن مزاولة أي شكل من أشكال السياسة.  وبالنسبة لرجل دين أن يعلن أمام الملأ بوجوب تصدر الإمام رأس الدولة كانت صدمة قاسية على الادراك الشيعي، كما لو أن البابا فجأة قرر تحريم قداس الأحد.

وعلى نحو شبيه، كانت أفكار قطب غير تقليدية بالمرة. والفكرة التي تبناها أسامة بن لادن بأن يفرض على العالم كله الدخول في الاسلام هي فكرة جديدة كلياً. وهي تتوافق مع وضع الجهاد، الذي عني بالنسبة له الحرب المقدسة، في مركز أيديولوجياته، فهي أيضاً خطوة جدلية. وكان هنالك من الحمقى والمتعصبين قبله الذي قاموا ما قام به، لكنهم لم يكونوا من المفكرين الكبار. وكان أول مفكر مسلم كبير يسن هذه السنة هو المفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي في خمسينيات القرن الماضي. وكان مدرك جداً بأن هذه الخطوة هي خطوة في غاية الجدلية، لكنها تتصادف مع الوضع الطارئ التي تمر فيها الأمة من موجة استعمارية وهيمنة غربية.

وعندما يواجه سيد قطب بالسؤال: كيف لك أن تضع خطوطاً أيديولوجية متعصبة كهذه، في حين أن القرآن ينص بكل وضوح أن "لا إكراه في الدين"، وكيف يمكنك التوفيق ما بين خطابك وخطاب القرآن، يرد سيد قطب بأن الضرورة لها أحكامها. وما لم نحسن من أوضاع قياداتنا وحكوماتنا فلا يمكننا أن نتعامل بهذا النوع من التسامح. وقد كان على علم تام أن هذه المنهجية هي منهجية جدلية وهي إيغال في متاهات مجهولة.

إذاً، فمن المهم أن يلاحظ أن كل الحركات الأصولية سواء كانت يهودية أو مسيحية أو مسلمة أو هندوسية أو سيخية هي حركات غير تقليدية. وهي في واقع الحال هرطقية بمعنى الكلمة اليونانية الأصلية. أي أن الهرطقة باليونانية هي "الخروج عن الطريق السوي".

وبالطبع، فإن التاريخ يظهر بوضوح، أنك عندما تقوم بمهاجمة هذه الجماعات فإنها تمعن في تطرفها. وقد حصل ذلك عند اليمين المتطرف وفي اليهودية. فعلى سبيل المثال، عمدت الأصولية اليهودية الى خطوتين رئيستين، أولاها بعد قيام الهولوكوست النازية، عندما حاول هتلر القضاء على اليهود الأوروبيين، والثانية بعد معركة أوكتوبر تشرين في عام 1973 التي يسميها اليهود معركة يوم التكفير "Yom Kippur"، التي كانت علامة فارقة لنشأة الصهيونية الدينية. والصهيونية الدينية لم تكن في يوم من الأيام شيئاً مذكوراً، لأن الصهيونية في أيامها الأولى كانت حركة منبوذة بين اليهود التقليديين جميعهم، فقد اعتبرت جميع الأطياف اليهودية الصهيونية هرطقة وشر أكبر إلا مجموعة واحدة جديرة بالذكر.

ولأن هذه المجموعات متجذرة في خوف عميق ورهبة دائمة من الفناء، فإنها تصارع من أجل البقاء. وإن أقدمت على التعدي عليها ولو شفهياً، فإنها تمعن في تطرفها. ذلك أن تهجمك عليها مهما كان شكله، هو إثبات لمخاوفهم وبرهنة على ما ينتظرونه منك.

انسجام الحداثة من المثل القرآنية

بالطبع ليس هناك أي صدام حضاري حسب ما أراه. مع بداية القرن العشرين، كانت كل القيادات الفكرية الاسلامية البارزة باستثناء وحيد –مرة أخرى- وهو جمال الدين الأفغاني، كانوا واقعين تحت سحر الغرب، وكانوا يسعون لبلدانهم أن يكونوا مثل انجلترا وفرنسا، اللتين كانتا المصدّرتين الرئيستين للحداثة.

وهنالك قصة مشهورة عن مفتي الديار المصرية محمد عبدو، وهو من المصلحين العظماء، الذي كان يكره الاحتلال البريطاني لبلاده، لكنه أعجب بالثقافة الأوروبية وبالأوروبيين. وبعد زيارة لفرنسا عاد الى مصر فقال: في فرنسا، رأيت إسلاماً بلا مسلمين وفي مصر أرى مسلمين بلا إسلام. وما عني بقوله هذا هو أنهم باقتصادهم الحديث ذاك فإن الأوروبيين بإمكانهم أن يهيئوا ظروف العدالة والمساواة المنسجمة مع المثل القرآنية أكثر من البلدان الاسلامية غير الحديثة.

وفي إيران، تضافرت جهود المفكرين العلمانيين وبعض من رجال الدين البارزين في عام 1906، للمطالبة بدستور وحكومة تمثيلية، وهذه خطوة جريئة تعتبر ثورة دستورية! وقد حصلوا على مبتغاهم بأن وضع دستور للبلاد. ولكن لسوء الحظ، فإن البرلمان لم يعمل بشكله المطلوب حتى قيام الثورة العربية الكبرى، وبعد بضع سنوات من الثورة، اكتشف البريطانيون النفط في إيران فلم يقبلوا أن يقوم برلمان إيراني بإغراق آمالهم وخططهم بالاستيلاء على النفط الإيراني الذي استخدموه لتزويد الاسطول البريطاني.

ومع ذلك، فبعد أن وضع الدستور الإيراني بنجاح، صرح أحد العلماء في النجف بالعراق أن الدستور الجديد هو أفضل ما يمكن أن يتحقق في المنطقة بعد خروج المهدي المنتظر، لأنه سيحد من طغيان الشاه، لذلك فهو مشروع جدير أن يعمل من أجله الشيعة.

إن العودة في الزمن للتأمل في مثل هذه الحالات لهو مثير للمشاعر، فالمسلمون اطلعو على عملية التمثيل الديمقراطي ومثلها بالكامل وأدركوا أنها متلائمة ومتوافقة مع تراثهم الديني. ولكن لسوء الحظ، فإن السياسة وخصوصاً السياسات الخارجية للدول الاستعمارية خربت ذلك، وهنا يطرح سؤال فلسطين.

القومية الدينية

من المهم القول أن الحركات الأصولية لا تتبنى فكر العنف في صميم ذاتها. فمن بين كل الناس الذين ينتسبون لهذه المجموعات وأيديولوجياتها، فإن نسبة قليلة منهم ينخرطون في ممارسة الارهاب والعنف. أما الغالية المتبقية فهم يحاولون أن يحييوا حياة يعتبرونها الحياة الدينية المثلى في عالم يتسارع في مناهضته لأي شكل من أشكال التدين.

ولكن أين يا ترى، بدأت النهضات الدينية، سواء كانت جيدة أم سيئة، في النصف الثاني من القرن العشرين؟ إن هنالك واحدة هنا في الولايات المتحدة بلا شك. وإن أوروبا الغربية هو المكان الوحيد الذي ما يزال يقاوم هذه الوتيرة الصاعدة من التدين. لكنهم بدأوا يظهرون بمظهر المتحجر في علمانيتهم وها هم يخسرون بموقفهم ذاك. أما بقية العالم، فهم يظهرون أنهم راغبين في أن يروا الدين معكوس في الحياة العامة بمختلف الوسائل سواء كانت وسائل حميدة أو خبيثة، ولربما أن بعض الوسائل خرقاء وربما بعضها قاتلة، لكن الواقع أن العالم يريد أن يرى جوانب الدين أكثر في حياته العامة.

وفي كثير من الأحيان يمكننا أن نصف هذه الحركات كمظهر جديد من القومية أو الوطنية. وذلك ينطبق بامتياز على اليمين المسيحي الذي يتبنى أفكاراً مختلفة عن أفكار توماس جفرسون على سبيل المثال. فهم لا يريدون أن يروا أوطاناً علمانية بل أمم مسيحية. والصهيونية المتدينة في اسرائيل هي حركة قومية بامتياز وهي تنظر الى دولة اسرائيل العلمانية بأنها دولة مقدسة. وعلى نحو مماثل، فعندما كانت القومية فكرة غريبة على العالم الاسلامي، وهي لم تكن من الافكار المحمودة أصلاً، فقد تراجعت عنها أوروبا ثم عمدت الى تصديرها الى مناطق أخرى من العالم في القرن التاسع عشر. فإن فكرة القومية الشوفينية هذه التي أعتبرها من الأفكار الجاهلية هي التي تمخض عنها حربين عالميتين طاحنتين.

إن الناس الذين لم ينسجموا مع مبادئ القومية ومثلها يحاولون الآن البحث عن طرق دينية شاعت قبل الاستعمار للتعبير عن هويتهم.

هل العنف الديني نتاج الأيديولوجيا؟

عندما يصبح العنف متجذراً في مكان ما وعندما تصبح الحروب أمراض مزمنة في منطقة ما، فلنقل مثلاً فلسطين أو أفغانسان أو باكستان، أو في أي منطقة مأزومة أخرى مرّت عليها بلايا التقسيم، فإن هذه المنطقة هي التي ستكون أرضاً خصبة لتشوه الدين وتحوله الى دين عنف.

إن الحروب والعنف يتأثران ببعضهما البعض. فلو كنت تعيش في غزة أو أفغانستان، على سبيل المثال، وترى كل يوم إطلاق الرصاص و الجنود و الدبابات و تجريف المنازل والقرى والتفجيرات الانتحارية، فإن ذلك سيؤثر على علاقاتك وآمالك وأحلامك وسوف يؤثر ذلك بلا شك على دينك أيضاً. ففي هذه المجتمعات، يتأثر التدين بمحيطه فيصبح جزء من المشكلة، لأن هذه الحركات، في أغلب الحالات، يهمون للدفاع عن تقاليدهم وأفكارهم نتيجةً لوساوسهم ومخاوفهم التي شوهت بصورة كبيرة وفضيعة في تلك البيئة.

المطلوب منا، والكلام موجّه لجميع الاطراف والتوجهات أمور كثيرة جداً. لكن أهمها هو أو نتعلم الاصغاء باحترام لوجهات نظر الآخرين. إن العالم في الوقت الراهن يغص بوجهات النظر المتخالفة والمتنافسة. فنقل أن الاسرائيلي له قصة والفلسطيني له قصة أخرى والأمريكي له قصته، وكذلك الأوروبي، وكل يرى أن قصته هي القصة الصحيحة دون سواه.

ثم ما نحتاجه هو نقد الذات. كل منا يحتاج أن يمعن النظر في نفسه بعين ناقدة سواء كنا غربيين أو عرب أو إيرانيين،،، إلخ. فاليد الواحدة لا تصفق، والحق لا يمكن أن يوجد في طرف واحد. وللمسلمين تراث رائع يزخر بنقد الذات. وبإمكانكم القراءة حول ذلك في كتابي "تاريخ مختصر للاسلام". ولكن في السنوات الأولى للتاريخ الاسلامي، عندما نشأت الكوارث الرهيبة من فتن وحروب وقتل الخلفاء، فإن المسلمين لم يقولوا ماذا عسانا نفعل؟ بل أمعنوا التفكير فيها وأُكرِبوا بها واهتموا لها، فانبثقت من تلك النقاشات المريرة والمفاهمات الرصينة حيال المصائب التي وقعت على المسلمين في تاريخ، انبثقت الشريعة كقانون معمول به، والصوفية والتشيع وكثرة من مذاهب الرأي التي سعت للاصلاح والتغيير الجذري.

يجب أن نقر بوجود أخطاء في مجتمعاتنا كافة. وقبل أن نشير بأصابع الاتهام الى أحد، فلنمعن النظر في أنفسنا أولاً. شكراً جزيلاً لحسن اصغائكم.

ترجمه بتصرف المختار بوخمسين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.