الأحد، 26 أكتوبر 2014

جدلية الربوبيين والديانات

الربوبيون هم أولائك الذين يؤمنون بأن الخلق بكله، له خالق مدبر رازق. هذا الخالق هو روح عليا مطلقة عظيمة لا متناهية في عظمتها، أزلية في قدمها، بل هي عظيمة فوق حساب الوقت فلا وقت، وهي عظيمة خارج حساب المكان فلا مكان. عندما أرادت هذه الذات العظمى أن تتجلّى، أبدعت هذا الكون فكان المكان والزمان. لكن هذا الكون بكل عظمته واتساعه لم يكن جديراً بجلال الروح، فخلقت الظروف المهيأة والمشكّلة للحياة الفطرية. لكنّ جمال هذه الحياة الفطرية لم تكن جديرة بجمال الروح، فأُذن بخلق الإنسان بحسنه وعظمته، فكان هذا الإنسان بعقله ووعيه وإرادته هو ما ارتضته الروح الجليلة العظيمة لجلالها وجمالها.


بطبيعة الحال فإن الروح هي الله جل وعلا ونحن نعرف أن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.  لكن ضرورة سرد الفكرة تقتضي أن نسرد بمقتضى السرد القصصي باستعمال الأفعال الزمانية وأدوات اللغة التي تخبر عن التوالي في الأحداث. فمشيئة الخلق منه ومن روحه ومن ماهيته جلّ وعلا وتنزه عما نصف ونصوّر. لكنّ واقع وعمل الخلق فهي حكاية أخرى. فالربوبيون لهم قوانينهم في طريقة الخلق حيث أن النظريات تتوالى عن منشأ الخلق، فظهرت نظريات خلق الكون المختلفة وأبرزها حديثاً هي الانفجار العظيم. أما أبرز نظريات خلق الحياة فهي التطوّر الدارويني مع بقاء النظريات عاجزة عجزاً مطبقاً للعلّة الأولى في خلق الكون وخلق الحياة. أما ما تعجز عنه كل النظريات البشرية، فهي سر الوعي الإنساني: تلك اللحظة في الزمان البشري الإنساني التي تفتحت فيها مدارك الإنسان حتى صار واعياً لذاته وقدراته وطاقاته وأفعاله. تلك الهنيهة التي أدرك الإنسان لصحوته وتعاليه على الخصائص الوجودية والحيوانية التي يشترك فيها مع باقي المخلوقات. بل تنبه بلا وعي لخياله، ودون وعي منه صار يستخدم هذا الخيال ليتعالى -transcendance- على الزمان والمكان بقياسهما، فأسس الإنسان الأول لأدوات التاريخ والجغرافيا. وابتكر المراصد الشمسية والفلكية ووضع الخرائط البدائية. وبالخيال ذاته تمكن من خلق التصورات والأفكار الكلية المجردة -Abstraction- عن الأشياء. فصار يبني النماذج ويصنع الأدوات المتخصصة لإعانته على أمور عيشه.... إلخ.

هذا الخلق الذي توّجته الروح العليا العظمى بوجود الإنسان لم تكتفِ بخلق الإنسان عاقلاً واعياً مريداً، فهو ما زال ناقصاً رغم ذلك، ولا يرتقَ للوصول لصورةٍ مخلوقةٍ عن الروح. فما هو ذلك الشيء الذي بقي منقوصاً فيه؟ إنها منظومة الأخلاق التي وجب على هذا الإنسان أن يتحلّى بها لكي يقارب جمال الروح التي تجلّت به. فهو أولاً جُبل على التحلي بهذه الأخلاق وعلى استحسانها. وثانياً فإن سنن عالمه ونواميس معاشه وحياته بُنيت وسُيّرت وفق هذه المنظومة. فهو إلى سعادة ورقي ما تمثّل بهذه الأخلاق التي أخذت من الصفات الجمالية للروح العظمى. فالكرم من الروح أصلاً وفي المخلوق حدثاً، والرحمة كذلك، والحب والصدق والإيثار والتفاني للغير وكل الأخلاق التي أنعمها الخالق على مخلوقه الأجدر بها، والتي أحبها واستحسنها هذا المخلوق فرداً وجماعةً.

إذاً فالخلق والوعي والأخلاق هي مشتركات بين الربوبيين والدينيين. فأين يضع الربوبيون خط نهايتهم وحدود وقوفهم مع الدينيين؟ إنها الشرائع السماوية. الشرائع السماوية بجملتها لا بتفصيلها، وبغض النظر عن مضمونها العبادي أو الإصلاحي أو بجدواها القانوني أو الاقتصادي أو الأخلاقي. المشكلة في الشريعة السماوية بحد ذاتها وبكيفية وصولها. ومن الطبيعي أن يكون هناك رفض لكل ما يستتبع منها لا سيما من أمور العبادات. فلو أقر المشرع المتخصص بفوائد البنود المعاملاتية في أحكام الشرائع فهو لن يقر بفوائد العبادات. ولكي يتسنى لك الاعتراف بشريعة سماوية، يجب أن تقر بوجود اتصال مباشر بين الخلق والخالق عبر وسطاء مخلوقين. ومشكلة الربوبيون هي أنهم يرفضون أي تدخل للروح العظمى بشؤون الخلق إلا وفق النظم والنواميس النموذجية التي خلقها مع خلقه! فمع الشرائع السماوية يجب الاعتقاد بفكرة النبوة وهو ما يفتح مجالاً واسعاً للأسئلة المحيرة التي لا مفر منها. والإشكاليات المحددة التي أود التركيز عليه هنا هي:

1. تهديد حاكمية العقل: خشية الربوبيون من نزع سلطة العقل وحاكميته لو آل الأمر لسلطة الشريعة السماوية.

2. النبوات القومية: إن الأنبياء هم بشر لهم أقوامهم ولهم ثقافاتهم، ومع الإقرار بوجود الأنبياء، يكون هناك اعترافاً وإقراراً ضمنياً بتعدد الشرائع، وعدد الأقوام والشعوب وهو تعدد لا نهائي. فالإشكالية هنا إشكالية تطبّع "الرسالة السماوية" بالطوابع القومية. وهو دعوة تفريق لا توحيد. ومن ناحية أخرى، فهي دعوة لوصاية الأقوام النبوية على الأقوام غير النبوية، أو دعوة استلحاق أو دمج أو إلغاء لهوية عاثري الحظ الذين لم يخرجوا من بينهم أنبياء. وقد حدث ذلك بامتياز عند اليهود.

3. النبوات الإعجازية: إن ظاهرة التواصل بين الخالق والمخلوق تقتضي إحدى مسألتين، فإما أن تتم هذه الصلة بين النبي والإله عن طريق رؤيا أو تتم عن طريق تواصل إعجازي يخرق الظواهر المعتادة. فأبسط الإشكاليات التي يكتنف الرؤيا هو الشك، وعدم إمكان القطع في صدق الرؤيا، بل عدم التمكن من التثبت بأنها ألقيت على صاحبها في الأساس. ولكي يكون مقبولاً مع جمهور النبي فإن ذلك يتطلب تسليماً وإيماناً يوصف بأنه إيمان حاجب لمقررات المنطق والعقل، ليستحيل إلى عقيدة "دوغمائية" إن صح التعبير. أما التواصل الإعجازي فهو خارج النقاش لبساطة تناقضه مع ثابت الربوبيين في عدم تدخل الخالق في شؤون الخلق.

هذه بعض الإشكاليات التي يوردها الربوبي على الأديان السماوية. أرحب بالتفاعل مع هذه الإشكاليات نقداً ودعماً ورداً عليها، كما أرحب بالمزيد من الإشكاليات التي قد تدخل في هذا السياق.

المختار موسى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.