بقلم: المختار بوخمسين
فيلم بين البروج (Interstellar) قصة تدور أحداثه في المستقبل القريب حيث ترتفع فيه نسب الهيدروجين في الهواء بسبب انتشار الأوبئة في النباتات والمحاصيل الزراعية. إنه عالم يحتضر. عالم اهتزت فيه المجتمعات البشرية واختلت فيه الموازين، فجُعل على رأس الأولويات الاقتصادية والبرامج الحكومية الإنتاج الزراعي لإطعام الأعداد المتناقصة من سكان الأرض المتضورة من الجوع، وما من عزاء يسليهم أو يهدئ من روعهم إلا الأمل بالمجهول.
ولكن تحت عباءات السرية والتكتم هناك برنامج يجمع الأموال والأدمغة لإعادة بعث وكالة ناسا الفضائية بعد إغلاقها لعقود طويلة، بهدف استغلال شائهة فلكية طرأت في محيط مدار كوكب زحل قد تنطوي على حل ينقذ الجنس البشري من الانقراض.
لحد الآن لم تأتِ القصة ببدع جديد من بين أفلام الخيال العلمي وغزو الفضاء، فهناك العشرات من الأفلام التي تعرض لعوالم كهذه. إلا أن ما يتميز به هذا الفيلم هو في قوة السرد القصصي وإبداع المحاكاة. أما ما يتفرد به، فهي التجارب النفسية والعقلية التي يعيشها الجمهور في الفيلم ودقائقه المئة والتسعة والستين.
يتدارس الفيلم معنا العديد من المفاهيم الفيزيائية الفلكية. فكلمات مثل النسبية وفيزياء الكم والمتّصَلَات الزمكانية والثقوب السوداء والثقوب الدودية والنقطة الأحادية تصبح كلمات مكررة طوال الفيلم، وكلها مفاهيم حقيقية لها تنظيراتها ومؤيداتها واثباتاتها في العلوم الفيزيائية الفلكية. ولكن ما نسمعه دائماً من علماء الفيزياء والفلك، هو أن التبحّر في مفاهيم الفيزياء والفلك بأي طريقة، صعبة الإمكان دون أن يبحر الإنسان أيضاً في أغوار المجهول من النفس البشرية ومن الأسئلة الوجودية والفلسفية البالغة في التعقيد. ومثل هذه التحيرات والتساؤلات والتجارب العقلية والنفسية هي ما تعطي الفيلم روعته وعمقه وقيمته الفكرية.
إن فهمنا الناجز للوعي والإرادة والعاطفة الإنسانية هو فهم محدود في أحسن الأحوال. والعلوم الحديثة تنجح في توصيف كوننا من الناحية الرياضية بطريقة موضوعية مجردة، لكننا لا نعيش إدراكنا للكون بنفس الطريقة، فلكل إنسان منظوره الإدراكي الذاتي الخاص البعيد عن التجريد الرياضي. ولحد الآن، فإن الوسائل العلمية المتاحة لنا لا تمكننا من ملاحظة هذه الذاتية في الإدراك الإنساني فضلاً عن قياسها وإثباتها، فهذا الحقل ترك ليكون من اختصاصات الفلسفة والفلسفة الدينية على وجه التحديد.
وكما يستثمر الفيلم جهل العلم الحديث المطبق بتفسير الثقوب السوداء والثقوب الدودية وغيرها من نظريات فيزياء الفلك، فإنه يحاول التأمل في إمكانية قياس قوىً كامنة في صميم الإدراكية الإنسانية. فهو يتساءل عن الشيء الذي يحدد ماهية الإنسان. وما هو مصدر الإدراك اللاحسي فينا، وما إذا كان هذا الإدراك يوافق ما تذهب إليه الديانات والرسالات، بأنه إدراك يتسامى عن قوى الزمان والمكان الذي يحبسنا بداخله.
الفيلم بالطبع لا يقدم الإجابات والنتائج الجاهزة لكنه يقدم لنا، انطلاقاً من جهلنا بالظواهر الفلكية وجهلنا بكوامن أنفسنا بأن هناك روابط قوية بين المجهولين غير قابلة للانفكاك وقد تنصهر في كينونة واحدة، ليذكرنا بآية الذكر الحكيم: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.