الثلاثاء، 6 يناير 2015

فصول مترجمة من كتاب: الحرب الأبرد – كيف أفلتت تجارة الطاقة العالمية من القبضة الأمريكية

The Colder War – How the Global Energy Trade Slipped from America’s Grasp


لمؤلفه: مارن كاتوسا
تاريخ الإصدار: 10/11/2014
ترجمة: المختار بوخمسين
(في حال نقل الموضوع الرجاء ذكر المترجم وإضافة رابط إلى هذه الصفحة، شكراً)
The Colder War – How the Global Energy Trade Slipped from America’s Grasp

By: Marin Katusa
The Colder War on Goodreads.com


لقد استيقظت أسواق تجارة الطاقة العالمية متفاجئةً بسيّد دمىً جديد يحرك خيوطها. إنه فلاديمير بوتن، الضابط المقدام السابق في الاستخبارات الروسية الذي رأى العالم في شخصه انبعاث القيصرية في القرن الحادي والعشرين. وتحت قيادته تشهد روسيا نهضة اقتصادية وجيوسياسية حثيثة في الخطى. إن في قصة بوتن وتسنّمه سنام السلطة الروسية مفاتيح مهمّة تساعد على فهم الكيفية التي أطاحت روسيا بجيل كامل من بارونات المافيا، وأخلّت بميزان التجارة العالمي لصالحها ورسّخت من مكانتها لتكون أكبر القوى اللاعبة في أسواق الطاقة العالمي، بقوة مهولة تمكّنها من تجفيف سائر القوى من مخزونها من الطاقة. ولو كُتِب النجاح لمخططات بوتن التي صاغها لكي تخدمه على المدى البعيد، فإن روسيا ستتربع على عرش نظام عالمي جديد – نظام تلعب فيه كل من الولايات المتحدة ودولارها دور متضائل في الوزن والأهمية، وهو نظام تحل فيه دول البركس (البرازيل وروسيا والهند والصين) محل الدول الصناعية السبع من ناحية الثراء والأهمية السياسية.

فصول الكتاب
  • توطئة رئيس مركز كاسي للبحوث الاستثمارية (مترجم)
    • عناوين التوطئة: الطاقة | … والبشرية
  • إهداء
  • الفصل الأول: نهاية العقد الضائع (مترجم)
    • عناوين الفصل: العقد الضائع | الانتقال إلى موسكو | الانفجارات | حرب الشيشان الثانية | تنصيب بوتن
  • الفصل الثاني: إركاع الأوليغاركيين–متنفذي العهد البائد 
    • عناوين الفصل: أرض الفرص | إركاع خودركوفسكي | قسائم الخصخصة | طريقة يوكو | أفضل عروض بوتن | الهوي بالمطرقة | درب من الجثث | الجرأة على الملاحظة | الازدهار بعد النجاة | رؤىً ومبادئ
  • الفصل الثالث: اللعبة العظمى ونهاية الحرب الباردة
    • عناوين الفصل: القطرة الأولى | الرائد | التطلع نحو النمو | النفط والحرب والسلام | أول قِرش | دولار الجميع | شكراً أيها السيد نكسون
  • الفصل الرابع: المقاتل السلافي
    • عناوين الفصل: بوتن الصغير | بوتن اليافع | بوتن المكافح الدؤوب | تجنب المساس بجورجيا | المساس بجورجيا
  • الفصل الخامس: أوكرانيا
    • عناوين الفصل: ما يريده بوتن من أوكرانيا | بعد الاتحاد السوفييتي | لا تنسى أن تصوّت | الميدان تحت المجهر | القرم تعود لأحضان الوطن
  • الفصل السادس: بوتن رجل الدولة
    • عناوين الفصل: ما بعد السوق الاقتصادية المشتركة | ها نحن ذا مرّة أخرى
  • الفصل السابع: بوتنة النفط
    • عناوين الفصل: النفط القطبي | الأسواق الأوروبية | روسنفط | الغمز للأوبك | خطوط أنابيب النفط
  • الفصل الثامن: بوتنة الغاز
    • عناوين الفصل: أنابيب أحسن | الغاز الطبيعي المسال | المواقد الأوروبية | غازبروم | ما وراء أوروبا ثم الرجعة
  • الفصل التاسع: بوتنة اليورانيوم

  • الفصل العاشر: الشرق الأوسط–النفط والحروب واللعبة العظمى
    • عناوين الفصل: عجز إمداد الأمد الطويل | درس العلوم | إصلاحات الأمد القصير | مخزن بوتن الأعظم | المصدر النهائي | ارتياد المدرسة في منغوليا | نحو اللعبة النهائية | الفائض الزائل
  • الفصل الحادي عشر: غسق البترودولار (مترجم)
    • عناوين الفصل:  سهام مصوبة على الدولار | الدولار يطلق النار على نفسه | التجارة بين مدّ وجزر | عودة إلى الرياض
  • الفصل الثاني عشر: أمريكا ما بعد البترودولار(مترجم)
    •  عناوين الفصل: التراخي | العملية | على المسار السريع | القنبلة القابعة في قبوك | المخرج الأخير | ما يمكنك عمله أنت | تطبيق التقنيات الحديثة على الحقول القديمة
  • خاتمة (مترجم)
  • عن الكاتب (مترجم بتصرف)



توطئة رئيس مركز كاسي للبحوث الاستثمارية عودة للعناوين

فلأكن صريحاً، لقد أحببت كثيراً هذا الكتاب لأنه يحمل موضوعاً مبتدعاً ويملك حجة موضوعية وينتهي إلى نتائج صحيحة. ومن المهم لك أنت أن تقرأه.

ولآخذ من مساحة هذا الكتاب بضع صفحات لأشرح لماذا يعتبر موضوع الطاقة أكثر أهمية مما يتصوره أغلب الناس، ولماذا يعتبر مارن الشخص المناسب للتفصيل فيه، بل ومن أهم اللاعبين في ميدان الطاقة الوعر والأرعن.

لم يكن في حسبان مارن أي مخطط لكتابة كتاب حتى قمت بلوي ذراعه. ورغم أنه كاتب يتمتع بالجدارة والبيان، كما سترى، فإن مارن –أولاً وقبل أي شيء آخر– وسيط صفقات استثمارية. لكنّ الشيء الذي جعله يلقى الكثير من النجاح في سيرته المهنية تلك، هو أنه محلّل داهية على نحو غير طبيعي ومفكر مستقل ينظر إلى الصورة من منظورها الأشمل. ورأيه في الكثير من الأشياء  –ليس أدناها بوتنة 1 الطاقة والحرب الأبرد التي نقف على أعتابها– ستعطيك على الأرجح نظرة جديدة إزاء ما يحدث في عالم اليوم. وهو لن يقوم بترديد الحصافة التقليدية التي تسمعها في الشبكات الأخبارية أو تلك التي تقرأها في صحيفة النيويورك تايمز مثلاً.

الطاقة

ومن الشائع المألوف أن نسمع بأن العالم "يتحرك بالطاقة"، لكنّ القليل من الناس يستوعبون مقدار الرعب الذي تبعثها هذه العبارة لعالم تحركه الصناعات. ولكي نصيغها صياغة يسيرة، فإن الطاقة هي شرط الحضارة المعاصرة ومكونها الجوهري. ومن دون الكميات الكبيرة من الطاقة فإننا لا نعبّر مجازاً حين نقول بأن أكثرنا سوف يموت جوعاً، بل سيموت جوعاً وهو يتجمد من البرد في الظلام.

إن الطعام الذي تأكله يحتاج إلى كمية كبيرة من الوقود الأحفوري لينمو، ويعلب وينقل ويبرد، ثم في مرحلة لاحقة يطبخ. وهذه الاعتمادية  على الطاقة قد لا تكون وضعاً مثالياً، لكنه الواقع البشري المعاش لفترة جيل أو جيلين من الزمان على أقل تقدير.  ولكي تسير سيارتك ولكي تطير الطائرة ولكي تتحرك الشاحنات لتوصيل حمولاتها، فإنها ستحتاج إلى كمية كبيرة من الوقود الأحفوري لسنوات كثيرة قادمة. والوقود الأحفوري هو المادة الخام للكثير من الأشياء التي نستخدمها في معاشنا اليومي سواء كانت في البلاسيكيات أو الملابس. ومن دون دفق أنهار الطاقة، فإن بإمكانك أن تنسى كل ما هنالك من اتصالات، وتلفزة وحوسبة وشبكة معلوماتية عالمية. وببساطة، من غير النفط والغاز الطبيعي والفحم والطاقة النووية، فإن المجتمع الحديث سيذوي في غضون أيام.

لكنّ ذلك ليس إلا توصيف لحال الأمور اليوم. ورغم الرواج الجيد للأحزاب السياسية الخضراء والحماسة المنتشرة لفكرة حماية البيئة، فإن الطاقة لم تفقد أهميتها أبداً؛ بل ستصبح أكثر أهمية بكثير. إن القانون الثاني للديناميكا الحراريّة، في جوهره، ينصّ على أن غياب إمداد الطاقة المستمر يؤدي إلى توقف جميع الأنظمة. وظواهر الاعتلاج، مثل الجاذبية، تطغى على كل شيء. ولا يقوى على إيقاف ظواهر الاعتلاج إلا الإمداد المستمر في الطاقة.

إن تعداد سكان العالم سيزداد -على الأرجح- ليبلغ عشرة مليار نسمة مع نهاية القرن، واحتياجاتهم للطاقة ستزداد بوتيرة أسرع بكثير. ففي عالم اليوم يبقى ثلثي سكان العالم حول مستوى الفقر وكمية الطاقة التي يستهلكونها تبقى قليلة جداً. وفيما يقترب هؤلاء من مستويات المعيشة الغربية، فإن استهلاكهم للطاقة ستزداد تباعاً -ولنقل، بمقدار عشرة أضعاف- مع تزايد طلبهم على الأشياء التي نعتبرها اليوم من بديهيات الحياة. وكل هذه الأشياء تصنع بإمدادات الطاقة وتسير بإمدادات الطاقة.

والآن، صحيح أن التقنية الحديثة تخطو خطوات حثيثة لرفع وتطوير كفاءة الطاقة المتجددة والمستدامة، في حقلي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ومن المرجح أنها ستبلغ الكفاءة الاقتصادية، في مرحلة زمنية ما، في مختلف تطبيقاتها. ولكن في الزمن المنظور، لا يوجد بديل عملي –مهما كان حسناً- للوقود الأحفوي الذي يعتبر مصدر طاقة عالي في الكثافة.

وفي نهاية الأمر، سيتوفر بديل عملي من الذي ذكرناه، وأقولها وأنا متأكد، إن كان ليس إلا للعدد الكبير من العلماء والمهندسين الذين يعيشون اليوم أكثر من أي فترة مضت. ومن الأشياء التي ننتظر ظهورها على أيديهم، هي محطات الطاقة العاملة باليورانيوم التي تتمتع بتقنيات مطورة وأحجام صغيرة وأسعار زهيدة ومقاييس أمن وسلامة مرتفعة. كما أننا ننتظر ظهور محطات الطاقة العاملة بعنصر الثوريوم الإشعاعي. وربما تأتي تقنيات الإندماج يوماً ما فتحل لنا كل مشاكل الطاقة. أما في الوقت الحالي، فإننا لا نفتر عن نحسين من الكفاءة الاستهلاكية في استغلال الوقود الأحفوري. فطائرة البوينغ 787، على سبيل المثال، تتمتع بكفاءة في استهلاك الطاقة تبلغ ثلاثة أضعاف سابقتها البوينغ 707. وسيارة الكورفت الرياضية المصنعة في عام 2014 تسير بكفاءة استهلاكية ثابتة تقدر بـ9 ليترات لكل مئة كيلومتر بينما كانت مثيلتها المصنعة عام 1960 تستهلك 24 ليتر لكل مئة كيلومتر.

إن الحلول لن تتوقف والابتكارات سوف تظهر باستمرار. وفي الوقت الحالي، سيزداد الطلب على استهلاك الوقود الأحفوري، حتى وإن كانت بأسعار أعلى لكل وحدة طاقة. إن الترويج التجاري لتقنيات التصديع الهيدرولي والتنقيب الأفقي واستخلاص الميثان في المكامن الفحمية والتنقيب في أعماق البحار واستخلاص النفط الصخري ليست إلا بعض المصادر الجديدة للزيت والغاز.

وستستمر مصادر الطاقة التي يمتلكها الإنسان بالتطور والتعدد. لكن الوقود الأحفوري في غضون العقود القليلة القادمة سيكون المادة الحرجة التي ستقرر ديمومة الحضارة كما نراها اليوم. وعملية الفرار الجماعية التي يرتقبها ويأمل بها مليارات من البشر من وجه الفقر الشاحب يتطلّب المزيد من ذلك الوقود، وسيبقى القانون الثاني من الديناميكا الحرارية يلتهم المزيد منه على الدوام. وعلى مرّ الأجيال القادمة، ستحظى الدول والشركات التي تتحكم بالوقود الأحفوري بالمزيد من النفوذ على بقية العالم أكثر من أي مرحلة تاريخية مضت. وفي أحسن الأحوال… أحسنها... ستقع الحرب الأبرد التي يستشرفها مارن.

… والبشرية

يعتبر مارن ذلك الشخص النادر الذي يتحلى بالذكاء الأكاديمي والذكاء الشوارعي. فهو في أيامه الأكاديمية أستاذ جامعي في الرياضيات له ميول علمية شديدة. ولم يقضي فترة طويلة قبل أن يقوم بتطبيق معرفته النظرية على أرض الواقع، حين قام بتحليل الأسس التي بنيت عليها شركات التعدين وشركات التنقيب النفطي – وفق تخصصاتها ومبانيها الجيولوجية والتعدينية والهندسية وتعاملاتها الترخيصية والإدارية والعديد العديد من التخصصات الأخرى.

وهناك الآلاف من الشركات التي تعمل وفق هذه الأسس، وهي تُمثّل من قبل فئة من الأسهم التي تعتبر من أكثر فئات الأسهم تقلباً في الأسعار وقد تجدها في أي سوق. وعلى مدى الدورة السهمية فإن الكثير من أسهم هذه الفئة قد تتضاءل من حاجز الـ 100 إلى حاجز الـ 1 في سعرها أو أكثر، رغم أن معظمها لن تكون إلا ثقوب سوداء لابتلاع رؤوس الأموال وحسب. والمضاربين في هذه الأسهم نادراً ما يدركون العواقب الوخيمة المخبوءة فيها وبلاغة الخطر الذي يحدق بهم. والمفارقة العجيبة هنا، هي أن الشركات التي تصنف بأنها الأقل مخاطرة قد تكون الأعلى توقعاً في العوائد، لو عرف المضارب قراءة المؤشرات الاستثمارية بشكل صحيح.

وهذا هو الجانب الذي يبدع فيه مارن أيّما إبداع. فهو لا يتمتع بخلفية أكاديمية عريقة في النفط والغاز والطاقة البديلة واليورانيوم والتعدين وحسب، بل أثبت أنه يملك اليد العليا، والقدم الراسخة في إنشاء وإدارة الشركات الناجحة. وعلى وجه الخصوص، أثبت أنه من ألمع المسؤولين حين تمكن من إنجاح ثالث أكبر شركة تعمل في تعدين النحاس في كندا–ويبرز مجهوده على طول الطريق من عملية الاستحواذ إلى التمويل والبناء وتحقيق العوائد الربحية. وهو لإنجاز نادر واستثنائي لشخص لم يجاوز الثلاثين (عمره في ذلك الوقت).

وقد كان أكبر المستثمرين من ناحية رأس المال منذ اللحظة الأولى. وهو حتى الأن واحد من أنجح الخبراء الماليين في مجال استكشاف الثروات الطبيعية ويقوم على إدارة أربعة صناديق تحوّط، يشكّل سهمي وسهمه أكبر سهمين فيها. (وهو لا يضع أمواله إلا في مكان يصلح أن يضع فاه). والصندوق فاق في أداءه مؤشر TSX-V بمقدار 600 بالمئة على مدى السنوات الخمس الماضية، بالرغم من احتوائه على أرصدة مالية كبيرة. ومن الناحيتين النسبية والمطلقة فإن أداء الصندوق هو من أندر وأنجح الأداءات التي رأيتها في حياتي.

إلا أن الأمر الذي يبقي مارن متربعاً على القمة ليست خبراته العلمية والفنية وحسب، فهو يتحلى أيضاً بمهارات اجتماعية ممتازة، فهو ابن كرواتي مهاجر[إلى كندا]. وقد قدّر لمارن أن يولد في الجانب الخطأ من حيث توزيع الثروة، وتبيّن له لاحقاً أنها أعظم هبة حاز عليها، فمن ذلك فقد اكتسب مهارات الشوارعي الحاذق قبل أن يزرع رأسه بين الكتب. وسواء كان لقاءه القادم مع رئيس شركة أو رئيس دولة فإنه سيحسن التزلّف إلى مضيفه وسيبرع في تفهّمه على قارورة مسكرة قوية. وإذ راقبتُه يسأل كل الأسئلة الصحيحة ويحصل على الأجوبة بطريقة لا يحسنها إلا قلّة من الناس، فإني أجد نفسي مضطراً للإشارة إلى أنه كان يمكن أن يكون ذلك النوع من ضباط التحري والاستخبارات الذين تُستَلهم منهم المسلسلات التلفزيونية المثيرة. كما أنه لاعب ورق من الطراز العالمي.

وبهذه الخلفية، فإنه الآن يركّز على التمويل. وأنا بنفسي أمضيت 40 عاماً في مجال تمويل صناعات استغلال الثروات الطبيعية فصرت على دراية ممتازة بكل أصحاب التأثير والنفوذ في هذه الصناعة. ومعظمهم –من أمثال روبرت فريدلاند ولوكاس لاندن وفرانك غيسترا وروس بيتي– من أصحاب المليارات. وسينظم إليهم مارن في القريب العاجل، ولعلّها ستكون في دورتنا الاستثمارية الحالية، بما أني وأنا أكتب هذه الأسطر، نقبع في القاع التاريخي لمنحى أسهم الثروات الطبيعية. وقد كنت بين الذين شهدوا على إتمامه صفقة تأسيس أكبر شركات الغاز الصخري في أوروبا. وكنا سوياً في ألبانيا لتقييم ودراسة ما قد يُتمخّض عنه ظهور أكبر منتج لحقول النفط البري في أوروبا.

لقد زرت أكثر من 135 دولة، وها قد بدأ مارن بمقاربتي هذا الرقم. وقد سافرنا عبر دول البلقان، وقطعنا العراق طولاً وعرضاً، وتجولنا عبر آسيا وأمريكا الجنوبية، كما تنقلنا عبر أمريكا الشمالية سوياً. والسفر يصبح أزمة حقيقية حين يجاوز المرء حد الكفاية منه، لكنه ضرورة من ضرورات هذا العمل. وأحد الأسباب لذلك هو أنك سترغب في أن تقابل إدارات الشركات على أرضها لترى كيف تبلي بأم عينك. والسبب الآخر هو أنك تريد أن تتفهم الوضع السياسي لتلك البلاد، وهو موضوع محوري يتكرر عبر موضوعات هذا الكتاب. في عالم اليوم –وأكثر بكثير من الماضي القريب– فإن حكومات العالم التي جاوز تعدادها المئتين، هي العامل الأول في صناعة الثروات الطبيعية. فرؤسائها وأنظمتها هي المحدد الأول في إمكانية استغلال مورد طبيعي ما، وما يتقاضاه العمال، وما سيتبقى لك كمستثمر بعد أن تأخذ الحكومة ضرائبها وامتيازاتها منك. 

وبذلك، فإن جزءً لا بأس به من الكتاب سيشرح كيف تقارب السياسات الدولية مسألة الطاقة وكيف سيتطور المشهد العالمي للطاقة خلال العقد المقبل –خصوصاً فيما يخص روسيا، وأكثر تحديداً فيما يخص فلاديمير بوتن، الذي يبلغ من العمر 62 عاماً حين كتابة هذه الأسطر، ومن المتوقع له أن يبقى في المشهد لسنوات عديدة قادمة. وهو بكل تأكيد أذكى بكثير وأقوى بكثير من أيٍّ من نظراءه في الغرب، وهذا الرجل سيشكل الجزء الأضخم من الأحداث في العقد القادم ليكون هذا العقد من بين أكثر العقود إثارة في تاريخ العالم.

وستكون مسروراً جداً أنك قرأت هذا الكتاب.

دوغ كاسي
رئيس مركز كاسي للبحوث الاستثمارية ومؤلف الكتب: 
The International Man,   Strategic Investing,   Crisis Investing,   Totally Incorrect,   Right on the Money.

الفصل الأول: نهاية العقد الضائع عودة للعناوين

سوف أقص عليك قصة ستتمنى أنها ليست حقيقية.

في وقت قريب، أرجّح أن يكون في السنوات الخمس القادمة أو حواليها، سوف يُعقد اجتماع طارئ في غرفة أوضاع الساعة في البيت الأبيض. وستكون على أرجح تقدير في الساعات الأولى من الفجر، في الحين الذي بدأ فيه للتو، مضاربو أسواق المال وتجار النفط المبكرين في السوق الأوروبية مناوراتهم سعياً للخروج من المأزق الذي ينتظرهم. حينها لن يملك أيّاً من المشاركين القلقين في ذلك الاجتماع الطارئ أي حل ناجع ليقدّموه، لأن الولايات المتحدة لن تملك أي سبيل إلا ويفضي بها إلى معانقة الويلات أو احتضان الكوارث.

وسيصغي الرئيس الأمريكي بينما يقوم أقرب مستشاريه بتفصيل المعضلة المخيّمة عليهم. وبعد صمت طويل، سيقول: "هل تقول لي أن كل شيء - وأعني كل شيء – سيكون مآله الانحلال والانفراط؟"

وسيكون جوابه بالإيجاب. في تلك المرحلة، لن يكون هنالك أي خيار جيد. ولن يكون هناك إلا الخيارات الأقل هولاً.

ولن يجدي لحل معضلتهم الاعتماد على الأكثر حكمة والأكثر معرفة بأحوال العالم، أو أولائك الذين يتسنمون أعلى المراكز الحكومية ليعلّموهم ما هم واقعون فيه من حيرة حين يجلسون في ذلك الاجتماع. فإيجاد الحلول لتلك الألغاز ستقع على كواهل نفس الناس الذين يقفون متفرجين على كوارث اليوم وهي تؤسس وتحاك.

وبعضهم بالأصل غير مؤهل إلا لأن يقف في صفوف المتفرجين. فهم يبرعون إلا في اختزال جميع الاضطرابات البشرية كما تختزل الرسوم الكاريكاتورية النزاعات فتصوّرها في قبعات بيضاء وقبعات سوداء. في حين أن البعض منهم يدرك أن الواقع أعقد من ذلك، ولكن من السهولة، بل ومن الملائم سياسياً أن يُبسّط كل شيء إلى جماعة من الطيبين يتعاركون مع جماعة من الشريرين.

لسنوات طويلة، تعاضد اللاعبون السياسيون المتنفذون في الولايات المتحدة مع حلفائهم الإعلاميين لإظهار فلاديمير بوتن بصورة الثور الأهوج الضال عن قطيع استخباراته السابق الكي جي بي. فهو ذلك البلطجي المتوحش المصاب برهاب من المثليين جنسياً، ولا يناظره في الهيئة الشخصية إلا نابليون الذي كان عبداً لنجوم الساعة، لا سيما حين كان هو بنفسه نجماً. حتى أن هيلاري كلينتون، التي كان ينبغي لها أن تبلغ من الحصافة شيئاً، شبّهته بهتلر.

أما صفة التوحش فهو وصف حقيقي في الرجل، لكنّ هناك نعوت أخرى من جنس هذا الوصف بإمكانها أن تطابق الحقيقة تطابقاً أفضل. لقد أمعنت في دراسة تحركات بوتن منذ أن بدأت أنغمس في تحليل أسواق الطاقة العالمية–وهو زمن طويل حين أراجعه الآن. إن بوتن رجل معقد يتفحّصه الأمريكيون بمناظيرالتكبير التبسيطية التي يحب قادتهم أن يرفعوها إزاء كل شيء. وهو ليس غول مخيف أخضر البشرة، لكنه أخطر بكثير مما يروج له لك خصومه السياسيون والإعلام.

ومن بين أفدح الأخطاء في دوائر السياسة في واشنطون هو ما يقللونه من شأن الرجل لسنوات عديدة حين اعتبروه سمساراً غير ذي شأن يصرّف شؤون الساعة لدولته التي لن يمتد نفوذها كثيراً. فهو كالنيزك الهاوي من سماء عالم السياسة الروسي الذي يكسّر العظام دون رحمة. وقد كان من صالحه أنّ قصار القامة لا يؤخذون على محمل الجد دائماً، حتى وإن كانوا أبطالاً في الفنون القتالية كما هو الحال مع بوتن الذين يتحلّى بجسم مفتول العضلات وهو ابن خريف الثانية والستين. أما ما ساعد على التقليل من كرامة الرجل في ذهنيتنا، فهي تلك اللحظات التي برز لنا وهو يفتل عضلاته العنترية فصرنا ننظر إليه كمهرج بدلاً من أن ننظر إليه كمنافس بالغ الخطورة.

ولكن، كان الأجدر بواشنطون ألّا يعاملوه كقطعة أثرية من قطع الحرب الباردة، مثلما كان الأجدر بهم ألا ينزلوا روسيا من مقام الأسود إلى مقام الشياة. وكان ينبغي لها أن تتفرس جيداً في بوتن وتمعن في تمييز رؤيته لأمه الرؤوم: روسيا –بأنها رؤية بعيدة في المدى لا تقتصر على الدورة الرئاسية ذات السنوات الأربع التي تتفرد بانتباه ساسة الولايات المتحدة– وأنه يملك الرؤية المقرونة بالموارد اللازمة لتجسيدها على أرض الواقع. ولمدة 15 سنة، عكف بوتن على صياغة وتمويل وإخراج الحرب الباردة في جزئها الثاني. أو كما أحب أن أسميها الحرب الأبرد. وهو لم يدخلها إلا لكي ينتصر فيها.

أما الطريقة التي ينوي الانتصار بها، فهي ليست طريقة السيف، بل عن طريق الظفر بموارد طاقة العالم.

ولن يكون هناك ما يعكس مفعول اخفاقات الحكومة الأمريكية لحد اللحظة الراهنة. وما أستطيع أن أفعله الآن هو أن أحكي لك القصة الحقيقية للحرب الأبرد. فأنا بتتبعي واقتفائي أثر الروابط التي تشد أحداث العالم بعضها ببعض،  دون أن تتبدى لك مترابطة حين قرأتَ عنها في وسائل الأخبار، فإني سأتمكن من أن أشرح الخطوات التي يخطوها بوتن والدوافع المحركة لكل خطوة. ومنها فإنك ستتمكن من تخمين خطواته الأرجح التي تلي. وسأتمكن من أن أريك الإنزياح المرتقب في ميزان القوى الذي سيغير وجه العالم رغم أنه صعب التمييز لأغلب الناس، حتى وإن نشر أمام أعينهم نشر السجّل في وضح النهار.

الموضوع لا يعدو كونه موضوع طاقة–بكل أنواعها من نفط وغاز وفحم ويورانيوم، وطاقة مائية التوليد. وفي هذا اليوم، لو كنت تتكلم عن الطاقة فإنك تلقائياً ستتكلم عن بوتن، وإن كنت تتكلم عن بوتن فإنك ستتكلم عن الطاقة.

إن الطاقة هي العجلة المحركة لهذا العالم. ولمعظم فترة السنوات الستين الماضية، فإن الولايات المتحدة حققت لنفسها الازدهار، لا لشيء يذكر إلا لأنها هيمنت على أسواق الطاقة ولأنها تحتكر إصدار العملة التي تُتّجر بها الطاقة والموارد الاستراتيجية الأخرى–وهو احتكار يحلو امتلاكه بلا شك. وبما أن الولايات المتحدة كانت كلب السبق في صيد الطاقة لفترة طويلة جداً، فسيكون من الصادم لأيٍّ كان تخيل الأمور بنحو مختلف.

وبخطىً بطيئة وثابتة، وفيما تذوي القوة الأمريكية، يقوم بوتن بتثبيت قدمه في الأرض استعداداً للوثبة الأخيرة القاتلة. وإذ ترغي الولايات المتحدة وتزبد وترجف في المطالبة بالطاقة الخضراء الصديقة للبيئة فإن روسيا تقوم بتلقيم مدفعها بالذخيرة التي تسمّى بوتن.

العقد الضائع

لكي تفهم أين يتوجه فلاديمير فلاديميروفيتش بوتن بروسيا، عليك أن تدرس العقد الضائع لبلاده، وهي السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1989. فلو كنت مواطن سوفيتي عادي واسمك جوزيف فودكا، وقد وقعت فريسة الفوضى والعبث التي تلا سقوط الشيوعية، فستكون في زمن يطغى عليه شظف العيش والهجرات الجماعية واللايقين المرعب. أما لو كنت مواطناً يعيش في الغرب فسيكون عندك ذاك الزمان زماناً للرخاء والازدهار. زمن للتهاني الشخصية للفوز بالحرب الباردة. أما لو كنت فلاديمير بوتن، فسيكون ذلك الزمان زماناً للغضب وزماناً لزبر المعدن وتقويته والاستعداد لما هو آت. (أنظر الشكل 1.1)

وبالنظر إلى الأداء المذهل في المنحنى التصاعدي لروسيا ما بعد الانهيار فإن من السهل علينا أن ننتسى كيف آلت الأمور في زمن الانهيار نحو التدهور. (أنظر الشكل 1.2)

لقد كانت عشر سنوات سنواء، امتلأت بفوضى أمنية رُعيت تحت أجنحة السياسيين الذين انذهلوا وانربكوا وهم يحاولون إرجاع البلاد إلى حظيرة العالم الحديث. هذا العقد الذي لا يُذكر منه إلا صعود نجم العصابات المنظمة ذات العوائد الإجرامية الجنونية وشلّة من المتنفذين الحكوميين السابقين الذين وضعوا خططاً ساذجة أقرب ما تكون إلى البله الاقتصادي لتخصيص المؤسسات العامة في الدولة السابقة. وبعد أن تقمصوا بالكاد بزات رجال الأعمال، تحولوا إلى أولي مليارات بين ليلة وضحاها.

وبينما فرحت زمرة قليلة في العدد بما صار عندهم، تهاوت المعنويات بين عامة الروس إلى الحضيض. فقد خرجوا للتو بخسائر مرعبة من حرب أفغانستان، ناهيك عما لحقهم من إذلال عسكري. ثم أتى الانهيار الذاتي للاتحاد السوفييتي، تلك الامبراطورية العظمى التي لُقّنوا في صغرهم أنها أوجدت  ليشهدوا بها درس الدهور. وبالمختصر، فإن الاعتزاز الوطني صار ذكرىً أليمة لا ينبغي تذكَرها.

عندما توقف الاقتصاد الشيوعي بشكل كلي، لم يكن أحد في روسيا الاتحادية الوليدة يعرف ما هو التدبار المناسب. وقد بدأت الأسواق الحرة بالظهور للتو، ولم يكن هناك أي شركات خاصة ذات حجم وخبرة موجودة في تلك السوق. ولم يكن هناك أي بنوك جديرة ومؤهلة لقياس مخاطر الائتمان. ولم يكن هنالك أحد تقريباً يفهم في الأسهم والسندات وأسواق المال أو أي نوع من أنواع السوق غير السوق السوداء التي انتعشت منذ مدّة طويلة، واستمرت في الانتعاش. أما حقوق الملكية، فقد كانت شعاراً لا يجد تطبيقاً عملياً محدّداً. وبينما كان الروبل لا يساوي شيئاً خارج البلاد فقد كانت معدلات التضخم تتسارع بجنون داخل البلاد. وبدأت الوظائف بالتبخر تاركة الملايين في بطالتهم، وتهالكت البنى التحتية وآلت إلى خربات ووقع الملايين من الروسيين في فقر مدقع.

وكان الزمان تجسيداً مثالياً لوصف شظف العيش. وكانت التوقعات والآمال بين الناس معتمة وسوداية حتى أن الكثير منهم دعوا متذمرين إلى رجعة أخرى إلى الشيوعية، وهو النظام الذي يعرفون فيه موقعهم على الأقل ("نتظاهر بالجد في العمل ويتظاهرون بالسخاء في الدفع"، كما كانت تقول النكتة السوفييتية). والمشاكل لم تكن تنحصر في الجوانب الاقتصادية وحسب.

الشكل 1.1: اتحاد الدول المستقلة  




الشكل 1.2: الناتج المحلي الإجمالي لروسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.

فقد كان هناك موضوع الشيشان على وجه التحديد. وكانت الحركة التمردية الانفصالية المكونة من الشيشانيين الاسلاميين تقرأ أمارات الفوضى والإرباك في موسكو. وكانت لا ترى فيها إلا دعوةً مفتوحة لهم لأن يضغطوا على الجانب الروسي ويفرضوا عليهم إرادتهم في الانفصال. فقبلوا الدعوة وفي نهاية عام 1994 بدأت حرب الشيشان الأولى.

كان سلف بوتن، وهو بوريس يلتسن، موجود على رأس الدولة في ذلك الوقت. وعلى الرغم من عظمة روسيا من ناحية مواردها البشرية وسلاحها ودعمها الجوي، إلا أن حرب العصابات التي خاضها المتمردون الشيشانيون ضد الآلة العسكرية الروسية بكل عظمتها أوصلت الروس إلى طريق مسدودة غاية في الإحراج.

والنجاح العسكري الشيشاني لم يكن إلا نتيجة تاريخهم الطويل الناجح في إدارة الجريمة المنظمة. وحتى خلال الحقبة السوفييتية، كانت المافيا الشيشانية تتحكم بأغلب مفاصل الجريمة المنظمة الخفية، فكانت حالة الانفلات الأمني والقانوني التي سادت التسعينات تصب في مصلحة هؤلاء الانفصاليين. فإن كانوا بحاجة إلى الأسلحة المتطورة لقتال الجيش الروسي، فلن ينتهوا إلى أي مشكلة تذكر. فالمتمردون يعرفون جيداً من هم الضباط الفاسدين في الجيش الروسي ومن منهم سيكون مرشييهم التالي، الذي سيفتح لهم مخازن السلاح مقابل حقيبة من الدولارات أو تحويل إلى حسابه المصرفي في زيورخ. أما الأموال التي كانت في حوزة المتمردين فقد كانت جاهزة لهم للاستخدام من عمليات الجريمة المنظمة التي تدار على طول روسيا وعرضها.

ومع نهاية عام 1995، وصلت معنويات القوات الروسية إلى الحضيض. هذا إلى جانب الرأي العام الروسي الذين ما زال يتألم من الكوارث التي وقعت لهم في أفغانستان ويعارض بشدة المواجهات مع المتمردين، فقاد ذلك حكومة يلتسن إلى إعلان وقف إطلاق النار في نهاية السنة التي تلت.

كانت تلك المواجهات صعبة ومهلكة، ببشاعات ومجازر ارتكبها الطرفان. وكانت الأرقام الرسمية للجيش الروسي تحصي 5.500 قتيل، بينما تقدر الأرقام الواقعية ضعف العدد. أما من الجانب الشيشاني فكانت إحصائيات القتلى تقارب 15.000 قتيل. أما في جانب الضحايا المدنيين التي يصعب حصرها في رقم دقيق، فقد كانت تقدر بين 30.000 و100.000 قتيل وأضعاف عديدة من هذه الأرقام من الجرحى. وكانت أعداد المدنيين الذين هجّروا من أراضيهم تقدر بـ500.000 إنسان، وتُركت المدن والقرى عبر الشيشان خربات خاوية. ولكن أرقام الضحايا والخسائر لموسكو لم تكن ثمن انتصار لها بقدر ما كانت إعلان فشل.

في هذه الأثناء، كان بوتن يراقب التخبط الحاصل عن بعد، وقد أصابته في صميمه وهو بعيد عن تفاصيلها.

وخلال فترة المواجهة، لم يكن إلا سياسي صغير يعمل في مدينة بطرسبرغ كمستشار في الشؤون الدولية عند عمدة المدينة ولم يكن له أي علاقة بسياسات الكرملين. ولكنه امتلأ طموحاً وتصميماً وقد رنا ببصره على المناصب العليا. ولتحقيق هذا الهدف بدأ بإنشاء حلقة مغلقة من المقربين الثقاة. وهؤلاء الفتية، "فتية القديس بطرس"، الذين تمتعوا له بالولاء المطلق، كانوا الوحيدين الذين ائتمنهم.

هذه الحلقة المغلقة هي التي خدمته خدمات جليلة ومهولة. ديميتري مدفيدف، على سبيل المثال، جاء خلفاً لبوتن في مقعد الرئاسة عندما منع بوتن من ولاية ثالثة وفق نص القانون. ومنها قام مدفيدف بإبقاء بوتن قريباً منه عبر تعيينه رئيساً للوزراء. وبعد أن أتم ولايته الوحيدة، تنحى مدفيدف عن سؤدة الرئاسة ليسمح لبوتن أن يترشح مرة أخرى ويقبل منصب رئيس الوزراء في المقابل - وهو باب دوار يمكنه أن يدور لعقود تأتي.

ومن الموالين أيضاً نجد إيغور سخين، وهو يعتبر اليد اليمنى لبوتن في بطرسبرغ، الذي كوفئ بسخاء بإعطائه قطاعات عريضة من الاقتصاد، لا سيما صناعة الطاقة.

الانتقال إلى موسكو

في يونيو من عام 1996، انتقل بوتن إلى موسكو مصطحباً معه فتية القديس بطرس، ملبياً دعوة زميل سابق له للانضمام إلى إدارة يلتسن. إن أقل ما يقال عن إحاطته نفسه بزمرة من المريدين الأوفياء هي استراتيجية غاية في الدهاء، ولعلها كانت مجرد تدبير قام به حذراً من دهاليز ومخاطر السياسة الروسية. وعلى أي حال، فقد حمته هذه الدائرة من وعزلته من الكثير من الأعداء المحتملين ووفرت له قاعدة آمنة انطلق منها لتوسيع دائرة نفوذه.

في الوقت الذي دخل فيه بوتن العاصمة، كانت سياسات يلتسن الاقتصادية تتخبط من فشل إلى آخر وعلى نطاق واسع، وكان جيشه أنهك للتو جراء القتال العابث والمخزي في الشيشان. وكان بوتن واثقاً أن بإمكانه تحسين الوضع لو أتيح له ذلك، فبدأ صعوده نحو قمة هرم السلطة. وكانت أولى مهامه هي سحق أولئك المتمردين الإسلاميين بشكل نهائي وحاسم - وأن يحقق ذلك بالطريقة الصحيحة.

في السنة التي تلت نهاية حرب الشيشان الأولى كانت مليئة بالمشاكل. فالحكومة الشيشانية لم تكن تمسك تلك الجمهورية المصطنعة بإحكام في قبضتها، وخصوصاً خارج نطاق غروزني، العاصمة التي تقبع تحت الركام. وكانت دائرة المناطق التي تتحكم بها المجموعات المسلحة المنشقة عن الشيشان تتوسع. فويلات الحرب وقلة الفرص الاقتصادية تركت آلاف الانفصاليين الأشداء المسلحين تسليحاً ثقيلاً دون عمل ولكنهم ما زالوا يحملون شراهة كبيرة للعنف.

أما أمراء الحرب خارج غروزني فقد هزؤوا من السلطات في العاصمة وتشاغلوا بشن الغارات على أجزاء أخرى من القوقاز الشمالية. فصارت عمليات الاختطاق هي المورد المالي الرئيس في البلاد، لتدر عليها أكثر من 200 مليون دولار خلال العمر القصير لتلك الدولة الوليدة. وما بين عامي 1996 و 1999 تم اختطاف أكثر من 1300 شخص في الشيشان، وفي عام 1998 أعدم أربعة أسرى غربيين.

فتعاظمت التوترات بين كافة شرائح الجماهير وانتشر العنف السياسي والصدام الديني مع القوات الإسلامية الوهابية. وتصاعدت المواجهات بين الحرس الوطني الشيشاني والجماعات الإسلامية المسلحة وازدادت وتيرتها. وفي عام 1998، أعلنت السلطات في غروزني حالة الطوارئ العامة.

عندها دخل فلاديمير بوتن إلى المسرح، الذي كان يوماً ما عميل استخبارات خفي في الكي جي بي، لكنه الآن ارتقى ليكون نجماً من نجوم السياسة فصار ذو حظوة وحضور لدى يلتسن. وفي البداية، في يوليو من عام 1998، عيّنه يلتسن كرئيس لمركز الأمن الفدرالي (الجهاز الذي ورث مسؤوليات الكي جي بي). ثم بعد أقل من سنة، قام بتعيين بوتن في منصب رئاسة الوزراء.

وبالنظر إلى هذا الماضي القريب، فإن مراقب اليوم سيلاحظ وينبهر لهذا الصعود الفلكي. إلا أن أحداً في ذلك الزمان لم ينظر إليه بتلك الأهمية. فقد كان بوتن رئيس الوزراء السادس عند يلتسن خلال ثتمان سنوات؛ وكانت أعلى منصب في البلاد ينتهي بطريق مسدود. وهذا الرجل المعيّن للتو لم يكن يؤمل منه أن يبقى على منصبه أكثر من سلفه.

ومرة أخرى لم تكن الأخيرة، أنكر الرجل حقّ قدره بشكل مجحف.

وبتولي منصب رئاسة الوزراء، وجد بوتن نفسه مجذوباً إلى المعمعة الشيشانية. لكنه لم ينظر لمصائبها وفوضاها بعين اليأس، بل شخص من خلالها فرصة إظهار جدارته إزاء سياسات يلتسن غير الحاسمة، وأظهر ثقة في إمكانية احتلال مكانه. لكنه هذه المسألة يمكن إرجاؤها، أما الآن فإنه وبصفته رئيساً لوزراء روسيا، فعليه أن يكون المهندس البارع لنهاية مغايرة للحرب الشيشانية الأولى.

والشرارة المفترضة التي ستطلق حرب الشيشان الثانية كانت احتلال جمهورية داغستان المجاورة في شهر أغسطس وسبتمبر من عام 1999 من قبل جيشين مستقلين من المقاتلين أحدهما مكون من 2000 مقاتل شيشاني وداغستاني والمجاهدين العرب والآخر من جماعات من المقاتلين الوهابيين. وقد أخفقت محاولتهم مع حلول منتصف شهر سبتمبر ودُفعوا إلى داخل الشيشان مرة أخرى.

بذلك، كانت المغامرة ستنتهي بالرجوع إلى الوضع الإقليمي السابق، لكن القنابل كانت قد هيئت للانفجار.

الانفجارات

الانفجارات التي هُيئت لتدوّي في حيز مكاني ضيق انفجرت في الرابع من سبتمبر من عام 1999، في بويناكسك، من جمهورية داغستان. وفي وقت متأخر من تلك الليلة، جُهّزت شاحنة ضخمة لتسوّي بالأرض الثكنات التي آوت جنوداً روسيين وعوائلهم. وشوهدت وسط الأكوام المحترقة ومحيط قاع الانفجار جثث 64 رجل وامرأة وطفل روسي. وتبنى العملية متحدث يدّعي انتماءه لمجموعة إسلامية شيشانية. ورغم أن المتحدث غيّر قصته فيما بعد، فإن تبنيه الأوّل مهد لسلسلة من الاتهامات الجاهزة لكل العمليات التي تلت.

وبعد خمسة أيام، استهدفت عمليات التفجير موسكو. وكان الهدف عمارة ذات ثمانية طوابق في شارع غوريانوفا، في حي يصنّف ساكانيه أنهم من الطبقة العاملة في جنوب شرق المدينة. ولم توصّل شحنة التفجير هذه المرة بشاحنة بل نقلت خلسة إلى الطابق الأرضي، لكنها خلّفت نفس الأثر المدمّر كما في السابق. فكان ما تمخض من ذلك الانفجار هو انهيار كل الطوابق الثمانية ومقتل 94 شخص من سكانها وهم نائمون.

بالنسبة لجمهور الشعب الروسي، فقد كانت الأحداث في داغستان غير مهمة. لكن شارع غوريانوفا هو في قلب تراب الوطن. فكانت صفارات الإنذار الأولى التي انطلقت في البلاد تنطلق من ذلك الشارع. وفي غضون ساعات قليلة، جزم المسؤولون الحكوميون الروس أن المسؤول عن هذه التفجيرات هم الإرهابيون الشيشان. فأعلنت المدن في كل مكان حالة الطوارئ القصوى، وانتشرت آلاف من عناصر الشرطة في الشوارع لاستجواب -و في كثير من الأحيان اعتقال- أي شخص اشتبه أنه ذو أصل شيشاني، ونظّم سكان العمارات لجان شعبية لمراقبة وتمشيط الشوارع والبنايات. وبدأت صيحات الثأر ترتفع من جميع مراكز القرار السياسي.

وما هو جدير بالملاحظة، أن السلطات الروسية لم تتعامل مع موقع الحادثة كمسرح لجريمة حية ودراسة الموقع وملابسات الحادث بدقة، بل قامت بتسوية 19 موقع بالأرض في شارع غوريانوفا بعد أيام قليلة من الانفجار ورفعت الأنقاض إلى مكب نفايات البلدية. وما كان هناك من أدلة مجموعة -ولا يظهر أن هناك الكثير منها- فقد تم التحفّظ عليه في مستودعات مركز الأمن الفدرالي، ولم يترك أي شيء يمكن لطرف ثالث مستقل أن يفحصه أو يدرسه.

وبعد أربعة أيام، في 13 سبتمبر من عام 1999، وسط الهستيريا التي استحكمت في شوارع موسكو، استدعيت السلطات في الصباح الباكر لمباشرة تقارير عن تحركات مشبوهة في بناية شقق سكنية تقع في 6/3 من طريق كاشيرسكوي العام، في تخوم موسكو. وقد غادرت قوّات الأمن بعد أن فتشت الموقع دون أن تجد ما يقلق حوالي الساعة الثانية فجراً. وعلى نحو عصي على الفهم، لم يتمكن هؤلاء الرجال من العثور على قنبلة ضخمة في قبو البناية. وفي تمام الساعة 5:03 صباحاً، انفجرت القنبلة فتهاوى المبنى والطوابق التسعة، لتقتل معها 121 شخص.

ثم حدثت بعد ذلك غرائب أخرى. في نفس الصباح ذاك، أدلى غينادي سلزنيوف، المتحدث الرسمي لمجلس الدوما (مجلس النواب الروسي)، بتصريح عن إخبارية وصلته بأن بناية سكنية في فولغودونسك، وهي مدينة تبعد عن موسكو 700 ميل إلى الجنوب، انفجرت في الليلة السابقة.

وقد حدث انفجار الليلة الماضية بالفعل، (6/3 من طريق كاشيرسكوي العام)، إلا أن سلزنيوف كان يذكر موقعاً مختلفاً تماماً. وبدا أن الخطأ الذي أورده المتحدث خطأً غير ذي أهمية حتى انصرمت بعده أيام ثلاثة، حين انفجرت بالفعل بناية في فولغودونسك.

فتساءل أحد نواب الدوما: "كيف يمكن لك أن تذكر في يوم الأثنين الماضي  انفجار لم يقع بعد؟"

وفي حيرة البحث عن إجابة، قُطع ميكروفون السائل.

وبالنسبة للكثير من المراقبين، اعتبرت تلك الحادثة إشارة مبكرة إلى مؤامرة في طور الحدوث. فهي تنبئ أن الانفجارات التي كانت تقع إنما تتابعت وفق جدولة محددة وبعلم مركز الأمن الفدرالي، وأن شخصاً ما داخل المجموعة المتآمرة قد خلط التتالي الزمني الذي ستدلى وفقه أنباء تلك الكوارث للبرلمان.

وهكذا فإن تفجير فولغودونسك وقع بالفعل، لكنه لم يقع إلا بعد ثلاثة أيام في 16 سبتمبر. وكان أيضاً من شاحنة مفخخة خلفت وراءها 17 شخصاً من قاطني الشقق السكنية.

ومع تلك الأيام صارالانطباع لدى معظم الروسيين أن الشيشانيين هم من تشار لهم أصابع الاتهام للتفجيرات الأربعة التي وقعت. وكان من السهل أن يُروّج لهذه القصة فالغضب الشعبي الروسي إزاء الشيشان مطنب الجذور، وقد تجذّر أكثر على يد الانفصاليين الشيشانيين. وخلال تلك المواجهات، لم يبدِ المتمردون الشيشانيون أي تردد على استهداف الداخل الروسي واستهداف المدنيين.

مع ذلك، بقي البعض مشكّك للتفسير الرسمي، متسائلين ما هي الدوافع الشيشانية؟ فالحرب انتهت في عام 1997 بموفقة بوريس يلتسن على استقلال الشيشان. فلماذا يخاطر الشيشانيون باستثارة الحكومة الروسية في الحين الذي نالوا ما حاربوا من أجله؟

بعد ذلك حصل شيء غريب جداً في مدينة ريازان، المدينة الريفية الوادعة التي تبعد عن موسكو 120 ميل إلى الجنوب الشرقي.

لقد كانت اللجان الشعبية الشديدة الحذر هي الطابع الأمني العام، فلم يكن من الغرابة في شيء أن سكان محلة 14/16 على شارع نوفوسيولوف في ريازان فوجؤوا بسيارة سيدان من طراز زيغولي ذات لون أبيض تقف إلى جانب عمارتهم السكنية في أمسية 22 سبتمبر. فدبّ الهلع بينهم عندما رأوا رجلين ينزلان أكياس كبيرة من حقيبة السيارة وينقلونها إلى القبو قبل أن يعمدوا إلى الفرار سريعاً.

فاستدعى السكان الشرطة الذين اكتشفوا ثلاثة أكياس بزنة 110 رطل موصولة بصاعق متفجر وساعة تنازلية في القبو. وفيما هم الجميع بإخلاء المبنى، استدعي أخصائو المتفجرات من مركز الأمن الفدرالي لتفكيك الشحنة. فحدد الأخصائيون نوع المتفجرات بأنها من نوع RDX، وهي متفجرات قادرة على إنزال المبنى بالكامل. وفي الأوان ذاته، تم تطويق كل الطرق المؤدية إلى خارج المدينة وباشرت الجهات الأمنية عملية ملاحقة الجناة.

ومع حلول ظهيرة اليوم التالي، انتشرت أخبار ما وقع في ريازان عبر أرجاء روسيا. فقام رئيس الوزراء بالنيابة فلاديمير بوتن باستعراض عضلاته في الخطابة وهنّأ الأهالي على يقظتهم. فتبعه وزير الداخلية بإشادة التحسينات الأخيرة والجهوزية التي أحدثتها قوات الأمن في صفوفها ساهمت في الكشف عن الشحنات المتفجرة.

وكاد الموضوع أن يقف عند ذلك الحد. غير أنه ألقي القبض على اثنين من المشتبه بهم في حادثة ريازان في نفس ليلة الحادثة. فكانت المفاجأة التي حلّت على السلطات المحلية بأن الرجلين أظهرا بطاقات تعريف مركز الأمن الفدرالي، وسرعان ما ورد اتصال من المكاتب الرئيسة لمركز الأمن الفدرالي في موسكو بأوامر تقضي بإخلاء سبيل الرجلين.

وفي صبيحة اليوم التالي، ظهر المدير العام لمركز الأمن الفدرالي، نيكولاي باتروشيف على شاشة التلفاز ليدلي بقصة مختلة كلياً عن أحداث ريازان. فحادثة محلة 14/16 على شارع نوفوسيولوف، كما قال، لم تكن عملية إرهابية مهجورة بل عملية تدريبية لمركز الأمن الفدرالي لاختبار يقظة أهالي المدينة. ثم أضاف أن الأكياس في القبو لم تكن تحتوي على شحنة متفجرات بل سكر لا غير.

بطبيعة الحال فإن السكّر الزيادة لم يساعد على تحلية القصة! فكيف لأي شخص أن يوفّق بين رواية المكتب الرئيس لمركز الأمن الفدرالي ورواية المكتب المحلي الذي نصت آراء خبرائهم أنها مادة RDX؟ ولو كانت الحادثة عملية تدريبية بحق، فكيف لم يبلغ المكتب المحلي لمركز الأمن الفدرالي عن خطة التدريب مسبقاً؟ وكيف لم ير المدير العام باتروشيف أنه من الأنسب ألا يذكر عملية التدريب إلا بعد انقضاء يوم ونصف اليوم من رفع بلاغ العملية الارهابية؟ وفوق كل ذلك، لماذا توقفت سلسلة عمليات التفجير في العمائر السكنية بعد اللغط الذي وقع من حادثة ريازان؟ فبكل تأكيد، فإن الارهابيين الشيشانيين لم يكونوا ليتوقفوا عن أعمال التفجير بعد إخفاق عملية واحدة من بين عملياتهم العديدة.

لعلنا لن نعرف حقيقة ما حدث، على الرغم من أن العديد من المحققين دفعوا حياتهم ثمناً لمحاولة إظهار الحقيقة، كما سنرى لاحقاً.

حرب الشيشان الثانية

مهما كانت الأوضاع، فقد رأى بوتن الفرصة لاغتنام اليوم. فقد كانت تلك فرصته الذهبية لاستثمار الخوف الشعبي الروسي المزمن من الاسلام والإحساس المطوّل بالمذلة حيال الإخفاقات في الحرب الشيشانية الأولى.

وفي مساء 23 سبتمبر من عام  1999، ومع قيام رئيس الوزراء بوتن الحديث التعيين بإشادة سكان ريازان على يقظتهم، فقد كانت طائراته الحربية تقصف غروزني. وبعد أسبوع، عبرت الفرق المدرعة الروسية التي حُشدت على الحدود لعدة أشهر إلى داخل الشيشان. وبذلك بدأت حرب الشيشان الثانية.

لكنها هذه المرّة، اتّبعت سياسة الأرض المحروقة، فقامت القوات الروسية بتوجيه السلاح على أهداف مدنية. ولكي تتحاشى إيقاع خسائر ثقيلة بين صفوفها كما حصل معها في الحرب الأولى، تقدّمت القوات ببطء وبقوة، مستخدمة سلاح المدفعية والطيران لتمهيد الأرض وإرخاء قبضة الدفاعات الشيشانية. ومن المدنيين الشيشانيين البالغ تعدادهم 800 ألف نسمة، فرّ 300 ألف من التقدم الروسي ولجأوا إلى الجمهوريات الروسية المجاورة.

ولم يدع الجيش الروسي أي مجال للمخاطرة مع الشعب الشيشاني. فقاموا بإنشاء ما سمي بمخيمات الرشح في شمال الشيشان لاحتجاز أعضاء الجماعات المسلحة المصطلحة باسم تشكيلات قاطعو الطريق. ومرة أخرى قاموا بتسوية العاصمة غروزني بالأرض، بعد أن كانت في قبضة المتمردين المناهضين للروس.

وقد شبه المراقبون المشهد الميداني بدرسدن أو هيروشيما. لكن بعض التفاصيل الميدانية تسربت للعالم الخارجي، بينما حضرت جماعات حقوق الإنسان والصحافة العالمية من منطقة العمليات الحربية. وليس للمرة الأخيرة، أبقى بوتن العُصابة منسدلة على عيون الصحافة.

النجاح على الصعيد الشيشاني وضع بوتن في الموضع المثالي للصاعقة التي ستأتي: ففي 31 ديسمبر، قام بوريس يلتسن -الذي انخفضت مؤشراته في استطلاعات الرأي إلى حدود الصفر- بالاستقالة المفاجئة. ووفق ما تنص عليه مواد الدستور الروسي، فإن رئيس الوزراء بوتن هو الذي سيخلف يلتسن، فصار رئيساً بالنيابة.

وهكذا قفز بوتن من تعيينه كمدير عام لمركز الأمن الفدرالي في يوليو من عام 1998 إلى تعيينه رئيساً للوزراء بعد أقل من سنة، ثم إلى تعيينة رئيساً بالنيابة بعد ذلك بأقل من خمسة أشهر. وكان هذا صعوداً مذهلاً وغير مسبوق في تاريخ السياسة الروسية.

فهل كان بوتن نفسه يتوقع أن يصعد هذا الصعود بهذه السرعة؟ وهل كان كل ذلك مخططاً له؟ بالطبع لا يمكننا أن نعرف. ولكن، سواء حدث هذا ، في أغلبه، بتخطيط أو بصدفة، فإننا نعرف معرفة جازمة أنه لعبها كما يلعبها المعلّم المجرّب.

لقد عرف نوعية القيادة التي يتوق لها الروس منذ أمدٍ بعيد، فحرص أن يضع على رأس أولوياته أن يقدّم من خلال شخصه نموذج القائد الصلب المقدام. وبدل أن يجلس ساكناً في مكتبه الرئاسي، طار إلى منطقة العمليات الحربية ليعبّر عن دعمه وتضامنه مع المقاتلين. وكان هذا من الأشياء التي ما كانت لتحدث أبداً في أيام الرئيس السالف  يلتسن. والشعب الروسي شديد الملاحظة لاستعراضات القوة.

وبعد حصار شتوي بدأ نهاية عام 1999، وقعت غروزني في قبضة الجيش الروسي في 2 فبراير من السنة التالية. وفي هذه المرة كانت الحرب وجيزة.

وعلى رغم تمكن بوتن من حيازة النصر، فإن نهاية العملية الهجومية الشاملة لم تكن تعني حلول السلام. فالجماعات الشيشانية المنشرة عبر الشمال القوقازي تابعت قتل الروس بأعداد كبيرة. واستمر تحديهم للهيمنة السياسية الروسية لعدة سنوات عديدة تلت.

وما بين عامي 2002 و 2004، قاد الشيشانيون والجماعات الشيشانية المسلحة حملات إرهابية ضد المدنيين في روسيا، راح ضحيتها قرابة 200 روسي في عمليات تفجير. ونتذكر كيف تصدرت عمليتا رهائن كبريان عناوين الأخبار. إحداها أزمة رهائن مسرح موسكوفي عام 2002 (916 رهينة) وحصار مدرسة بسلان في 2004 (1120 رهينة) انتهتا بمقتل مئات المدنيين. وفي المواجهات التي وقعت في موسكو، اقتحمت القوّات الخاصة المباني في اليوم الثالث مع إطلاق غازات كيميائية قاتلة.

ومهما يكن، لقد تصرف بوتن كما لو أن التمرّد قد مضى وانتهى. وقام بتأسيس حكومة تصريف محلية لمباشرة الحكم في الشيشان في مايو من عام 2000 ثم قام بتعيين أحمد قديروف كرئيس لجمهورية الشيشان في الشهر الذي تلا. وفي 23 مارس من عام 2003، تم تبني دستور- يبقي الجمهورية تابعة لموسكو مع إعطائها بعض المزايا المهمة للحكم الذاتي المستقل- وفق استفتاء أجري في الشيشان.

وكانت الحكومة الروسية قد أيّدت هذا الاستفتاء ورُفض من قبل الانفصاليين، كما أنه قوطع من قبل شريحة واسعة من المواطنين ثم اغتيل أحمد قديروف بعملية تفجيرية في السنة التالية. فجاء ابنه رمزان قديروف، وهو قائد ميليشيا موالية لموسكو عرفت بميليشيات قديروفتسي، وأصبح الحاكم المعترف به على الأرض.

وما زالت الأسألة حول مزاعم الهجمات التفجيرية الارهابية في عام 1999 معلقة تنتظر من يجيب عليها. ورغم أن الشيشانيين امتلكوا بكل تأكيد الدافع ، والوسائل، والفرصة، فإن المشككين ببوتن يمضون في التساؤل: هل قام مركز الأمن الفدرالي بالتآمر لترقية أحد كوادره، وهو بوتن، إلى مقعد الرئاسة؟ وهل كانت عمليات التفجيرعمليات إيهامية؟

تنصيب بوتن

مهما تكن الحقائق الكامنة خلف عمليات التفجير، فإن العملية العسكرية على الشيشان -التي بدأها يلتسن وأدارها وأتمها بوتن- ساعدت على تقديم حصانٍ تحيط به الشبهات إلى مقدمة الركب السياسي الروسي، حين استخدم بوتن التفجيرات لتعزيز موقفه ورفع أسهمه.

وفي استطلاع للرأي أجري في أغسطس من عام 1999، حصل بوتن أقل من 2 بالمئة كدعم على ترشيحه لمنصب الرئاسة من المستطلعين على الرغم من (أو لنقل بسبب) تأييد يلتسن له. ومع حلول يوم الانتخابات كانت وضعيته متغيرة تماماً.

لقد واجه بوتن مقاومة كبيرة، لكن المرشحين كانوا يستعدون للانتخابات الرئاسية حسب المخطط الاعتيادي، المزمع في يونيو من عام 2000 لولا استقالة يلتسن. لكنّ استقالة يلتسن قدّمت صناديق الاقتراع إلى شهر مارس. وهي فترة زمنية نبضت بإنجازات بوتن وحربه الشاملة في الشيشان في عقول الناس، وكان الرجل يركب موجة من الشهرة والقبول. أما منافسيه فقد كانوا يرزحون في الصناديق، فتمخضت الانتخابات عن فوز بوتن بـ 53 بالمئة من الأصوات فتسلم منصب الرئاسة عن جدارة.

لقد بدأت ولاية بوتين على غرار بيتر الأعظم، وهي الشخصية التاريخية المحببة لديه، وأقسم أن يسترجع مكانة بلاده كقوة عظمى ذات كلمة وهيبة. وقد علم أن هذه المهمة لن تكون سهلة لكنّه اطمأنّ إلى امتلاكه كل المواهب والملكات لتحقيق ذلك: فهو يتمتع بلياقة جسدية مبهرة وعقلية فذّة، وفهم عميق لأساليب السياسة في العالم الحقيقي (والدور الحيوي الذي تلعبه الطاقة) ورؤية تتفرّد بجرأة مقدامة.

وقد آن الأوان لأن يشد على زمام السلطة بالتعامل مع أعدائه بشكل مناسب.

أما ما يلي في مرمى بصر بوتن فهي زمرة متنفذي العهد البائد: الأوليغاركيين.


الفصل الثاني: إركاع الأوليغاركيين–متنفذي العهد البائد

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل الثالث: اللعبة العظمى ونهاية الحرب الباردة

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل الرابع: المقاتل السلافي

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل الخامس: أوكرانيا

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل السادس: بوتن رجل الدولة

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل السابع: بوتنة النفط

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل الثامن: بوتنة الغاز

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل التاسع: بوتنة اليورانيوم

(غير مشمول في الترجمة)


الفصل العاشر: الشرق الأوسط–النفط والحروب واللعبة العظمى 

(غير مشمول في الترجمة)

الفصل الحادي عشر: غسق البترودولار عودة للعناوين

في الفصل الثالث شرحت كيف بدأ نظام الدولار النفطي البترودولار وكيف أنه الآن يعزز من مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية. ثم نظرنا إلى الاستراتيجية الكبرى لفلاديمير بوتن لشن الحرب الأبرد وزحزحة الدولار عن مكانه.

والآن سنأتي على ذكر الفترة الحالية ووصف العلامات التي تشير إلى هشاشة وضع الدولار وضعفه.

إن ما نشاهده الآن ما هو إلا نسخة حديثة لفيلم قديم هو: صعود الجنيه الاسترليني وسقوطه. ولكي نحظى بفكرة مفيدة عن الموضوع دعونا نضغط على زر الإعادة ونشاهد هذا الفيلم الملحمي مرّة أخرى.

قبل الحرب العالمية الأولى كان الجنيه الاسترليني هو العملة الأولى في العالم - ليس كحال الدولار اليوم لكنه كان في وضع قريب منه.

وكان السبب هو نجاح رجال الأعمال والصناعة البريطانيين في إعطاء الجنيه البريطاني قوّته ثباته الداخلية. فنظام التصنيع الذي طوّروه كان أكفأ بكثير من المحلات الحرفية التي استبدلوها، ما أعطى المنتجات البريطانية قدرة تنافسية كبيرة في سوق الصادرات. وقد باعت الدول الأخرى المواد الخام لبريطانيا، لتقوم بريطانيا "المضيفة للقيمة" بتحويلها إلى منتجات مصنّعة، لا سيما المنتجات المنسوجة والبضائع المعدنية.

فصارت بريطانيا "مصنع العالم"، وقامت بإنتاج منتجات منخفضة الكلفة نسبياً وصارت تشحن الباخرة تلو الأخرى بمنتجاتها. وكان العالم يطلب المزيد منها، ولكن لكي تتمكن من شراء المنتجات البريطانية، كان ينبغي لك أن تقتني الجنيهات البريطانية، كما كان ينبغي للجميع أن يبحث عن الجنيهات البريطانية ويقتنيها أيضاً.

كما أن بريطانيا كانت تمتلك قوة عسكرية معتبرة، خصوصاً في أساطيلها البحرية، وراكمت الكثير من الأملاك الاستعمارية التي "لا تغيب عنها الشمس" كما يقال. فالمستعمرات، وبعضها مصدر ثراء جمّ، كانت تساعد على تفوّق الجنيه. ولو كنت تريد شراء المنتجات من المستعمرات البريطانية، كان عليك أن تقتني الجنيهات. وعندما تريد بيع بضائعك على مستعمرة بريطانية فإنك لن تتوقع منهم غير الجنيه البريطاني، وكانت الصفقة لا تتم في الأرجح الأعم إلا عن طريق مصرف في لندن، تلك المدينة التي بدأت تصبح المركز العالمي للمال دون منازع لها.

وكانت هذه الصفقة في زمانها وظروف عملها من أروع ما يمكن. لكنّ بقية الدول بدأت الدخول في عصر الصناعات دولة تلو الأخرى، وكان في دخول كل دولة تصعيد في المنافسة على الأسواق التي كانت بريطانيا تسيطر عليها بشكل شبه كلي. ومع انتقال إدارة المستعمرات من أيادي المؤسسين المغامرين -الذين أداروها إدارة القطاع الخاص في كفاءتها وجودتها وانخفاض كلفتها بأحسن صورة- إلى أيادي المأمورين الحكوميين، فقد ازدادت كلفة إدارة هذه المستعمرات، لتصبح ثقل باهض على الاقتصاد عوض أن تكون مساهم ومنشّط فاعل له.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وانتهت تاركةً بريطانيا مغمورة في الديون التي دمرت العلامة التجارية للجنيه البريطاني. وفي المقابل خرجت الولايات المتحدة من الحرب وهي تملك مخزوناً كبيراً جداً من الذهب نتيجة بيعها الغذاء وسائر المنتجات للدول المتحاربة. كما أن الحرب خدمتها كوسيلة إعلانية دموية تروّج بأن الولايات المتحدة مكان آمن لتخزين الثروة. وفي عيون العالم، بدأ الدولار يظهر كعملة احتياط، في البداية، وكان ببساطة بديلاً نافعاً بدل الجنيه، ثم بعد ذلك أصبح -في عيون البعض على الأقل- بديلاً أكثر متانة وأمان.

أما الأضرار المادية التي مُنيت بها بريطانيا والديون الإضافية التي ركبتها بعد الحرب العالمية الثانية، فقد كانت كفيلة لأن تنهي الجنيه كعملة دوليه. وتهاوت الامبراطورية ورجعت بريطانيا إلى كونها دولة صغرى ولكن دولة مزدهرة مع بعض الحضور في الشؤون الدولية ولكن دون أن تكون مهيمنة على أي شيء.

وهكذا احتلت الولايات المتحدة المكانة التي كانت بريطانيا تجلس فيها، وقد أضافت الحرب العالمية الثانية المزيد على الخزينة الذهبية المذهلة للولايات المتحدة بفضل الصادرات للعالم الممزق بالحروب، ما عزّز من سمعة الأمان في كنز الثروة والاستثمارات. بل إن الحرب اعتُبرت أفضل الحملات الدعائية للولايات المتحدة مروّجةً بأنها أكثر بقاع الأرض أماناً لخزن الثروات. وأصبح الدولار دون وهم أو شكّ العملة الاحتياطية العالمية–وكان تقريباً الخيار الأول تقريباً للتجارة الدولية ولكل من أراد أن ينوّع استثماراته ويقلّل من مخاطرامتلاكه لعملته المحلية.

وكما ذكرنا سالفاً، ففي عام 1973 عزّزت صفقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من مكانة الدولار ليكون أكثر العملات جدوىً وعمليةً لبيع النفط الخام وشرائه. وقد سمح ذلك للولايات المتحدة أن تستورد نفط العالم -عملياً- بالمجان، ومرجع ذلك أن بنكها المركزي، الاحتياطي الفدرالي، يمكنه أن يستصدر من لا شيء كل القطع النقدية لشراء كل ما يحتاجه المستهلك الأمريكي من نفط. وقد سمح ذلك للولايات المتحدة أن تفعل أموراً كثيرة أخرى أيضاً.

وبما أن تجارة النفط كانت محتكرة على عملة واحدة هي الدولار، فقد تقدّم الدولار بمراحل عديدة على أي عملة أخرى أرادت المنافسة على لقب عملة الاحتياط العالمي. وبما أن الجميع بحاجة إلى النفط، فإن الجميع بحاجة إلى الدولار. ولو كان عندك أي بضاعة تباع في سوق الصادرات، فإنك ستُسرّ غايةً في السرور لو كنت ستتقاضى الدولار لقاء مبيعاتك، لأنك تعلم أنك ستحتاج دولاراتك لشراء النفط. ولو كنت تحتاج أن تشتري شيئاً ما من دولة أخرى، فإنك تعلم أن البائع سيسر بتقاضي الدولار لأن البائع سيتمكن من استخدامها لشراء النفط–أو أي شيء آخر. ولو كنت من المساهمين الدائمين في الاقتصاد العالمي بأي طريقة، فإن حسابك الفعلي لا يقيّد إلا بما يدخل عليك من الدولار وما يصرف من يدك من دولار، ولم تكن عملتك المحلية تعطي أي معنىً إلا ما يتداول منها محلياً.

ومن روسيا إلى الصين ومن البرازيل إلى كوريا الجنوبية، فإن كل الدول رزحت تحت الهيمنة الدولارية.

وهكذا نما الطلب على الدولار الأمريكي، دافعاً قيمة القطعة الخضراء إلى أعلى المستويات. فسمحت قوة الدولار للأمريكيين أن يشتروا البضائع المستوردة "بالرخيص"، ما يعني أن نظام الدولار النفطي "البترودلار" كان نظاماً يدعم المستهلك الأمريكي على حساب المستهلكين في بقية أرجاء العالم. وبطبيعة الحال، فقد كان هناك نقطة سلبية لهذا النظام: وهي أن الواردات الرخيصة حطّمت القطاعات الصناعية في الولايات المتحدة. ففي عام 1970، كانت الصناعات تشكل 23 بالمئة من إجمالي الاقتصاد. أما اليوم فإن الصناعات لا تتجاوز 12 بالمئة منه.

وبوضع الدولار في المقدمة أمام البقية واستبعاد أي مجال للمنافسة ضده، فقد سمح نظام الدولار النفطي للولايات المتحدة أن تستغل (وقد يستخدم النقاد الاقتصاديين عبارة تسيء استغلال) مكانة الدولار كعملة احتياط عالمي. وقد تتمكن من أن تبقي موازنة سنوية متناقصة إلى الأبد؛ أو بكلمات أخرى يمكنها أن تصرف المزيد من الدولارات في الدول الأخرى أكثر من صرف الدول الأخرى لدولاراتها في الولايات المتحدة–وليس فقط بفروقات بسيطة، بل بفارق مليارات كل يوم.

إن مكانة الدولار كأول عملة في العالم أعطته نفس المكانة التي تحتلها أدوات الدين (سندات الدين العام-IOU) المقررة بالدولار الأمريكي. ومن بين الدول التي تكنز الدولارات التي يصرفها الأمريكيون -مثل السعودية والصين واليابان- فقد كان الخيار الأول لتخزين الأموال هي صكوك الخزينة الأمريكية وسنداتها الحكومية. فوفّر ذلك للمقرضين مورداً عميقاً لاستيعاب عجوزات موازنة الحكومة الأمريكية التي تصاعدت بمنحنيات فلكية غير مفاجئة أبداً. فليس هناك أسهل ولا أمتع من أن يصرف السياسي الأمريكي أموالاً لم يجنيها من دافع الضرائب.

واليوم، تقوم الولايات المتحدة بالاقتراض من كل دول العالم دون أن تعدّ أي عدّة لذلك اليوم الذي سترد فيها القروض لأصحابها-لأنها ستطبع المزيد من النقود لسدادها.

وإن كنت تعتقد أن هناك فراغ كبير يدعم استمرارية هذه التوليفة، فإن عتقادك في محلّه. فليس هناك ما يوفر استمراريةً لهذه التوليفة إلى الأبد، لكن نظام البترودولار سمح لهذه التوليفة أن تستمر كل هذه المدّة حتى صرنا نراها طبيعية واعتيادية. لكنها ليست كذلك. وإليك ما وصلت إليه الولايات المتحدة بمتابعتها في التعامل بنظام البترودولار لمدة 40 سنة:

  • الدين الحكومي الآن تجاوز 100% مما تنتجه البلاد في سنة - وهو ما يسمى بالناتج المحلي الإجمالي. وهو يضع الاقتصاد الأمريكي في نطاق خطير حسب ما يمليه علينا التاريخ ويعرّض الاقتصاد لأشكال عديدة من المشاكل المهلكة مثل الكساد الاقتصادي أو التعثر في السداد أو التضخم المنفلت.
  • وهن معظم القطاعات الصناعية.
  • ضعف مناعة الاقتصاد عن التعافي من أي صدمات. فبالرغم من الطباعة غير المسبوقة للقطع النقدية والصرف بموازنة سالبة بعد الأزمة المالية الأخيرة، فإن التعافي الاقتصادي لا يوصف إلا بأنه يرثى له. فعلى الرغم من تراجع البطالة، إلا أن وتيرة تراجعها كانت تشق الأنفس.
  • للحد من الانزلاق في الأزمة المالية من جديد، فقد خفّض الاحتياطي الفدرالي من أسعار الفائدة إلى حد شعر به المدّخر بالاستهزاء.
  • أصبحت أسواق الاستثمار غير قادرة على الحركة دون أن تكوّن فقاعات سعرية تنتهي بالانفجار، كما حدث في أسهم تكنولوجيا الإنترنت dot-com والعقارات، وهو ما يلاحظ الآن في مؤشر السندات.

السؤال هو: هل أن كل هذه المؤشرات تليق بقوة عظمى؟ أم أنها صورة أقرب إلى عملاق مكشوف الخاصرة بدأ يستنفذ سر تفوّقه؟

لقد بدأ العالم بالتحرك نحو زاوية للانسلاخ من الدولار الأمريكي. وفيما يهمّ بالتوجّه إلى هذه الناحية، فإن العملة الأمريكية ستخسر مكانتها كعملة احتياطية وكأصل نافع. والمالكين للترليونات في صورة أصول مثّمنة بالدولار سيتحولون إلى بائعين لأصولهم، وستتهاوى قيمة الدولار إلى الحضيض.

وهذه طريقة أخرى لذكر تلك الكلمة الرهيبة والمهابة "التضخم". فنحن إن كنا محظوظين، فإن التضخم سيكون سيئاً. ولكن إن غادر ربوعنا الحظ، فإن التضخم سيتقاطر عليها من كل جانب؛ بنسب فائدة تحوم في خانة العشرات؛ وارتفاعات مشلّة في أسعار المأكولات والملبوسات والوقود؛ والكثير الكثير من الأخبار السيئة في أسواق الأسهم. وستبدو أزمة عام 2008 و 2009 في ذلك الحين كمطب وديع في طريق وعر.

إن النتائج بالنسبة للأمريكيين، الذين اعتادوا أن يعيشوا برغد في ظلّ دولار يحتاجه العالم ويريده، ستكون بهذه الوخامة. والنتيجة النهائية للعالم–من ناحية تقرير أي العملات هي التي ستتصدر قوائم القوة الاحتياطية لاستبدال الدولار –إن كان هنالك أي عملة جدير بذلك– فهي غير معلومة.

ولكن ما يمكننا أن نستقرئه بكل وضوح هو أن الحكومة الأمريكية ستستعمل كل الطرق المتاحة لمواجهة التهديدات التي ستحدق بهيمنة الدولار. وفي فصل من فصولنا السابقة، طرحت فكرة أن احتلال عام 2003 للعراق كانت إحدى الدوافع المساوية لأي دوافع أخرى، هو التهديد المحدق بالبترودولار الذي جاء من قرار صدام حسين الذي ضمّنه تحويل برنامج الغذاء مقابل النفط من عملة الدولار إلى اليورو.

وشيء مشابه يمكن أن يقال عن ثورة ليبيا. فصحيح أن نظام معمر القذافي كان هشّاً جداً. لكنّ التوقيت الذي حلّت فيه نهايته تنبؤنا بالكثير. لقد بدأ القذافي بتشجيع العرب والدول الأفريقية على أن يهجروا التعامل بالدولار واليورو وأن يستبدلوهما بعملة جديدة، وهي الدينار الذهبي. وبعد مدة ليست بالطويلة من هذه الدعوة، صار القذافي من التاريخ المنسي، بعد أن دمّره الثوار بمساعدة من الولايات المتحدة والناتو.

وما يبوح لنا بالشيء الكثير هو أن هذا الصراع أعطى الولايات المتحدة غطاءً قانونياً لتجميد أصول ليبية بلغت 30 مليون دولار كان بإمكانها أن تتسبب في الكثير من المشاكل. فقد خُصصت هذه الأموال من قبل ليبيا ضمن إسهاماتها لثلاثة مشاريع مفتاحيّة لاتحادات اقتصادية أفريقية هي: بنك الاستثمار الأفريقي ومقره ليبيا وصندوق النقد الأفريقي المزمع تأسيس مقره في الكاميرون والمصرف المركزي الأمريكي في نيجيريا، الذي كان سيبدأ طباعة العملة الأفريقية الجديدة التي ستستبدل الدولار.

سهام مصوبة على الدولار

تشجع روسيا والصين سياسة هجر الدولار بتأسيسهما أدوات تجارية دولية تعمل دون تداول أي عملة أمريكية.

في نهاية عام 2010، أعلن بوتن ورئيس الوزراء الصيني وين جيابو عن الاتفاق على تسوية مبادلات تجارية محدّدة بينهما بالروبل والرنمنبي (اسم آخر للإيوان). في ذلك الوقت، صرح وين جيابو قائلاً: "ستتبع الصين بكل حزم طريق تطوير العلاقات السلمية وستدعم عصر التنوير الروسي كقوة عظمى". وكانت هذه أول اتفاقية توقع بين دولتين تعتبر تحدٍّ سافر لمكانة الدولار الأمريكي كعملة دولية مهيمنة.

وفي بداية عام 2012، حذت الصين واليابان، وهما الدولتان التي تملكان ثاني وثالث أكبر اقتصادان في العالم نفس الحذو، بعيداً عن الصديق الأفضل للعالم [الولايات المتحدة]. وكانت ترتيباتهم تهيء للشركات أن تصرف ما بين الين والإيوان مباشرة دون استخدام الدولار كعملة وسيطة. وكانت هذه المرّة الأولى التي تسمح فيها الصين أن تبدّل الإيوان بأي عملة غير الدولار.

ولكي تدخل هذه الاتفاقية إلى الحيز العملي، قالت الحكومة اليابانية بأن بنك اليابان سيشتري 65 مليار إيوان (ما يساوي 10 مليار دولار أمريكي) في صورة ديون حكومية صينية لصالح احتياطيها الخاص. وهذا لا يعتبر إلا جزءً بسيطاً من احتياطيها النقدي الأجنبي البالغ 1.3 تريليون دولار من العملة الاحتياطية الأحنبية –تبقى معظمها دولارات- لكنّ هذه الاتفاقية ليست سوى بداية وحسب.

وستعمل أسواق لمبادلة العملتين في طوكيو وشانغهاي.

وفي شهر سبتمبر من عام 2013، أعلنت الحكومة الصينية أن النظام المصرفي في البلاد كان جاهزاً لأي جهة في العالم ترغب في أن تبيع النفط الخام أو تشتريه بالإيوان بدلاً من الدولار.

ومن بين المستجدات المناهضة للدولار في الصين من نفس السنة فهي:

  • خدمات لتسهيل مبادلة العملات بين مصرف الشعب الصيني (المصرف المركزي) وبنك البرازيل المركزي بقيمة تقدر بـ 30 مليار دولار من الريالات البرازيلية والإيوانات الصينية. وسيتمكن كل بنك مركزي من تسوية المبادلات التجارية بين البلدين دون استعمال الدولار. والصين هي أكبر شريك تجاري للبرازيل.
  • إرساء ترتيب مشابه مع أستراليا بقيمة 31 مليار دولار من الإيوانات والدولارات الاسترالية، وكذلك لتسهيل التجارة دون تداول أية دولارات أمريكية.
  • إرساء ترتيب مشابه مع الإمارات العربية المتحدة بقيمة 6 مليار دولار من الإيوانات والدراهم الإماراتية.
  • إرساء ترتيب مشابه مع تركيا بقيمة 1.6 مليار دولار من الإيوانات والليرات التركية.
وفي يونيو من عام 2013 زار وين جيابو تشيلي لاقتراح ترتيب لتبادل العملات. البيزوهات التشيلية مقابل الإيوانات الصينية.

وفي نهاية السنة تلك، أعلنت كوريا الجنوبية والصين أنهم سيسمحون لمصارفهم أن يعتمدوا على وديعة قيمتها 64 تريليون وون  (59 مليار دولار) للمقاصة بين مصرفي البلدين المركزيين لتسوية عمليات الاستيراد والتصدير.

ولدعم كل هذه الترتيبات، قامت الصين في شهر مارس من عام 2014 بافتتاح مركزين لمعالجة كل هذه المبادلات التجارية المسعرة بالإيوان، أحدهما في لندن والآخر في فرانكفورت.

وفي شهر يوليو من عام 2014، قامت الصين بالانخراط في مبادلة عملات أخرى مع البنك الوطني السويسري  بـ 150 مليار إيوان مقابل 21 مليار فرنك سويسري (23 مليار دولار). هذه الاتفاقية تسمح للبنك المركزي السويسري أن يستثمر في سوق السندات الصينية.

وهناك العديد من الدول التي تريد أن تتبع هذه السنّة التي سنّتها كل من روسيا والصين.

كذلك، في شهر يوليو من عام 2014، أخذت دول البركس (البرازيل و روسيا و الهند و الصين و جنوب أفريقيا) خطوة عظيمة نحو الاستقلالية الاقتصادية في قمة اقتصادية عُقدت في فورتاليزا في البرازيل. وقد اتفقوا، أولاً، على إنشاء مصرف تنمية جديد، يتخذ من شانغهاي مركزاً له، ليساعد في تمويل الحاجات التنموية في دول البركس والأسواق النامية الأخرى. وسيبدأ بتخصيص مالي يبلغ 100 مليار دولار.

كما اتفقوا، ثانياً، على أن يساهموا في صندوق احتياطي للطوارئ أو صندوق جامع للعملات الاحتياطية، برأسمال أولي يبلغ 100 مليار دولار. وهو مصمّم لكي يساعد في حماية دول البركس من ضغوطات السيولة النقدية القصيرة الأجل وأي صدمات مالية دولية قد تحدث.

أما عن العملات التي ستدخل في بناء هذا المبلغ فهي غير واضحة لحد الآن. ولكن من المؤكد أن هذه الدول الخمسة أقدمت على تلك الخطوات الواضحة لكي تتحرر من التعامل عبر بنك المخالصات الدولية 2 وصندوق النقد الدولي - اللذين يخضعان لسيادة الدولار الحالية.

الدولار يطلق النار على نفسه

من غير قصد، تقوم الولايات المتحدة بالاسهام في هدم هيمنة الدولار على العالم. وكان ذلك في أوضح أشكاله حين نظمت ضد إيران العقوبات الاقتصادية لكي تثنيها عن تطوير أسلحة نووية. وقد وافقت الدول المشاركة على العديد من الأشياء أهمّها الامتناع عن استيراد النفط من إيران. وعلى الرغم من أن اتفاقية شهر نوفمبر عام 2013 التي كان عرّابها بوتن أوقفت بعض بنود العقوبات، فإن البند الرئيس بقي نافذاً.

تفضّل الحكومة الأمريكية العقوبات على العمل العسكري لسبب بسيط: لأن إيران لن تكون سهلة المنال كما كانت العراق. إذ ستُواجَه السفن الأمريكية التي تهاجم إيران من الخليج بأسراب من المراكب الصغيرة الانتحارية. وسيكون من السهل على إيران أن تهاجم الناقلات النفطية (أهداف كبيرة وبطيئة) المنتقلة ما بين السعودية والبحرين وما بين مضيق هرمز، الذي سيحتجز وراءه 20 بالمئة من امدادات العالم من النفط.

عندها سيدخل بوتن إلى المشهد، فروسيا لن يُتوقع لها أن تقف مكتوفة الأيدي فيما تهم الولايات المتحدة بضرب أحد حلفائها.

عندما فُرضت العقوبات الاقتصادية، سارع من حلفاء الولايات المتحدة معظم أوروبا وبعض آسيا إلى الالتزام بالأوامر بسرعة بين مخفضّ لاستيراد النفط الإيراني ومقاطع له. وقد انخفضت صادرات إيران من النفط في البداية إلى نصف الكمية، إلا أن إيران لم تستسلم إلى الوضع الجديد.

يعتبر النفط من السلع القابلة للاستبدال، أي أن البرميل من النفط الخام يمكن استبداله بأي برميل آخر. وحالما يغادر البرميل بلد المنشأ فمن الصعوبة بمكان أن يقتفى أثره إلى بلد المنشأ، خصوصاً لو تقصّد المتداول إخفاء ذلك. وليس البرميل هو الوحيد الذي يصعب تعقبه، فرغم أن النفط يُنقل في سفن ضخمة جداً، وصار المرادف الاسمي لهذه السفن "الناقلات العملاقة"، فقد يكون مفاجئاً لك، أنّ عملية تعقب ومراقبة كل واحدة منها لعملية صعبة.

ووفق القانون الدولي، فإن أي سفينة يجب عليها أن تحمل جهاز تعقب عبر الأقمار الصناعية، إلا أن قائد السفينة بإمكانه التحفظ على تسليم الجهاز لأي جهة لأسباب أمنية لو حصل على صلاحية ذلك من بلاده. وقد مارس قواد السفن الإيرانيون هذا التحفظ بمهارة. إن ناقلات إيران النفطية البالغ عددها 39 ناقلة تجوب البحار الآن "خارج التغطية". ومن بين كل السفن الإيرانية فإن سبعة فقط من ناقلات الخام الكبيرة جداً لا تزال تشغّل مجيب التعقب على السفينة، فيما اكتفت بإبقاء ناقلتين من أصل تسع من ناقلات حد السويس 3 ممكنة التعقب.

وعليه فإن الملايين من البراميل النفطية الإٌيرانية المخزّنة في ناقلات إيرانية تواصل "الاختفاء". وعند الاستعلام على المستوى الرسمي عنها، فإن الإيرانيين لا يردون إلا بهزّ الأكتاف مستخفين، ولا يعترف أي أحد منهم بمعرفة عن سر اختفاء كل ذلك النفط.

وقد بدأت إيران عبر شركتها "شركة الناقلات الإيرانية الوطنية" باستقبال طلبات النقل بناقلاتها الجديدة الثنتي عشرة 12  التي بنتها في الصين، ما سيزيد من سعة النفط المشحون "بالتهامس في الآذان".

وقد أثبتت إيران بذلك أنها قادرة على اجتناب العقوبات، لكنّ هذه الحيل والمراوغات لا تتم من غير ثمن.

فتكلفة شحنات النفط في كل رحلة نقل تزيد بخمسة ملايين دولار تقريباً، أو 2.5 دولار إلى 4 دولار لكل برميل، حسب حجم الناقلة. كما أن إيران تخسر الملايين من الدولارات الإضافية لتأمين كل سفينة، لأن معظم قطاع التأمين العالمي يعمل من الدول العاملة بالعقوبات الاقتصادية. فلا تجد إيران إلا عدد أقل من المؤمّنين العاملين من دول أخرى، وغالباً ما تكون في الصين أو روسيا.

وبما أن تجارة السوق تبقى تجارة سوق، فإن المشتري يستغل الوضع بفرض شروطه في الدفع الآجل المريح من "الشركة الإيرانية الوطنية للنفط". وقد يحصل المشتري على حدّ أقصى للدفع يبلغ ستة أشهر، تكلّف طهران من 5 إلى 8 دولارات للبرميل.

وبكل ما ذكرناه، فإن كلفة كل حمولة تزيد بكلفة التأمين وتكاليف شروط الدفع السخية التي ستنقص من المدخول بمقدار 10 إلى 12 بالمئة من حمولة كل ناقلة. ومع أن هذا العبء يعتبر عبءً مالياً باهض، إلا أنه ليس بالعبء الذي يفت العظم.

إن هذا المنع في قبول شحنات من النفط الإيراني كما فرضته العقوبات ليس إلا واحداً من الممنوعات. والممنوع الآخر هو الحجر على الدفعات لإيران، لا سيما تلك التي أجبرت جمعية الاتصالات العالمية ما بين البنوك (سويفت 4 ) أن ترفض الحوالات من وإلى البنوك الإيرانية. وقد أوصدت هذه الوسيلة الدفعية الطريق المتعارف عليه لسداد مترتبات الصفقات بين من هم داخل إيران ومن هم خارجها، الأمر الذي سيكون في غاية الكفاءة لو أن كل دولة من دول العالم أيّدت العقوبات. إلا أن ذلك لم يكن الحال.

وقد تجاوز عدد لا بأس به من الدول الحاجة الملحّة للسجود أمام الولايات المتحدة. وبعض من هذه الدول جاهر بالاعتراض على العقوبات الأمريكية على إيران عبر رفض التعاون. وبقيت بعض الدول الأخرى مسايِسة وفضلت أن تتاجر مع إيران بطرق غير مباشرة، بأن تشحن البضائع والأموال عبر دولة ثالثة (ومنها طوّرت الصين قطاعاً تجارياً نشطاً للوساطة). وقد غضت دول أخرى النضر عن العقوبات كلياً دون أن تفصح بذلك.

وبالنسبة لدول أخرى، فإن الظروف الاقتصادية الحرجة عندها تقتل أي رغبة في الانصياع للأوامر الأمريكية. فهي تعتمد على إيران في أغلب وارداتها النفطية ما يجعل مجرّد التفكير في العقوبات كابوس مزعج. فالهند مستورد كبير للنفط الإيراني، والصين هي كذلك، وكوريا الجنوبية أيضاً. وهذه الدول لن تستبدل مصالحها الاقتصادية لمجرد تربيتة على الظهر من السيد الأمريكي.

وقد أصبحت التجارة مع إيران دون إثارة السخرية العلنية على العقوبات فناً بالغ التعقيد، وهو فنٌّ راده الإيرانيون أنفسهم. فعندما تعمد إلى حجر الناس عن نظام سويفت للحوالات المالية، فإنهم لن يذهبوا ليبلّطوا البحر، بل سيبتدعون البدائل.

 إن إيران تبيع النفط للهند مقابل الذهب أو الروبيات. كما أن هناك اتفاقية مع الصين لمبادلة النفط بمنتجات صينية شديدة التنوع. وكوريا الجنوبية، كما الصين، تقوم بالدفع لإيران مقابل النفط بعملتها المحلية بكل هدوء.

إن إحدى تلك الحيل تتطلب تعاوناً تركياً، عبر مصرف مملوك للدولة التركية هو مصرف هلك، وهو ينفذ الدفعات عن طريق ثغرة شرعية تسمى الثغرة الذهبية. فما بين مارس 2012 ويوليو 2013، قام الأتراك بإرسال ما قيمته 13 مليار دولار من الذهب إما بطريق مباشر أو عن طريق الإمارات العربية المتحدة. وفي المقابل، كان الأتراك يحصلون على الغاز الطبيعي أو النفط الإيراني. لكنّ العقوبات الاقتصادية حضرت الدفع بالدولار أو اليورو مقابل النفط، فصار الأتراك يدفعون بالليرة التركية، واستخدم الإيرانيون الليرة لشراء ذلك الذهب الذي صار في طهران. وبذلك حازت إيران على الذهب وتمكنت تركيا من الادعاء بأنها تبعث بالأموال لمواطنين أفراد، وهي لا تنتهك بذلك العقوبات.

وقد قام الرئيس أوباما في يناير 2013 بسد الثغرة الذهبية، مصنفاً أي عمليات من هذا النحو بعد ذلك التاريخ بأنها خرق للعقوبات.
وقد تكون المقايضة هو البديل التالي. وتتفاوض إيران وروسيا على تبادل النفط بالبضائع فيما بينهما بقيمة تقدر بـ 1.5 مليار دولار شهرياً لرفع الصادرات النفطية الإيرانية. وبما أن روسيا لا تحتاج النفط، فإنها ستبيعه في الأسواق العالمية مقابل الروبل.

إن الحكومة الأمريكية تطالب روسيا بأن تتراجع عن عرضها ذاك وهدّدت أن تشدّد الخناق على النفط الإيراني. وما يستتبعه ذلك قد يكون مفتوحاً على التوقعات والتخمينات. فهل تقدم الولايات المتحدة على إلقاء القبض على ناقلات نفطية تحمل النفط الإيراني إلى روسيا؟ إن حوادث كتلك حتماً سيزيد من توتر العصا إلى أبعد من نقطة الانكسار، وقد تكون نتائج ذلك مرعبة بحق.

وفي المجمل، فإن التبادل التجاري الغني عن التسعيرة الدولارية مع قائمة طويلة من الدول الصديقة أبقت الموازنات المالية الإيرانية في حدود مستقرة. والعقوبات المبنية على أساس الحاجة الإيرانية لاستخدام الدولار، في الواقع، تترك ثغرات قانونية كبيرة بسعة ناقلات الخام الكبيرة جداً لتعبر من خلالها مباشرة.

وهذه هي المفارقة المضحكة. فالعقوبات الاقتصادية تعلّم الإيرانيين وزبائنهم كيف يعيشون من غير الدولار. والدول الأخرى تراقب وتتعلّم أيضاً.

إن ما يحدث لهو جرح مثالي ذاتي الإصابة في قدم الولايات المتحدة: إن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة لكي تستعرض بها سيادتها، هي التي تكشف –عملياً– للعالم كيف يستغني عن الأداة الرئيسة التي يهيمن بها الاقتصاد الأمريكي. والذين لا يعجبهم التدخل المفرط للولايات المتحدة في شؤون العالم يستلهمون العِبر لكيفية التخلص من الاعتمادية على الدولار.

لقد أرادت الولايات المتحدة أن تستعرض للعالم أنها ما زالت تحمل العصا الغليضة. لكنّها، أثبتت أن الضرب بتلك العصا لا يؤلم إلى حدّ كبيرة.

إن العقوبات الاقتصادية ضد روسيا نتيجة تدخلها في أوكرانيا تفعل نفس المفعول السلبي على الدولار، كما هو حال العقوبات ضد إيران.

في مارس 2014، سارع بوتن، الذي أغضبه كثيراً عرقلة الحوالة المالية من السفارة الروسية في كزخستان إلى مجموعة سوغاز للتأمين عبر مجموعة جي بي مورغان في نيويورك، سارع إلى توجيه الأوامر للبنك المركزي الروسي للبدء مباشرة في مشروع النسر المزدوج.

وسيقوم النسر المزدوح ببناء "نظام وطني جديد للمدفوعات والتسويات" وسيكون بديلاً روسيّاً لنظام سويفت. وسيمكّن الشركاء التجاريين من تسعير النفط بالذهب، وهو (الذهب) ما تقوم روسيا بكنزه منذ فترة. هذا النظام الجديد سيسمح للمستخدمين أن يتحاشوا استعمال الدولار (واليورو)، ويمولوا عملياتهم التجارية بشيء مادي ملموس وحقيقي أكثر من العملة الورقية. وتقوم دول البركس بالهتاف والتشجيع لهذه الخطوة الروسية.

إن وزارة الخارجية الروسية تصف نظام سويفت بـ"الصمغ" الذي يربط النظام المالي العالمي بالدولار، وهو وصف دقيق. وتفاخر الوزارة (وقد تكون على حق) بأن البديل الروسي سوف "يدمر نظام سويفت بين ليلة وضحاها". وهي تزعم أيضاً أن دول البركس في كامل استعدادها للمشاركة في نظام التبادل حالما يُبتدأ العمل به.

ووفق التعبير الغاضب لـ فالنتينا ماتفيينكو، المتحدثة الرسمية للمجلس الأعلى للبرلمان، والذي لا يخلو من  مشهدية ساخنة: "لقد نسي صانع قرار ما أعماه تهوره وحدّيته أن أزمة 2008 الاقتصادية التي اجتاحت العالم والتي لا تزال تفعل أفاعيلها بالعالم، أن الانهيارات بدأت بمؤسسات مالية محددة في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى ودول أخرى. وهذا هو الذي يجعلنا مقتنعين أن أي عمل عدواني اقتصادي [نحو روسيا] هي سيف ثنائي الحد. وإن أبسط خطأ سوف يحرف البمرنغ 5 عن مساره ليسعى ضد قاذفه".

التجارة بين مدّ وجزر

إن النمو الاقتصادي المتسارع خارج الولايات المتحدة على مدى العقدين المنصرمين هلهل من مكانة الدولار وأهميته.

في عام 2009، نجحت الصين بتجاوز صدارة الولايات المتحدة في شراكتها التجارية مع أفريقي لتصبح هي في المركز الأول. وفي عام 2012، تجاوز التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا خط 200 مليار دولار.

ومن سوء حظ الدولار، فإن معظم التبادل كان له علاقة بالطاقة. والصين تحصل على ثلث احتياجاتها النفطية من أفريقيا وهي تسهم بفعالية في الصناعة النفطية الأمريكية. وإليك هذه الأمثلة:

  • في عام 2006، قامت الصين بشراء 45 بالمئة من أسهم حقول النفط والغاز البحرية لنيجيريا مقابل 2.3 مليار دولار.
  • في عام 2010، قامت بإرساء اتفاقية تبلغ 23 مليار دولار لبناء ثلاث محطات تكرير ومجمّع وقود واحد في نيجيريا.
  • في عام 2013، وافقت مجموعة سينوبك الروسية لشراء حصة ماراثون للنفط البالغة 10 بالمئة في حقول الغاز والنفط البحرية لأنغولا مقابل 1.52 مليار دولار.
  • في عام 2013، تملكت الشركة الصينية الوطنية للنفط حصة بلغت قيمتها 4.2 مليار دولار في حقول الغاز والنفط البحرية لموزنبيق.

إن كل هذه الصفقات ستعود بنموٍ في استخدام العملة الصينية في أفريقيا. وفي يناير 2014، قال البنك المركزي النيجيري أنه سيبيع بعض الدولارات ليرفع من حصة الإيوان من 2 بالمئة من احتياطي نقده الأجنبي إلى 7 بالمئة. وفي اليوم التالي، أعلن البنك المركزي الزمبابوي أنه سيضيف الإيوان إلى قائمته الرسمية من العملات.

وهكذا تقترب كل من روسيا والهند من تحقيق تحالف مهمّ على صعيد الطاقة. ففي مارس من عام 2014، زار الرئيس التنفيذي لشركة روسنفط، إيغور سيخين، الهند لمناقشة التعاون الثنائي بين روسنفط و شركة النفط والغاز الطبيعي التي تملكها الدولة الهندية. وقد أعلنت روسنفط أنها اتفقت على شحن الغاز للشركة الهندية من محطة  الغاز المسال التي ما تزال تبنى في ساخالين حال بدء التشغيل، وهي محطة تقع على السواحل الروسية المطلة على المحيط الهادي. وهي اتفاقية لن يرى الدولار أيأ من جوانبها.

وهناك عامل آخر هو تعاضم التوجة الاستهلاكي في الدول النامية الكبرى مثل الصين والهند والبرازيل. ومن االجدير بالملاحظة أن الطلب المتزايد على السلع المحلية يكون له أثراً إيجابياً في استقرار العملة المحلية، والدول التي تشهد ازدياد في الصادرات لهذه البلدان ستكون أكثر قدرة على تحويل تعاملاتها عن الدولار.

ومنه نأتي على ذكر الذهب، الخيار المثالي في التاريخ للاستقرار في فترات الهلع المالي. ففي عام 2009، حين بدأ الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بإصدار الدولارات الجديدة بوتيرة غير مسبوقة، تحوّلت البنوك المركزية حول العالم إلى مشترين للذهب بالجملة (بعد سنوات من بيعهم لمخزونهم من الذهب). وقد شهد العام 2013 شراء كميات قياسية من الذهب في الصين وروسيا والبرازيل.

وقد أبدى بنك بونديز الألماني صخباً واضحاً وجلبة في اهتمامه بالذهب (وهو ينبئ باهتمام بالغ في تأمين بديل عن الدولار). وفي عام 2013، سعى البنك المذكور لتوطين 300 طن متري من الذهب الذي أودعه في خزائن الاحتياطي الفدرالي في نيويورك. وقد صرح متحدث من بنك بونديز أن هذه النقلية تأتي في سياق التحسبات لأي أزمة نقدية" 6



الشكل 11.1: صادرات الخام السعودي حسب الوجهة، 2012

عودة إلى الرياض

إن تمسك الدولار بقوته كعملة احتياط رهين بنظام البترودولار أو الدولار النفطي، الذي يعتمد بدوره على السعودية. والمملكة العربية السعودية بدأت تزيد من نظراتها نحو الشرق.

وكما أسلفنا الملاحظة، فإن النفط الإيراني مهم للصين–وهو يحوز على 9 بالمئة من واردات الصين. لكن النفط من السعودية هو أهم من ذلك؛ فالسعوديون يرسلون إلى الصين 19 بالمئة من كل وارداتها النفطية. (انظر الشكل 11.1)

والتبادل التجاري بين السعودية والصين تضاعف 58 مرة تقريباً على مدى العقدين المنصرمين، من 1.28 مليار دولار في عام 1990 إلى 74 مليار دولار في 2012. والسعودية هي الشريك التجاري الأول للصين في الشرق الأوسط على مدى 11 سنة متتالية. والبلدين لا يزدادون إلا قرباً. وفي عام 2012، اتفق الجانبان على بناء أكبر محطة تكرير على التراب السعودي، بشراكة ثنائية تقدر بـ 8.5 مليار دولار.

وفي عام 2009، تخطت الصادرات السعودية إلى الصين، صادراتها إلى الولايات المتحدة لأول مرة، وهي الآن تصدر إلى خمسة دول آسيوية (الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة) ثلاثة أضعاف الكمية التي تصدرها إلى أوروبا وأمريكا الشمالية مجتمعة. كل هذا –وفي ظل ثورة النفط الرملي في الولايات المتحدة وحاجاتها المتناقصة في استيراد النفط– يشير إلى أن الصين هي سوق نامية ومزدهرة للنفط السعودي.

إن السعودية ليست الدولة المسلمة الوحيدة التي عمقت من روابطها الاقتصادية مع الصين على مدى العقد الماضي. فالصين وأندونيسيا وإيران والعراق وكزخستان وماليزيا وموريتانيا ونيجيريا وباكستان والسودان وتركيا بادروا إلى ذلك أيضاً. لكن السعودية قطعت الشوط الأطول.

ما تزال الصين مع السعوديون يستخدمون الدولار في تجارتهم، لكن السؤال المفتوح هو إلى متى سيكون ذلك. ويتوقع ألا ينسحب السعوديون من اتفاقية البترودلار في أي وقت قريب. فالضمانات الأمريكية لدعم ملكيتها في حالة أي ثورة والدفاع عنها ضد أي احتلال يبقى هو ما يحمل الوزن الأكبر. ومع إيران الشيعية والعراق الشيعية، المسكوكة حديثاً، عند أعتاب البيت السعودي، فإن الغطاء والحماية يبقى أمراً لا غنى عنه.

 إلا أن العلاقات السعودية الأمريكية تعتبر باردة في أحسن تقدير. وهناك الكثير من الاستفزازات في العلاقة على المملكة. فعلى سبيل المثال، قامت الولايات المتحدة بدق طبول الديمقراطية في الشرق الأوسط منذ 11 سبتمبر، وهي دقات ليست بالسارة للآذان غير الديمقراطية.

ينظر المسؤولون الرسميون في السعودية إلى سياسات الهيمنة الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة في الشرق الأوسط بأنها سياسات تزعزع الاستقرار في المحصلة العامة. وتنظر السعودية إلى أنها تعاني من السياسة الخارجية الأمريكية الهوجاء التي تفتقر إلى حسن التنفيذ. وقد قامت الولايات المتحدة بإسقاط صدام حسين خلافاً لمشورة الرياض، والعراق الآن مهدد لأن يقسّم. إضافة إلى ذلك، فإن الحكومة الأمريكية تستمر في إخفاقها بالضغط على إسرائيل لتقدم تنازلات للفلسطينيين وفق المبادرة السعودية في عام 2002.

وينظر السعوديون إلى القرار الأمريكي بإزاحة صدام كموقف معاند منذ البداية، وهم يعلمون أن أي عملية ديمقراطية في حكومة وطنية عراقية ستكون ذات أغلبية شيعية وستكون مفتوحة للتعاون مع إيران. ولذا، عندما اندلعت الاحتجاجات البحرينية في عام 2011، فإن السعوديين لم ينتظروا استمارة الموافقة من البيت الأبيض قبل إرسال القوات للمساعدة في قمع الاحتجاجات والدفاع عن الملكية البحرينية السنّية.

تنظر السعودية إلى المسؤولين الأمريكيين، وعلى الأخص إدارة أوباما، أنها لا تملك أدنى فكرة عن الحقائق الميداني في الشرق الأوسط. وأحداث الربيع العربي قادت الكثير من مراكز القرار في الرياض للتشكيك بولاء واشنطون للمملكة وحلفائها في المنطقة. وعندما اندلعت المظاهرات في مصر في 2011، خابت آمال السعوديين إزاء سلبية إدارة أوباما وهم يرون الشراكة الاستراتيجية (نظام مبارك) التي دامت لـ30 عام تنحل بكل سهولة. والقرارات اللاحقة من قبل واشنطن على تخفيض الدعم العسكري للجنرال السيسي زادت في مضايقة الجانب السعودي، الذي يخشى عدو السيسي، الأخوان المسلمين.

ويتهم الكثير من السعوديين الولايات المتحدة بخيانة الثورة المناهضة لنظام الأسد في سوريا. وقد غضبت الرياض عندما علمت أن إدراة أوباما لن تضرب قوات الأسد بعد المزاعم التي ظهرت لاستخدامها السلاح الكيميائي.

ثم هنالك الشأن الإيراني بحد ذاته، فباراك أوباما أقدم على خطوات تقاربية تجاه إيران منذ أن بدأ ولايته الرئاسية. وفيما تبقى العقوبات الاقتصادية هي سياسة العصا، فإن الرياض ترى أن المحادثات مع إيران هي جزرة غاية في السخاء. ومن وجهة نظر السعودية، فإن العملية برمتها تشير إلى زحزحة في موازين قوى المنطقة ينتهي إلى كشف خاصرة المملكة.

ومن ذلك فإن السعوديين لا يرون أن المحادثات الأمريكية مع إيران هو شيء إيجابي. بل يرون فيها صفعة في الوجه، ومسألة أخرى تشكّك في التزام واشنطون تجاه المملكة.

وبوتن، الذي كان أول رئيس روسي يزور المملكة السعودية، في عام 2007، انكشفت له الأحداث كلها. فقد أدرك أن الإسهام السعودي في مشروع نظام النسر المزدوج للدفعات الذي اقترحه أو أي نظام آخر شبيه سيسهل من مهمة إسقاط الدولار الأمريكي عن عرشه.

وقد أبقت السعودية يدها ممدودة إلى روسيا، خصوصاً بعرضها عقود أسلحة تبلغ 15 مليار دولار للروس إن وعدوا بإرخاء قبضة الدعم لنظام الأسد. لكن روسيا لن تستعجل في البت بقرار من هذا الحجم، ومع الانسحاب الذي تبديه الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط، فالمسألة ليست سوى مسألة وقت قبل ان تبدأ السعودية وروسيا بالعمل معاً، وفي الغالب سيبدأونها بإبرام عقود سلاح. لكن ذلك لن يحدث بسرعة، لأن السعودية تدعم الجماعات المسلحة في العراق وسوريا وكل من يعادي نظام الأسد. أما روسيا فهي حليفة الأسد.

قبل أن تتطور تلك الأحداث، ستكون الصين قد حازت على علاقات حميمة مع السعودية، فهي تخطو بخطوات واسعة إلى هذه الناحية. وبما أن روسيا والصين يعملان عن قرب معاً، فإن العلاقات الصينية السعودية ستقرّب ما بين روسيا والسعودية.

إن الكثير من الأمور تعتمد على تحوّل السعودية عن نظام البترودولار، ولكن في الوقت الحالي، سيكون من الصالح السعودي أن يلعب على الحبلين في آني واحد، الحبل الأمريكي من جهة والحبل الصيني الروسي من جهة أخرى. وبدل ان تقف السعودية إلى جانب الولايات المتحدة أو القفز من عربتها، فإنها ستسلك الطريق الوسطي، وهو الطريق الذي سيعطي بوتن الثغرة التي ينتظرها.

ما يزال الموضوع مفتوح للتخمين، ولكن في نقطة زمنية ما قد يقرر السعوديون على أمرين اثنين:


  • الأول، ما لم تتعامل الولايات المتحدة بطريقة أكثر شدّة مع إيران وسوريا، فستعتبرها قد أخلفت بالوعود على إبقاء المملكة آمنة، وعليه فإنها لن تجد أي سبب يلزمها أن تبقى في اتفاقية البترودلار المعقودة في عام 1973
  • الثاني، أن استخدام الدولار الأمريكي في كل صفقة لهو أمر في غاية السخف، وهو كلفة لا ضرورة منها، خصوصاً عند التعامل مع الصينيين.


ولو تجذرت هذه الأفكار، وطرحت روسيا من نفسها كحامٍ جدير ومأمون، فإن السعوديون سيرمون الدولار في سلة المهملات وسيحقق بوتن غايته.

الفصل الثاني عشر: أمريكا ما بعد البترودولار عودة للعناوين


هذا الفصل هو ذروة القصة التي وعدت بقصها في بداية "الحرب الأبرد – The Colder War". وهي تصف التسونامي المالي الذي يتجه نحوه الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، وكيف أن مناورات فلاديمير بوتين، قزم روسيا المولّد للزلازل سيخرّب حياتك [أيها المواطن الأمريكي].

إنّ ما قرأته لحد الآن، هو ما يفهمه بعض المسؤولين في واشنطون، لكنّهم لا يريدون الإقرار به على الملأ. إن بوتن وحلفاءه سيبدأون مشروعهم لتخريب نظام البترودولار. وأنت تعلم بذلك الآن، وتعلم ما يحيطه من أهمية كبرى. ومن المؤكد أن شيئاً كهذا وشيك الوقوع – وليس هناك أي تساؤل حيال الـ "إذا" ما كان سوف يقع، بل التساؤل هو حيال الـ"متى" سوف يقع. لذا فإن السؤال الحرج هو: كيف ستتكشّف كل تلك الأحداث على أرض الواقع؟

عندما تنتهي حقبة البترودولار، هل ستحدث بضربة قاصمة أم بأنين بطيء خافت؟

إن التاريخ لا يقدم لنا الشيء الكثير بهذا الخصوص. فانحسار الجنيه البريطاني، كما رأينا في الفصل السابق، استغرق 30 سنة وحربين عالميتين؛ أما انهيار الامبراطورية فقد لزم أكثر من ذلك. فهل ينتظر الولايات المتحدة شيء مشابه؟ ربما، ولكن هناك عوامل ثلاثة تتجادل لإقناعنا بأن فناء الدولار سيكون ولو بحد نسبي مفاجئ ومقلق.

أولاً، كانت بريطانيا في أيام عزها تحكم عالماً شديد الاختلاف. وكثير من مراكز الاكتضاض السكاني كانت تعيش في عصور ظلامية اقتصاديا إلى حد بعيد، وكانت ولا تشكل أي تهديد اقتصادي للهيمنة البريطانية. أما اليوم فإن هناك العديد من مراكز القوى المالية –مثل روسيا والصين والبرازيل– وهي تتمع بمؤهلات لبناء أنظمة مالية غير دولارية ضخمة في الحجم وقادرة على استقطاب مشاركة عالمية واسعة فيها.

ثانياً، إن القدرات الحوسبية المنشرة في كل مكان، سيسهل من عملية هجر الدولار. ففي زمان القلم ودفتر الأستاذ، فإن الوقوف على الحسابات المتعددة العملات لم تكن من الأمور الممكنة إلا لأكثر الشركات اقتداراً. أما اليوم، والفضل عائد إلى التقنيات الحديثة في معالجة البيانات، فإن الإمكانية متاحة لأي شركة تريد أن تملك حسابات مصرفية متعددة العملات وتدير نظاماً محاسبياً متعدد العملات في دفاترها الإلكترونية. وعليه فإن الحاجة إلى عملة احتياطية تعمل كوسيلة مالية وسيطة للشركات الدولية لم تعد من الأمور الملحة. وسيكون توديع الدولار وداعاً نهائياً أسهل بكثير من توديع الجنيه البريطاني بمراحل كثيرة.

ثالثاً، إن حجم الأصول التي سيُتنكّر لها ستكون بكميات غير مسبوقة. فالبريطانيون، لأنهم ألزموا أنفسهم على  تعويض الجنيه ذهباً فإنهم لم يغامروا بعشر معشار الغلو في الإسراف والتبذير الذي ذهبت إليه الولايات المتحدة في الإساءة لدولارهم ولموقعهم كمصدّر لعملة الاحتياطي النقدي العالمي.

لقد فرّت الولايات المتحدة من المعيار الذهبي في عام 1971، عندما قام الرئيس نيكسون بـ"إغلاق النافذة الذهبية". ومنذ ذلك الحين، صار تصدير الدولار والمديونيات ذات الأساس الدولاري هي الصناعة الرائجة الأكثر نمواً للولايات المتحدة. ولم يكن ذلك حال الجنيه البريطاني أبداً، لذا فإن الأصول ذات الأساس الدولاري التي سيحركها الأجانب غير الأمريكان ناحيتهم ستكون أكبر حجماً وستتحرك كما تتحرك الانزلاقات الأرضية.

التراخي

إن الموقع النسبي للاقتصاد الأمريكي في عالم اليوم، ما فتئ يتراجع على مدى بضعة العقود المنصرمة، فيما تعاقبت الدول لتعانق الحداثة وتلحق بركب الدول المتقدمة  من الناحية الاقتصادية. ولم تعد الولايات المتحدة تلك البقرة ذات الضرع الحلوب التي تتوسط عالماً منهاراً، كما كانت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. حينها، كانت معظم سيارات عام 1946 تصنّع في الولايات المتحدة. أما في عام 2013، فلم يحسب لها سوى 12 بالمئة من الإجمالي العالمي في صناعة السيارات.

وعلى صعيد مقابل، فإن الولايات المتحدة في المجمل الأعم ما تزال القوة العسكرية الأعتى في العالم وستستمر على ذلك لسنوات كثيرة قادمة. وبإمكانها أن تمطر الجحيم على أي بقعة من بقاع الأرض، وأي تهديد بذلك على أي دولة "مزعجة" كفيل أن يرهبها ما لم تكن مستعدة للمواجهة بأسلحة نووية. ومن الجلي الواضح أن الولايات المتحدة تفضل امتلاك هذه القوة بدل التحوّل إلى الطرف المغلوب. لكن ذلك لا يتأتى إلا مع سلبيات عديدة، تعود بالكثير من الضرر على دولارها.

فأولاً، نذكر الكلفة. في عام 2013، أنفقت الولايات المتحدة 643 مليار دولار على قوتها العسكرية – وهو يفوق ثلث إجمالي الإنفاق العسكري العالمي وأقل بقليل من 20% من إجمالي الإنفاقات الفدرالية للولايات المتحدة.

ولم تعد الولايات المتحدة تتحمل هذه التكاليف. فلكل دولار قامت واشنطون بإنفاقه كانت 46 سنتاً منه هو مال مقترض. حتى لو لم تكن روسيا والصين تهلل فرحاً لموت الدولار، وحتى لو تلهّى بوتن في حياكة الصوف في داره، فإن النهر الجارف للمستحقات المترتبة على الولايات المتحدة في المحافظ الاستثمارية الأجنبية ستغرق الدولار في نهاية المطاف. لذا فإن ميزانية الولايات المتحدة المهولة المخصصة للإنفاق العسكري والمسؤولة عن نصف عجز الموازنة الأمريكية تقريباً، تعمل على ترخية بأس الدولار لصالح المهاجمين عليه.

ثانياً، إن أي دولة لا تحب أن يُتحرش بها. وامتلاك قوة ساحقة قد تأتي ببعض المزايا، ولكن ما من شيء يمكن أن يسلّم القوة المفرطة من الاستياء العام نحوه إلا أخلاقيات الأتقياء والقديسين الضابطة لكل زلة وكل خطأ. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذه الأخلاقيات الرفيعة لم تكن ضمن الأجندة المعمول بها. وفي هذه المرحلة، فإن العالم مليء بالاستياء والسخط تجاه الولايات المتحدة، سواء كان هذا الاستياء مبرر أم لا. وفيما تتراجع الحاجة للدولار كعملة احتياطية، فإن المستاء سيجد أن التخلص من الدولار أمر يمكن أن يوافق عليه بسهولة، وهذا ليس إلا سلوك طبيعي خصوصاً إن كان سيعود بالرضا على صاحبه وإن نبّ عن عدوانية ساكنة.

العملية

ستكون عملية هجر الدولار على مسارين، وكلا المسارين سوف يقود الولايات المتحدة إلى الورطة التي لا مفر منها. وأحد المسارين هو للدولار نفسه. والآخر هو لسندات الخزينة والمديونيات الأخرى ذات الأساس الدولاري. وسواء كانت ستحدث العملية بسرعة أو ببطء فإليك الوصف الذي ستحدث فيه العملية.

إن الأجانب يملكون أكثر من 600 مليار دولار من العملة النقدية في أيديهم (قطع ورقية من فئة 100 دولار) وأكثر من تريليون دولار كودائع جارية في البنوك الأمريكية – أي ما يساوي تقريباً 35 بالمئة و65 بالمئة حسب التسلسل المذكور للنوعين. وعندما يقررون أنهم لن يعودوا بحاجة إليها لأن أغلب العملات الأخرى تخدمهم بنفس الكفاءة في التجارة الدولية، فإنهم سيرمون بالحمولات الزائدة عبر بيع الدولارات مقابل العملات الأخرى.

والنتيجة المباشرة هو انخفاض في قيمة الدولار في سوق العملات الأجنبية؛ أي أن الدولار لن يشتري القدر نفسه من الروبلات أو الإيوانات أو الريالات البرازيلية، أو أي وحدة من العملات الأخرى التي كان يشتريها في سابق عهده، وهو ما سيُترجم إلى أسعار أعلى في البضائع المستوردة إلى الولايات المتحدة. وكل تلك البضائع التي تُستورد من الصين وتستطيع شراءها من متجر وولمارت لن تعود بنفس السعر الزهيد، ولن تجد السيارات الألمانية كما عهدتها ولا السيارات الكورية، ولا القهوة المستوردة من أمريكا الجنوبية، ولا الكاكاو من أفريقيا، ولا القمصان المصنعة في العشرات من الدول الفقيرة التي تتوق لرائحة الدولار اليوم. وبكلمات أخرى، فإن أبكر النتائج المترتبة من عالم يخطو بعيداً عن العملة الأمريكية هي التضخم في أسعار البضائع في الولايات المتحدة.

وهناك توجّه آخر منفصل عما ذُكر سيتشكل في مجمل القوى الاقتصادية ليغذي التضخم. إن الدولار الذي يصرّفه الأجانب سيجد طريقه السريع إلى محافظ الأفراد والشركات في الولايات المتحدة – فلن يجد الدولار مآل آخر يذهب إليه. وسيشكل كل النقد الإضافي الذي يغرق البلاد داعماً لعملية التضخم الذي بدأت أصلاً.

يملك الأجانب أكثر من 5 تريليون دولار كصكوك أمانات في الخزينة الأمريكية وضمانات بنكية لودائعهم، وهو 47 بالمئة من إجمالي صكوك الخزينة الأمريكية. وبينما تذوي مكانة الدولار كعملة احتياط، فإن الدوافع الكامنة خلف امتلاك تلك الأمانات ستذوي أيضاً. وستضطر الخزينة الأمريكية والبنوك التجارية في الولايات المتحدة أن تقدّم عوائد أعلى لإقناع الأجانب أن يتركوا استثماراتهم لحين بلوغ مواعيد الاستحقاق، ما سيرفع من معدلات الفائدة عبر أسواق القروض في كل الولايات المتحدة. عندها ستهوي أسعار السندات الحكومية المسعرة بأساس دولاري.

وعندها، فإن المسارين – أثر تصريف الدولارات وأثر تناقص الطلب على منتجات الدين ذات الأساس الدولاري -  سيندمجان. والمعدلات الأعلى في التضخم ستعمل كمرحلة ثانية لرفع معدلات الفائدة، فيما يصرّ المدخرون والمقرضون على تعويضات مقابل ما استنزفت منها قدراتهم الشرائية.

وبالنسبة لمعظم الأمريكيين، فإن تلك الفترة ستعني فترة ركود أو تراجع في مستوى المعيشة. وستصبح البضائع المستوردة أعلى ثمناً، كما سترتفع أثمان الاقتراض لشراء منزل جديد أو أي شيء آخر. وسيكون درساً صعباً مفاده أن الغد لن يكون بالضرورة أفضل من اليوم.

وبالنسبة للحكومة الأمريكية، فإن ذلك سيعني لها أن تتعلّم كيف تحيا في المجتمع الدولي وتقترض من سوق المال الدولي حالها كحال أي عضو آخر. ولن يكون من خياراتها المتاحة ترك معدل الدين العام ينمو بأسرع من نمو الاقتصاد. وسيضطر السياسيون أخيراً إلى التخيّر الحذر في ما يُصرف عليه وما لا يُصرف عليه.

على المسار السريع

بالنسبة لأغلب الأمريكيين فإن تلك الأزمان المنظورة لن تكون أزمان هانئة. أما مسألة مآل هيمنة الدولار إلى كساد عام وتحوله إلى تجربة مريرة لملايين الناس، فإنه يعتمد على سرعة العملية ومفاجأتها.

فما الذي سيحدث لو كان انهيار نظام البترودولار انهياراً سريعاً، على مدى سنة أو سنتين بدل أن يذوي تدريجياً؟ إن هذا هو السيناريو الأكثر سوداوية في الحرب الأبرد– سيناريو الفراراً الجماعي المفاجئ من الدولار، لا الانسحاب التدريجي منه. وكما أنك تتمنى ألّا يحصل ذلك، فيجب أن تكون واقعياً ولا تفترض أنه لن يحدث أبداً.

إن السنوات الستة الماضية التي شهدت معدلات فائدة بخسة جداً رفعت من أسعار السندات أكثر فأكثر. والهروب من الدولار قد يرجع معدلات الفائدة إلى أسعارها العالية التي وصلتها في عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات على أقل تقدير (حين وصلت معدلات الفائدة على سندات الخزينة ذات أجل الـ30 عاماً إلى حاجز 15 بالمئة) وستخفض من أسعار السندات الموجودة بمقدار 35 بالمئة إلى 55 بالمئة. وسيلحق الضرر البالغ بأصحاب القروض العقارية ذات معدلات الفائدة العائمة. أما أسواق المال فستكون النتائج عليها أكثر عنفاً وكارثية.

وبإمكان الإحتياطي الفدرالي أن يرجئ من العملية قليلاً عن طريق طباعة المزيد من الترليونات من العملة الورقية لشراء السندات التي تخلّص منها الأجانب للتوّ. لكن المتخلصين من السندات سيستخدمون النقود المطبوعة حديثاً لشراء عملة أكثر فائدة، ما سيخفض من القيمة الصرفية للدولار أكثر، ما سيرفع من قيمة البضائع المستوردة أكثر للمستهلك الأمريكي، ما سيزيد التضخم سوءً على سوء. وفيما تبحث الدولارات الجديدة غير المرغوب فيها عن طريق للعودة إلى الولايات المتحدة، فإنها ستكون قوّة إضافية لرفع معدل التضخم.

إن النمو المطّرد في معلات الفائدة سيكون لها عواقب رهيبة عبر الاقتصاد الأمريكي كلّه.

وستكون البنوك الأمريكية في ورطة عميقة. والانخفاض في قيمة السندات التي يملكونها والفارق بين العوائد على القروض القديمة ومعدلات الفائدة المرتفعة التي سيضطرون لدفعها للمحافظة على الودائع ستدفع للكثير من المؤسسات المالية نحو الإفلاس. أما صندوق التأمين التابع لشركة التأمين على الودائع الفدرالية (Federal Deposit Insurance Corporation - FDIC) فلن يكون كافياً حتى لشراء شريط طبي لاصق لمعالجة الخدوش الناجمة عن هذه الطامة الكبرى. ولن تستطيع الاعتماد على الاحتياطي الفدرالي لإنقاذ الموقف إلا بقدر اعتمادك عليه لطباعة المزيد من النقود – التي لن تصلح لشيء إلا لتغذية نار التضخم الذي سيكسر حاجز عقد السبعينيات. عندها ستكون معدلات التضخم السنوية تقارب الـ 20 بالمئة.

ويمكن أن يشهد النظام المالي شيئاً أسوأ من ذلك. إن سلسلة ورود الأقحوان المتمثلة بالمشتقات الاستثمارية، تلك السلسلة التي تدخل ثم تخرج مراراً عبر أكبر بنوك العالم وشركات التأمين وبيوت الوساطة ومحافظ التحوّط ستتفكك بالكامل، لتخلّف وراءها نتائج قيامية [نسبة إلى يوم القيامة]، كما هو مشروح في جزئية "القنبلة القابعة في قبوك".

إن الملاذ الأخير للحكومة الأمريكية هو أن تعلن الإفلاس والعجز عن أداء كل الديون للمستثمرين الأجانب، الأمر الذي سيشهدنا على أكثر الأيام عجباً في تاريخ أسواق المال العالمية. ولن يجدي لوصف ذلك اليوم أي كلمة إلا الهلع، والفوضى ويوم المحشر. إلا أن هناك حلاً قد يصاحب تعثر وإفلاس الحكومة الأمريكية، وهو ظهورها على المستثمرين الأجانب بكامل حلّتها وتبرّجها بقرار فرض نسبة عالية من الضريبة الممسوكة على أرباحهم المستحقة، وهو من الحلول الممكنة. فهناك عدد من الدول التي انسلّت من الدين العام الذي لم تستطع الإيفاء به، وتمكنت من الخروج من الوادي السحيق من بين أكوام الحطام الناتج من الانهيارات الكبيرة، رغم أن ذلك لم يحدث من قبل على مستوى من التعثر، كالذي سيحصل مع تعثر الحكومة الأمريكية.

ومن الأرجح أن تسطو الحكومة الأمريكية على حسابات التقاعد الفردي بنوعيها 7 عبر مطالبة أصحابها بأن يودعوا حد أدنى من نسبتها في الخزينة العامة – بذريعة حماية الملاك بالطبع.

سيتسبب ارتفاع نسب الفائدة إلى عرقلة الاقتصاد. ولن يكون ضرره على قطاع بناء المنازل وحسب، بل سيثني أي عزيمة موجودة في الناس لاقتراض المال. وستنخفض أعداد الشركات البادئة بالعمل، كما ستنخفض التوسعات الاستثمارية بين الشركات الموجودة كماً وكيفاً. وستنخفض معدلات الصرف بين المستهلكين الخائفين،  وستصل البطالة إلى مستويات لا مسبوقة إلا في فترات الكساد العام الحادّ.

وفي أحسن الأحوال ستنتشر ظاهرة الكساد التضخمي، وهي حالة استثنائية للاقتصاد تكون فيها البطالة عالية جداً والنمو الاقتصادي سلحفائي أو سلبي، ومعدلات التضخم مرتفعة جداً. وستؤدي الأسعار المرتفعة للأساسيات وانخفاض الأجور إلى اضمحلال الطبقة المتوسطة وانحطاطهم إلى طبقة كادحة، وستدفع بذوي الدخل المحدود إلى دون خط الفقر.

وستُجبر حكومة الولايات المتحدة إلى تخفيض المصروفات تخفيضاً حاداً. ولن تكون قادرة على اقتراض 46 بالمئة مما تصرفه. أو على الأقل لن تستطيع الاقتراض بهذه الوتيرة لفترة طويلة، لأن الاقتراض بهذه النسب من الفائدة ستكون هدّامة بسرعة. وتخفيض المصروفات سيعني تراجع كبير في الإنفاق العسكري، ما سيعني تراجع في الخدمات والمعونات التي اعتادت عليها شريحة عريضة من المواطينين.

والمواطنون الأمريكيون الذين يعيشون على سخاء الحكومة سيتعرضون لضربة قاسية، وسينضم لهم الملايين من العاطلين عن العمل. وعندما تتضخم حشود المستائين، فبإمكان الأمور أن تسوء بطريقة حادة وبسرعة أحدّ، ويمكن لكل تلك الجلبة وذلك الصخب أن يحوّل الشارع إلى العنف. وسيتذكر الجميع حركة "احتلوا وول ستريت" على سلميتهم وحسن أدبهم. وستدخل نوبات الأحكام العرفية إلى عالم الممكنات.

ولن تتوقف التجارة الدولية لكنها ستجد العملات البديلة. فالروبل والإيوان هما المرشحان الأوّليان. وأنا متأكد أن ليالي فلاديمير مليئة بالأحلام عن عالم يكون فيه الروبل العملة الاحتياطية العالمية الجديدة، إلا أنه لا توجد ضمانات تؤكد بتفرد عملة واحدة مكان الدولار.

واحتمال آخر هو أن يسترجع الذهب مكانته التاريخية في التجارة الدولية. وقد مضت روسيا والصين والهند في شراء المزيد من الذهب عبر العقود الماضية، وستكون جاهزة لمثل هذا التطور. وفي الواقع، لعل هذا هو المنحى الذي يتوجه نحوه بوتن، بما أن روسيا الآن تتصدر ثالث أعلى دولة إنتاجاً للذهب، وبوتيرة إنتاج متصاعدة. وقد تقدمت روسيا باقتراح استعمال روبل ذهبي من قبل.

القنبلة القابعة في قبوك

إن من أبسط المشتقات الاستثمارية هي العقد المالي الذي يشتق قيمته من مؤشّر أداء عقد آخر، أو يشتق قيمته من مؤشر أداء الأصول المخبوءة فيه – مثل أي سهم أو  إصدار سندي أو سلة محددة من الأسهم والسندات، أو معدلات فائدة، أو أي مؤشر مالي آخر. وبعض المشتقات أكثر تعقيداً ؛ فقيمتها تعتمد على ما إن كانت الأصول المخبوءة فيها فاقت معياراً ما أو لم تفقه. وتأتي بعض المشتقات معكوسة؛ أي أن قيمتها تزيد عندما تنخفض الأصول المخبوءة فيها.

تخيل مختبر يعمل فيه عالم أحياء مخبول يقوم ببتر أعضاء حيوانات من أجناس مختلفة ثم يقوم بتجميعها بطرق جديدة مبتدعة. يمكن لعالم المشتقات أن تصل إلى غرابة هذا المثال الشائه والغريب. بل يمكن له أن يفوق غرابة مثالنا. ويمكن للأصول المخبوءة تحت المشتق الاستثماري أن يكون مشتقاً استثمارياً آخر يحوي داخله مزيج من المشتقات والأصول. وهذه السلسة يمكن أن تكون طويلة ومعقدة، ويمكن لشبيكة من المطالبات والالتزامات أن تأتي من ناحية  جهات بنكية ومؤسسات مالية عديدة.

إن الرياضيات المستخدمة بالعادة في حساب قيمة المشتقات وحساب مستويات المخاطر التي تقدّر سلوكيات الأصول والمؤشرات المالية المستبطنة داخل مشتق ما، لن تحيد بعيداً عن الطبيعي. وغالباً ما تعمل هذه الفرضية بشكل جيد. ولكن ما إن يحدث خلل شاذ، مثل أن يرفض العالم استعمال عملة احتياط كان يقبلها بالأمس، فإن الجواب الذي ستحصل عليه من رياضيات المشتقات لتقدير مخاطرها هي في شكل "علامات استفهام كبرى".

وستكون النتائج المتمخضة عنها أسوأ من موجات كارثية لخسائر البنوك وشركات التأمين. إذ ستكون كوارث بلا نور في نهاية النفق، لأن تعقيد المشتقات المتراتبة سيمنع أي مستثمر يساهم في مشتق ما، من حساب خسائره بسرعة وعلى نحو فردي. وسيحال كل المساهمين في مجموعة من المشتقات (بما في ذلك البنوك التي تبقي فيها أموالك) إلى الإفلاس، وسيفلس أغلبهم بحق.

واعتماداً على من يقوم بالتقييم، فإن القيمة النظرية المتوقعة لكل المشتقات المتداولة هذا اليوم هي 600 تريليون دولار. وفي حال انهيار الدولار، فإن ذلك سيخلف حالة اضطراب وتشويش كاملة. وخلال الأزمة المالية التي بدأت في 2008-2009، استذوقت الأسواق عينات من تلك الاضطرابات. ولو تحصّل لديناً انهيار سريع للدولار فستحضى الأسواق بولائم دسمة من الاضطراب والتشويش.

في عامي 2008 و 2009، تبخرت الثقة بين الناس. فرفضت البنوك الإقراض للبنوك الأخرى لأن أحداً لم يعرف ما هي قيمة الأضرار المتحصّلة عند الآخر. وتوقف النظام المالي بشكل كامل، واقتربنا اقتراباً لصيقاً للتعرف على ما يمكن أن يخلفه انهيار الدولار التام.

سيكون الاحتمال مفتوحاً للبنوك أن تنهار، ولبيوت الوساطة أن تهوي، ولمؤسسات الإقراض أن تجف، وسيتعثر المدينون بالجملة، وسيشهد المستثمرون الأفراد على حساباتهم وهي تحصد حصد السنابل، وسيرى المدّخرون كيف تتبخر مدّخرات حياتهم. وسيدخل العالم في دورات متعاظمة من الكساد.

ولا يوجد أي شيء في تاريخ المال ما يشبه هذا الحدث.

المخرج الأخير

لا يوجد شيء مما ذكرناه لحد الآن حتمي المآل. وفي الحقيقة، فإن الوصفة التي ينبغي للولايات المتحدة أن تأخذ بها، ليست معقدة بتاتاً. وحسبها ما يلي:

  • إيقاف المصاريف الحكومية الجامحة. فلو حُدّ النمو في الديون الحكومة تحت معدل النمو الاقتصادي، فإن قابلية الدولار على التماسك أمام أي هجوم سيكون أقوى بكثير.
  • التوقف عن قبول العروض للمشاركة في الصراعات مهما كانت وحيثما كانت. وهذا سيسمح للدولة التي يحميها محيطان لأن تقلل من نفقاتها العسكرية وتبقى رغم ذلك آمنة.
  • إيقاف كل شيء – وخصوصاً الإعفاءات الضريبية والمنح – التي تشجع الناس أن لا يعملون، وأن لا ينتجون وأن لا يدّخرون.
  • إيقاف القرارات التنظيمية ذات الأسس الخرافية التي تعترض تطوير مصادر الطاقة المحلية. 

إن الحل ما يزال في متناول اليد. وهو حل في غاية البساطة لكنه حل قاس ومتوحش. واحكم أنت بنفسك من قابلية تطبيقه.

ما يمكنك عمله أنت

بينما ينتظر الناس القرارات الرسمية الفطنة والسديدة في رأيها والبعيدة في نظرتها اتنتزع فتيل المشكلة أن من أساسها، فما الذي يمكن للأمريكي العادي أن يفعله ليحمي نفسه من مخاطر الضربة الموجهة نحو الدولار؟


  • الخطوة الأول: إن الخطورة الوحيدة الأكثر فائدة هي خطوة بسيطة للغاية، قايض بعض من دولاراتك بالعملة الطبيعية المصممة للطبيعة البشرية، ألا وهي الذهب. وبإمكانك حيازة قروش ذهبية مثل قطع النسر الذهبية التي تصدرها دار السك الأمريكية أو أوراق القيقب الكندية أو قطع الكروغرند الجنوب أفريقية. والأفضل أن تحوز على الثلاثة مجتعة، ولكن يجب أن تبقيها في أماكن آمنة جداً تسمح لك الوصول إليها عندما تحتاجها. ومن حسن التدبار أن تقتني بعض الفضة اقتناءً مادياً.
  • الخطوة الثانية: إفتح حساباً في مصرف غير أمريكي، لكي يسهل عليك أن تملك بعض المال بعملة أجنبية، ويفضل أن يكون في مكان تفضل أن تقضي فيه بعض الوقت.


وبتأمين حالك بمصادر متنوعة من السيولة، فإن بإمكانك الاعتماد على حسن تدبارك لأن تنتفع من الفوضى التي يحتمل أن تحل عندما ينحّى الدولار عن عرشه. وسيصاحب ذلك الحدث، بوتنة الثروات الطبيعية العالمية، وهو انزياح اقتصادي تاريخي سيكون كارثي على من لم يستعد له ولكنه سيجعل من بعض الناس أغنياء.

فأين نبدأ؟

ليس هناك فرصة ربحية أفضل من المضاربة في شركات الثروات الطبيعية الصغرى في البورصات العامة. إن أسهم الشركات الصغرى للنفط والغاز واليورانيوم وسائر الثروات الطبيعية هي أسهم سريعة التقلب. والاستثمار فيها باستهتار قد يكون مدمراً لصحتك الاستثمارية. ولكن ما إن تحقق هذه الأسهم إنجازات عملية فإنها لا ترتفع 10 أو 20 بالمئة، بل تتضاعف 10 أو 20 مرة – وفي بعض الأحيان أكثر من ذلك.

لقد غيّرتْ الأرباح التي جنيتُها من شركات الصغرى العاملة في مجال الثروات الطبيعية حياتي. وخطط السيد بوتن ذات المدى البعيد قد تمنحك الفرصة لخوض تجربة مشابهة.

إن أهم عنصر لتحقيق الفوز الكبير مع شركات الثروات الطبيعية الصغرى هو أن تراهن على الأشخاص المناسبين. ولا يتعيّن عليك أن تكون جيولوجياً أو مهندساً أو حامل ماجستير أعمال لتحديدهم.

عليك أن تركز استثماراتك في الفرق الإدارية المناسبة والصحيحة، أولائك الأشخاص الذين يتمتعون بالخبرة والمعرفة التي ترشدهم كيف يلعبون أوراقهم في سبيل النجاح. ويعرفون كيف يبحرون عبر المضائق المائيه الوعرة التي تدمر الكثير من الشركات الصغرى. ومن غير القدرة على اتخاذ القرارات بدهاء وحكمة، فإن المشاكل الناجمة من البيئة المحيطة وقوانينها التنظيمية قد تدمر تطوير أفضل المكامن المعدنية أو النفطية، والإخفاق في تدبير رأس المال المناسب في كل خطوة من خطوات تأسيس قطعة فضاء إلى منجم منتج أو حقل نابع قد يوقف أكثر المشاريع قابلية للنجاح.

هناك مقولة مأثورة في قطاع استثمار الموارد الطبيعية الناشئة: "إن الإدارة العادية ستفسد أفضل الصخور في أفضل الأماكن، وأفضل الفرق الإدارية ستعثر على أفضل الصخور في أفضل الأماكن".

تطبيق التقنيات الحديثة على الحقول القديمة

إن من أكبر الفرص المتاحة اليوم هو تطبيق التقنيات الحديثة على حقول النفط والغاز والمناجم التي كانت تنتج في السابق. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، عند دمج التنقيب الأفقي مع التصديع الهيدرولي، صار بالإمكان استخلاص مكامن جديدة من الغاز والنفط، كان يعرف بوجودها ولكنها لم تكن ذات جدوى اقتصادية – مثل تشكيلات السحّيل في بارنت وباكن 8 .

وفيما ينشغل بوتن بمشاريع الطاقة في آسيا الجديدة، فإن الفرق الإدارية الذكية والحاذقة ستجدد حقول النفط والغاز الساكنة في أوروبا، تلك التي كانت تنتج قبل أن يُنقب عن النفط والغاز في الولايات المتحدة. وسيطبقون التقنيات الحديثة، مثل التنقيب الأفقي، لاستخلاص الهيدروكربونات التي ما زالت تنتظر والتي يتوق لشرائها المستهلك الأوروبي.

عبر هذا الكتاب، رأينا كيف يهيّء فلاديمير بوتن روسيا للتحكم برقعة شطرنج الموارد الطبيعية العالمية. وستجنى الثروات الهائلة من قبل المستثمرين الذين سيضعون ثقلهم في الشركات التي ستكون بيدقاً فاعلاً في تلك الرقعة، وبعض هذه البيادق ستكون الملاذ الآمن لأوروبا الغربية لإيجاد مصادر بديلة للطاقة الروسية.

فتوقعوا، كما أتوقع، المزيد من الصراعات ما بين روسيا والغرب. وتوقعوا، معي، الصراع الذي سيجعل من إمكانية الوصول إلى الطاقة وسائر الموارد الطبيعية أكثر قيمة من القيمة التي نعتبرها اليوم. إن فهم هذه الحقيقة هي المدخل المفتاحي للانتفاع من رؤية بوتن.

وآمل أن تستثمروها لصالحكم.


خاتمة عودة للعناوين

حتى وأنا أجهز ختم المظروف الذي سيحمل مخطوطة الحرب الأبرد – The Colder War إلى الناشر، فإن الأحداث العالمية تستمر بالتأثير على قصتي، وأنا هنا سأجمل آخر الأحداث المؤثرة، مع ملاحظة أن الأحداث المستجدة لن تتوقف، لذا فإني سأضيف آخر ما يستجد من أحداث في الموقع www.caseyresearch.com/colderwar .

في 17 يوليو 2014، تعرضت الرحلة MH17 المتوجهة من أمستردام إلى كوالا لمبور إلى إسقاط في السماء الشرقية لمدينة دونتسك في أوكرانيا في نقطة تبعد 50 كيلومتر عن الحدود الروسية. والنتيجة هو مقتل 298 شخص، والسبب الذي يتضح لنا هو أن الانفصاليين الموالين لروسيا قد حازوا على صاروخ موجه من طراز SA-11 واشتبهوا بالطائرة التجارية أنها طائرة أوكرانية عسكرية. وتنفي روسيا أي مسؤولية وتتهم أوكرانيا. بينما تنفي أوكرانيا أي مسؤولية وتتهم روسيا.

وقد استجاب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الحادث بالمزيد من العقوبات ضد روسيا. لكن الإجراء الجديد هذا، كسائر الإجراءات السابقة، ذو حدّين. وقد انخفضت قيمة الروبل في التعاملات بمقدار 10 بالمئة – وهي أخبار سيئة بالنسبة للمستهلك الروسي والشركات الروسية التي اقترضت بالعملة الأجنبية، لكنها النعيم الموعود لمصدري الغاز الطبيعي والنفط واليورانيوم وأي صادرات منتَجة محلياً في روسيا.

وما برحت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) توسع دائرة تحكمها الهمجي على كثير من أجزاء العراق. وقد أدّى قرار الرئيس أوباما بإخلاء البلاد من جنوده إلى فراغ في القوة جاءت داعش لتحتله مستخدمة السلاح والمؤن العسكرية التي خلفها التدخل العسكري الأمريكي السابق. وقد بدأت الولايات المتحدة تواً في الرد على هذه التطورات بقلق إزاء التهديد الداعشي على كردستان وحقول النفط والقاعدة الأمريكية الأخيرة في العراق.

أما إسرائيل وحماس فهما تتقاتلان في قطاع غزة. والفارق الجدير بالملاحظة بين نزاع عام 2008 ونزاع اليوم هو العدوانية المتزايدة ضد اسرائيل في الإعلام في أوروبا وفي الشبكات الاجتماعية مثل شبكة فيسبوك حتى في الولايات المتحدة. ولعل العالم نسي أو تناسى أن أهداف حماس تتضمن اقتلاع اليهود ليس من فلسطين وحسب، بل من المنطقة ككل.

وإذ تتراكم كل هذه الأحداث على قصتنا، فإنها لا تحرف مجراها. فكل صخرة تقذفها الولايات المتحدة على نافذة من نوافذ روسيا ترتد واثبة على راميها. وكل عقوبة موجهة لروسيا من الولايات المتحدة تعتبر فرصة ربحية لشركة أو دولة لا تمانع في التحوّل عن الدولار. وكل خطاب انتقادي من الولايات المتحدة لروسيا يكشف عن عجز شبه كلّي إلا في القدرة على الانتقاد. وكل مسعىً أمريكيٍ عقيم للتحكم بأحداث الشرق الأوسط يكشف عن هشاشة الوعود بالحماية الأمريكية وأنها كلها وعود هزيلة لا تكفي لطمأنة أي حكومة – وخصوصاً إن كانت تلك الحكومة هي المملكة العربية السعودية.

هذه القصة لم تنتهي بعد، ولكني أشكرك أيها القارئ على قراءة الجزء الذي رسمته بقلمي.

عن الكاتب (بتصرف) عودة للعناوين

مارن كاتوسا هو واحد من أكثر الوسطاء شهرة في مجالي صفقات الطاقة وقطاع استكشاف الثروات الطبيعية، وهو مدير لمحافظ استثمارية ناجحة جداً عاملة في هذين المجالين. وإنْ كانت هناك صفقة تُطبخ في مكان ما من العالم فإن هناك احتمال كبير أن تعثر على مارن فيها يتربع وسط جمعها ببال مرتاحٍ بين وجوه مألوفة ونفسية واثقة في الطريقة التي سيلعب بها ورقته التالية.

ومن بين المجالات التي تعد من اختصاصه فهي فحص مناجم ومشاريع الطاقة ومسحها والنزول لميدانها للمعاينة بشكل شخصي مباشر (فقد أشرف على مئات الوفود لمواقع التعدين والاستكشاف). وقد تعامل مارن مع وزراء الطاقة والجنرالات والمتنفذين وأصحاب المليارات في كل أنحاء العالم. كما اعتمر الخوذة الواقية واحتزم بأحزمة الأردية العسكرية ليقف على المشاريع المربحة في روسيا والعراق وأوكرانيا والكويت ومنغوليا وكوسوفو وكولمبيا والكثير من الأماكن التي تزخر بالثروات الطبيعية التي تستوجب أن تقع خلف طوق أمني مشدد إما من قبل القطاعات العسكرية العامة أو قوّات أمنية من القطاع الخاص.

وبعد أن ترك خلفه بروفسوراه الرياضيات في الجامعة، خرج مصطحباً معه نماذجه الرياضية ليطبقها في مجال إدارة المحافظ الاستثمارية. فصارت صناديقة من بين أفضل الصناديق أداءً في مجال الثروات الطبيعية. وقد كانت صناديقه بين أفضل الصناديق الاستثمارية أداء في السنوات الخمسة الماضية في كندا.

وخلال نفس الفترة تغلبت صناديقه على المؤشرات المشابهة ذات العلاقة مثل مؤشر TSX-V، بمقدار 600 بالمئة بعد خصم التكاليف والرسوم.

وهو من أبرز العقول المتحدثة عن المال في المجال الإعلامي. وهو كاتب منتظم في شبكة أخبار الأعمال (BNN) وله الكثير من المقابلات حول العالم، وقد ظهر في شبكة CNBC، وروسيا اليوم، و CBC، وشبكة بلومبرغ، ومجلة فوربز.

وهو المؤسس والمدير العام لثالث أكبر شركة تعدين نحاس في كندا وقد حولها إلى شركة مساهمة بعد مرور أربع سنوات.

ومنذ 2007، يعمل مارن في مركز كاسي للبحوث يحمل لقب رئيس البحوث الاستراتيجية للاستثمار في الطاقة. وهو يصدر رسائل إخبارية دورية في هذا المجال لصالح عملاء المركز، مثبتاً أن تحليلاته دائماً تفوق المعايير والنماذج القياسية في الدقة والمصداقية.


  1. بوتنة: بوتنة الشيء- على وزن سعودة، مصدر للفعل المتخيّل بَوْتَنَ يبوتن بوتنةً. اخترعه الكاتب نسبةً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. من منظور الكاتب حينما يقوم بوتن بنسبة الشيء لنفسه فإنه يبوتنها. متابعة↩
  2. Bank for International Settlements متابعة↩
  3. حد السويس – Suezmax هي السفن التي يكون لها حد أدنى من العرض لعبور قناة السويس. متابعة↩
  4. Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunication (SWIFT): شركة بلجيكية تدير كل الحوالات الالكترونية بين البنوك الدولية. متابعة↩
  5. البمرنغ أو الكيد، قطعة خشب منحنية الشكل تُستعمل كسلاح رمي بدائي أو أداة صيد. عند قذفه بشكل محدد وصحيح فهو يحلق في مسار إهليليجي دائراً حول مركزه ويعود إلى نفس نقطة رميه.[المترجم] متابعة↩
  6. ما يثير الاهتمام أن الولايات المتحدة صرحت أنها ستحتاج إلى مهلة حتى عام 2020 لإتمام تسليم هذه الكمية من الذهب. وهي لحد الآن لم تواكب هذه الوتيرة السلحفائية في تسليم الذهب. ولم تسلم في السنة الأولى سوى خمسة أطنان (وهو أقل من 2 بالمئة)، وهو بالنتيجة يدعو المشككين إلى التساؤل ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك مثل هذه الكمّيات من الذهب. متابعة↩
  7. هناك نوعين من برامج الادخار في الولايات المتحدة (IRAs) و 401(k)s.[المترجم] متابعة↩
  8. Barnett and Bakken متابعة↩

هناك تعليق واحد:

  1. اتمنى ترجمة بقية الفصول خصوصا فصول بوتنة النفط والغاز وما يتعلق بالشرق الاوسط:

    الفصل الثالث: اللعبة العظمى ونهاية الحرب الباردة
    الفصل السابع: بوتنة النفط
    الفصل الثامن: بوتنة الغاز
    الفصل التاسع: بوتنة اليورانيوم
    الفصل العاشر: الشرق الأوسط–النفط والحروب واللعبة العظمى

    وشكرا

    ردحذف

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.