في خضم الفوضى التي تعييشها أوطاننا
العربية والإسلامية على وقع النتائج الكارثية التي تسببت فيها موجة الربيع العربي
- التي لم تنتج ربيعاً – ومنذ ظهور ما يسمى بحركات الصحوة الإسلامية التي أتت مع
موجة مجاهدي أفغانستان لتكتسح الكثير من الأوطان العربية والإسلامية في
الثمانينيات وما تلاها من اضطرابات عالمية في 11/،9 واختراقات الجماعات الإرهابية
المسلحة لأوطاننا، فقد أصبحت فكرة الدولة القُطْرية العربية اليوم، وأكثر من أي
وقت مضى، أمام تحدًّ وجودي أمام الموجات الصاعقة التي تحدثه الصراعات العبثية بين
القوى العظمى والصغرى. ولا شك أن ما أحدثته هذه الموجات على مفهموم الدولة من
زعزعة أو تدمير أو انهيار كلي -في بعض الأحيان- كان له أبلغ الأثر في حياة الشعوب والأفراد.
ومن الطبيعي أن يصاحب تراجع سلطة الدولة وهويتها العلمانية، تراجع قسري لمؤسساتها
العلمانية المختلفة. فمع انهيار الحكومات وفشل أجهزتها ومؤسساتها، وتراجع وتيرة
أدائها فقد أحدث ذلك فراغاً كبيراً في حياة الناس من غياب في الأمن والقانون
والنظام العام. وقد كان البديل الوحيد في كثير من الدول هو إعادة تفعيل دور
المؤسسات الدينية النافضة عن عباءتها غبار الزمن المتراكم، لتنبثق مجدداً من رحم
المؤسسات التراثية للتصدي للتحديات التي فرضها الواقع لتسد الثغرات المحدثة وتلبي الاحتياجات
العامة للناس.
.مدونة المختار وسى هي مدونة شخصية عامة تحوي بعض المقالات والمقالات المترجمة والمقتطفات من كتب إنجليزية مترجمة.
الأحد، 26 أكتوبر 2014
جدلية الربوبيين والديانات
الربوبيون هم أولائك
الذين يؤمنون بأن الخلق بكله، له خالق مدبر رازق. هذا الخالق هو روح عليا مطلقة عظيمة
لا متناهية في عظمتها، أزلية في قدمها، بل هي عظيمة فوق حساب الوقت فلا وقت، وهي عظيمة
خارج حساب المكان فلا مكان. عندما أرادت هذه الذات العظمى أن تتجلّى، أبدعت هذا الكون
فكان المكان والزمان. لكن هذا الكون بكل عظمته واتساعه لم يكن جديراً بجلال الروح،
فخلقت الظروف المهيأة والمشكّلة للحياة الفطرية. لكنّ جمال هذه الحياة الفطرية لم تكن
جديرة بجمال الروح، فأُذن بخلق الإنسان بحسنه وعظمته، فكان هذا الإنسان بعقله ووعيه
وإرادته هو ما ارتضته الروح الجليلة العظيمة لجلالها وجمالها.
هل من معجزة إلا الإنسان؟
عندما ينظر المرء إلى طبيعة المعجزة التي
ترويها الروايات الدينية عن أشخاص من التاريخ وقعت لهم حوادث ووقائع خارج مألوفنا
وطبيعة عالمنا، فإن العقل يقف متعطلاً عندما يحاول هضم ما يتلقاه من هذه المرويات.
فأين آثار الطوفان الذي اجتاح الأرض؟ وأين أثر انشقاق البحر؟ وكيف أثّر ارتداد الشمس
على فيزياء سير الكواكب السيارة حولها وعلى كيمياء ما وقع على سطحها وعلى بيولوجيا
ما سكن ودبّ على سطح كوكبنا؟
إن القارئ في التاريخ وفي حضارات الشعوب،
يجد أن الأساطير الإعجازية موجودة في كل الأديان وعند كل الشعوب وكل الحضارات.
ومخطئ من يمرّ عليها ويهملها ولا يدرسها ويغوص في أعماقها. فالقارئ الحرفي والسطحي، سرعان ما سيضلّ عن الحق المراد
لو أخذ الأسطورة الإعجازية كما هي وحاول أن يقرأها قراءة حرفية في أحداثها، سطحية
في شخصياتها، لا تمت للواقع المشهود والطبيعة المعاشة بصلة. وينبغي علينا هنا أن
ألتفت إلى أن المراد من كلمة "أسطورة"، هي ليست مسبّة أبداً، ولا أريد أن
أدخل في أصل الكلمة اللغوي أو الاصطلاحي ولا أريد حتى أن أخوض في معناها الإسلامي
أو القرآني، فهنالك بحوث كثيرة بل مدارس رأي انقسمت في طريقة تناول الأسطورة
الإعجازية وقراءتها ودوافع نشوئها والمراد منها. لكني أجد أني أود أن أشرح فهمي أنا
للأسطورة: فالأسطورة هي نص حكائي يتكلم عن حوادث أو شخصيات ما عاشت في حقبة زمنية
معينة، غالباً ما تكون بعيدة جداً، وتكون الأحداث والشخصيات والأفعال والانفعالات مرهونة
بتفسير ظاهرة غامضة أو استخلاص عبرة أو حماية مكون من مكونات الجماعة البشرية
العامة أو الخاصة، أو حفظ جانب قيّم جداً من جوانبها أو شخصيتها أو مُثُلها.
والأسطورة عندئذٍ تتفاوت في قيمتها بتفاوت أهمية القيم أو الأفكار أو المفاهيم
المراد تفسيرها أو حفظها أو استخلاصها أو تخليدها بين مجتمع ما أو بين المجتمعات
البشرية كافة. أما إن خلت الأسطورة مما قد يُحفظ للزمن أو للأجيال فهي تتصاغر
لتكون حدّوثة لهوية لا تصلح إلا لتسلية الأطفال.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)