غالباً ما يُعتبرالإسلام أنه دين عربي، وقد انطبق عليه ذلك خلال غالبية القرن السابع الميلادي. فقد ظهر الإسلام –وهو ثالث الأديان الإبراهيمية الرئيسية مع اليهودية والمسيحية، والأديان الثلاثة لها جذور ترجع الى النبي ابراهيم كما هو مذكور عند الكتابيين– ظهر في غرب شبه جزيرة العرب. وكان نبيه –محمد (ص)– عربياً ووحيه المنزل عليه هو القرآن ، وقد كتب باللغة العربية. وبنهاية حياة محمد (ص) عام 632 م سلّمت جميع قبائل شبه الجزيرة العربية له "لسلطته". وفتحت جيوش القادة العرب المسلمين أقاليم امتدت من أسبانيا الى الهند في فترة زمنية تقل عن القرن وأسسوا إدارة حكم مركزية تمثلت في الخلافة، كان للعرب فيها زمام القوة وامتيازاتها.
وقد نظر الكثير من العرب لنجاحاتهم العسكرية المذهلة بأنها دليل تفوق دينهم على ما سواه. وتأكدت هذه الفكرة "على ما يبدو" عبر الثروات الهائلة غير المتوقعة والجاه اللذان حققتهما الأقاليم المفتوحة لهم. غنم العرب ثروات هائلة في معاركهم وتقلّدوا تحت حكم الخلافة "الأمبراطورية" مناصب بالغة الأهمية درت عليهم الأموال الطائلة. كما وفرت لهم امبراطوريتهم الحديثة التحكم بطرق التجارة وهي ميزة أغرت على حد سواء تجار العرب ومسؤولي الدولة الذين فرضوا رسوم التعرفة على البضائع التجارية.
وبهذا، فإن من غير المفاجئ، أن يمتنع العرب عن مشاطرة كل هذا الثراء وهذه المزايا مع غير المسلمين "من هم خارج دائرة الإسلام". ومن غير المفاجئ أيضا من غير المسلمين أنهم سعووا لأن يكونوا من زمرة المسلمين ذات الحظوة والإمتياز. وعلى نحو غير مباشر، أدى هذا الجذب والدفع بين الطرفين المذكورين إلى التحول المثير في الإسلام من كونه دين ذو طابع عربي أحادي الثقافة الى دين ذو سمة عالمية متعدد الثقافات في فترة لا تزيد كثيرا عن المئة سنة.
قبول العرب للثقافات الأخرى
رغم أن الكثير من الناس ما زال يعتقد أن الإسلام نشر بـ"حد السيف" ، إلا أنه من المهم التمييز بين انتشار الحكم الإسلامي وانتشار الإسلام كمعتقد ديني. فالقرآن ينص بأن "لا إكراه في الدين" والعرب المسلمون من خلال رغبتهم في حفظ سلطتهم وسر نجاحهم لم يكن من صالحهم تماما إدخال سائر الأقوام للإسلام. ولكن القرآن يأمرالمسلمين بإعلاء راية الإسلام، كي لا يعيش المسلمون بإكراه في بيئة تتنافى مع عقيدتهم.
ومنذ الفتح الإسلامي الأول –للأقاليم الواقعة تحت الحكم البيزنطي في بلاد الشام شمالاً ومصر غربا وبلاد فارس الساسانية برمتها شرقاً– اقتنع المسلمون بشكل عمومي بالحفاظ على الأنظمة البنوية السائدة في تلك المناطق. فكون العرب رجال قبائل بدو، لم تكن لديهم خبرات سابقة أو نماذج من أنفسهم لحكم امبراطورية كاملة تتألف من خليط عربي أعجمي. وآثروا بإدراكهم على ترك الأمور التنظيمية الأساسية تجري على حالها بينما تبوأوا بأنفسهم مواقعهم في السلطة العليا ولبوا كل متطلباتها من التفرغ الإداري. فالسجلات الإدارية بقيت بلغاتها اليونانية أو الآرامية أو الفارسية البهلوية طيلة القرن السابع الميلادي. حتى أنها ظلت أطول من ذلك الى جهة الشرق. أما النقد فلم يُسك بالعربية الا بالتدريج البطيء. وظلت الأنظمة الضريبية على حالها وحافضت المجتمعات السكانية في الأقاليم المفتوحة على نطاقها السلطوي والقضائي وبقيت في زعاماتها المحلية. ولم يتدخل القضاة المسلمون الذين عُيّنوا من دار الخلافة إلا لحل القضايا الكبرى. أما الدوائر الحكومية التنفيذية في الإقاليم فقد ترأسها رمزياً إداريون عرب. وفي التعليم أكمل العلماء المسيح واليهود وغيرهم من غير المسلمين مهامهم التعليمية في المؤسسات التعليمية الكبرى (مثل مدرسة غندي شابور الطبية جنوب غربي إيران) ، وغالبا ما درّست هذه المؤسسات الطلاب المسلمين العرب.
في واقع الأمر، وبالمقارنة مع الأوضاع تحت الحكم البيزنطي والساساني الفارسي، فإن فترة حكم البيت الأموي العربي (661 م - 751 م) كانت من الفترات الدينية والثقافية الإسثنائية بالنسبة لغير المسلمين من رعايا الخلافة. ولكن هذه السياسة لم تكن بدافع الرحمة والعدل من الأمويين تجاه غير المسلمين بقدر ما كانت مبنية على دوافع عملية. فقد اعتبر العرب الإسلام دينهم الخاص بهم. وطالما أنهم حافظوا على السلطة السياسية بأيديهم لوحدهم فإن الأقوام الذين عرفوا بـ"المستأمنين" لن يشكّلوا أي تهديد لهم. علاوة على ذلك، فقد عرف العرب كيفية استغلال طبيعة رعاياهم غير المسلمين وكيف أنهم بإرثهم العلمي وثقافتهم ستعزز من سلطانهم وقوتهم. فسمح الأمويون بل وشجعوا على هجرة العلماء والأيدي الماهرة والعقول (كالأطباء والفلكيين والرياضيين) من العالم البيزنطي. وكان معظم هؤلاء المهاجرون من الأقليات المسيحية المضطهدة المعارضة للكنيسة القائمة في بيزنطة أو علماء وثنيون غير مسيحيين فارون من الاضطهاد هناك، فوجدوا الأمان في ظل الحكم العربي. ومن الجانب العربي ، رحب العرب بالأرث العلمي الكلاسيكي القادم لهم من عوالم -البحر المتوسط- المشتمل على نتاج علماء وفلاسفة اليونان واللاتين الذين هُمّشوا في الدولة البيزنطية. وبترحيبهم هذا فقد تُرجمت الكثير من العلوم الكلاسيكية الى اللغة العربية. وفيما بعد أُعيد بثّ هذه العلوم الى أوروبا في القرون الوسطى عن طريق أسبانيا (الأندلس).
وعن طريق "الثقة الراسخة للأمويين بأنفسهم" ، استفاد العرب المسلمون من أكثر الجوانب اشراقا للحضارات التي سبقتهم. فبتبنيهم للمنظومة الضخمة من الأدوات الإدارية والفنية والعلمية، ازدادت امبراطوريتهم من الغنى الثقافي وشكلوا لأنفسهم ثقافة اسلامية فريدة قائمة بذاتها.
نتائج دخول غير المسلمين في الإسلام
سعى الكثير من رعايا العرب غير المسلمين في الدخول للإسلام ، لعين السبب الذي مَنع العرب المسلمين المستحوذين على السلطة من نشر الإسلام بين هذه الفئة من الرعية. فقد رأى موظفو الدولة من غير المسلمين أنهم سيكسبون بإسلامهم المزيد من القوة أكثر من ذي قبل. وتصوّروا أن علاقاتهم برؤسائهم المسلمين قد تتحسن بتبنيهم للهوية الإسلامية وبذلك يستقرون على مراكزهم. كما رأى التجار من غير المسلمين المزايا الكثيرة التي ستتبعهم حينما يدخلون دائرة الاسلام في شبكة تجارة عالمية مسلمة تتسع باطراد. أما المفكرون والعلماء فقد لاحظوا تقبل الشارع الإسلامي لأفكار وأراء المسلمين منهم فسعى غير المسلمين لتأطير أفكارهم وأرائهم بالأطر الإسلامية. كما أن من يشهر اسلامه فله أن يخدم في جيش المسلمين المجهز جيدا بشكل متواصل لتعزيز حملاتهم العسكرية الناجحة وبذلك يكون له نصيب في غنائم الفتوحات. وهناك من يدخل الإسلام هروبا من الجزية أو الضرائب الأخرى المفروضة على غير المسلمين من قبل حكام الأقاليم مثل ضرائب الحاميات الإسلامية للمجتمعات غير المسلمة إذ لا يسمح لهؤلاء بالخدمة في الجيش الإسلاميولكن فيما اعتبر البعض من غير المسلمين في بداية الحكم الأموي أن مثل هذه الضرائب هي ضرائب ذات طابع عنصري تتضمن تفرقة على أساسٍ ديني ، فقد كانت الجزية أقل بكثير مما كان البيزنطيون والفرس يفرضونه من ضرائب على رعاياهم. لذا لم تكن الجزية باهضة بشكل مرهق بالنسبة لهذه الفئة من الرعايا.
المشكلة التي كانت تواجه من يريد الدخول في النسيج الإسلامي هي أن المجتمع كان لا يزال مركب وفق الأسس الإجتماعية العربية. وكان من المواضيع الرئيسية التي يتناولها القرآن أنه كان يفرض المساواة بين المؤمنين أمام الله. ولكن في واقع الأمر فإن التقسيم الطبقي بين العرب لم يختفي أبدا. حيث شعرمن له السبق الى الإسلام ومن يخلفه من ولده أن لهم المنزلة المخصصة كما شعرالمكيّون بحقهم في منافسة المدنيين. وبهجرة بعض القبائل والجماعات الى الأقاليم المفتوحة حديثاً واحتلالها لمراكز القوى، ظهرت نقاط توتر بين هذه الجماعات العربية في المناطق الجغرافية المختلفة. ومع أن العرب المسلمين ميّزوا أنفسهم عن من سواهم بإسلامهم إلا أنهم بين أنفسهم استندوا الى روابطهم القبلية المتجذرة فيهم كعرب والمتأصلة في مجتمعاتهم منذ ما قبل الإسلام.
إن الطبيعة العربية تحتم على الفرد الإنتماء القبلي. ومن لم يكن عربيا لم ينتمي الى قبائل العرب ولم يحمل هوية عربية. أما الدخول في الإسلام فهو أمر في غاية السهولة حيث لا يلزم الا تلاوة الشهادتين لإجهار الإيمان وهي: شهادة أن لا إله الا الله وأن محمد رسوله. أما الإنخراط في المجتمع العربي فقد كان أمرا مختلفا. فبالنسبة لحديث الإسلام من غير العرب فقد توجب عليه أن يبحث له عن مولى عربي يرعى اسلامه ويباركه لقبوله بين سائر العرب.
الثورة العباسية
إن نظام الموالي الذي ساعد غير العرب في الإنخراط في المجتمع الإسلامي لم يضمن لهم المساواة كما ينص عليها القرآن. فلا يضمن موقعية المولى وسط الهيكل القبلي الا سيده العربي، الأمر الذي يبقي المولى تابعا لمولاه. و بنهاية القرن السابع الميلادي بدا أن الكثير من معتنقي الإسلام أظهروا استيائهم من هذه الوضعية وبدأوا يبحثون عن طرق للدفاع عن حقوقهم بالمساواة مع المسلمين العرب.
لم يكن الموالي هم المسلمين الوحيدين المظلومين، بل ظهر السخط وسط قبائل عربية مختلفة بسبب سوء توزيع السلطة السياسية والثروات الإقتصادية بين الأقاليم. وشعر الكثير من العرب أن الخلافة الأموية والأمويين –الذين حكموا من دمشق ، سورية حديثاً– لم يختلفوا في أساليبهم الفاسدة ومعيشتهم المنحلة عن الحكام البيزنطيين المدحورين. فقد اتُّهم الأمويون بمعاقرة الخمر والفسوق والغواية وزنى المحارم وغيرها من الرذائل. والنزاع الذي حصل بين الخليفة الأموي الأول معاوية والخليفة الرابع الإمام علي أدى بطريق غير مباشر الى مقتل الإمام علي في 661م وبالمثل فإن قاتل الإبن الثاني للإمام علي، الحسين بن علي مع أتباعه كان يزيد بن معاوية في كربلاء ، العراق عام 680م.
وكان الشعار الأبرز لحشد المسلمين بإختلاف أعذارهم ضد الأمويين هو مشروعية حكمهم. فبالنسبة لأعداء الأمويين الكثر، فقد كان البديل الطبيعي الأول لهم لخلافة المسلمين هو آل بيت الرسول أو شيعة علي. وفي خراسان –في الأطراف الشرقية لإيران والتي شكلت أبعد نقطة عن عاصمة الخلافة في "الإمبراطورية"– انتشرت معارضة عارمة ضد الخلافة الأموية بدمشق، وتزامنت مع تحرك شعبي موالي لعلي بن أبي طالب في الأوساط العسكرية المحلية ، أدت الى اسقاط الأمويين في 751 م. وكانت الثورة بقيادة القائد العسكري الإيراني أبو مسلم الخراساني تحت راية أحد أحفاد العباس عم الرسول (عبد الله بن محمد العباسي الملقب بأبو العباس السفاح). وبذلك سميت بالخلافة العباسية.
النفوذ المتزايد لمعتنقي الإسلام الأعاجم
بحلول مطلع القرن الثامن الميلادي، كان دخول الموالي العجم للإسلام في تزايد مستقر. وصاحب هذا التزايد في الدخول للإسلام من قبلهم نمو لنفوذهم. وكونهم مسلمين ذوي مناصب مرموقة في المجتمع الإسلامي فقد طالبوا بموقعهم السلطوي الديني كما يفرضه القرآن جنبا الى جنب –وأحيانا منافسةً– مع "أسيادهم العرب" السابقين. ولكن توجب عليهم تعلم العربية للوصول لذلك. فأصبحوا من أوائل نحويي اللغة العربية. ومع تبني الموالي للّغة العربية كلغتهم الرئيسة، في مجتمع اسلامي يؤول نحو السماحة ، فقد أعادوا تشكيل اللغة العربية بطريقتهم. فالذين باشروا الترجمة كان لهم تأثير كبير في إعادة تشكيل اللغة. وكون العربية لغة أهل البداوة فإنها افتقرت الى المصطلحات التي تعبر عن الأفكار النظرية والتجريدية والفلسفية. وساهمت الكلمات الكثيرة التي وضعها المترجمون في اثراء اللغة أدى ألى رقيّها الى مستوى حضاري عال. فأصبحت قادرة على إيصال الأفكار والمعاني العميقة والمعقدة والمتطورة.
بتزايد أعداد الموالي العجم الذين اعتبروا أن الهوية الإسلامية جزء لا يتجزأ من هويتهم، بدأت نقاط التوتر تنشأ حول ماهية المبادئ الحياتية والسلوكية السليمة. إذ لا يذكر القرآن غير جزء من المواضيع القانونية والحياتية بشكل صريح ومباشر. ومع أن المسلمين يعتقدون أن القرآن يمدهم بالهداية الى كافة مناحي الحياة شريطة أن يفسر بطريقة صحيحة إلا أن التفاسير المختلفة غالبا لا تتوافق. وطالما أن كافة المسلمين أو أغلبهم هم عرب، فإن الأعراف الإجتماعية العربية تسود إذا لم تتوفر تعاليم مباشرة من القرآن تحل محل الأعراف. ولكن الموالي العجم غالبا ما كانت لهم طبائعهم وأعرافهم الخاصة بهم وبذلك زادت النزاعات بين العرب والموالي بإزدياد الموالي. ولم يكن الرجوع الى حكم القرآن يحل الأزمات في جميع الأحيان، لذا لجأ المسلمون لإستكمال مصادر تشريعهم للإقتداء بسنة الرسول (ص) وكان ذلك مقرا في القران حيث يقول {ولكم في رسول الله أسوة حسنة}. فإذا جاء أحد الأطراف في نزاع ما بإثبات أن الرسول (ص) اتخذ موقفا معينا أو قرارا ما في موضوعا ما فإن هذا الحكم يكون نافذا ومقبولاً للطرفين. ولكن ذلك لا يصح الا بحديث نقل شفهيا عن أصحاب الرسول (ص) الذين عاصروه.
تولى الكثير من المهتمين القيام بجمع قصص وأحاديث الرسول (ص). وحاولوا إثبات صحتها بدراسة حياة الرجال الذين نقلوها دراسة تحليلية دقيقة. وكانت نتيجة هذه الدراسات الجهيدة التي استمرت حتى القرن التاسع الميلادي مادة مخطوطة ضخمة سميت بالحديث. وأصبح غالبية المسلمين يعتمد على الأحاديث على أنها المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن. ويبدو أن شمولية الإسلام للأقوام غير العربية هو المفتاح الأساسي لجمع وتصنيف علوم الحديث. ذلك أن كتب الأحاديث الصحيحة الستة المعترف بها من قبل المسلمين السنة جميعها جمعت وصنفت في العالم الفارسي "الإيراني". وتصور بعض العلماء أن الإختلاف في الأسس الإجتماعية بين المسلمين العرب والعجم هي التي حثت الحاجة الى وجود مرجع تشريعي مشترك بينهم. أو بعبارة أخرى، طالما أن المسلمون هم عرب فإن التساؤلات المتداولة عن الوحي الإلهي (القرآن) بإمكانها أن تفسر على الأسس الإجتماعية والثقافية العربية! بينما، إذا كان الإختلاف الحاصل هو بين مسلمين عرب وغير عرب فإن الأسس الموضوعة للتحكيم بين الأطراف المعنية (العرب وغير العرب) ستكون محل اختلاف، وبذلك تكون الحاجة لمصدر تشريعي ثاني.
صعود النفوذ الإيراني (الفارسي)
إبان الحكم العباسي انتقلت عاصمة الخلافة "الإمبراطورية" الى بلاد ما بين النهرين على الطرف الغربي من العالم الإيراني (الفارسي). ومنذ تلك الفترة وما تلاها، بلغ التأثير الفارسي أوجه على الحياة الدينية والحياة العامة. وانتقى الخلفاء العباسيون الفرس لإدارة أهم المناصب الوزارية–الملاحظ أن غالبيتهم كانوا من العائلة البرمكية وقد اشتُهرت هذه العائلة قبل اسلامها بكهنتها البوذيين–. وتحت تأثير الحاشية الفارسية تبنى العباسيون بشكل كامل تقريبا نظام الحكم الساساني الفارسي، بما في ذلك نظام تشريفات بلاط الخليفة، ونظام الضريبة الزراعية –ملاك أراضٍ محليون يجمعون الضريبة الإمبراطورية–، ونظام التقويم الشمسي ومهرجانات الإعتدالين (الخريفي والربيعي)، ورعاية مجالس الأدب والغناء في البلاط. حتى أنهم تبنوا أيدلوجيات ورمزيات الأباطرة الساسانيين قبل الإسلام. وكانت هذه الأيدلوجيات والرمزيات مبنية على أساس الملكوت المطلق حيث أن الحاكم يعتبر "ظل الله في أرضه".
شهد النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي اشتهاراً واسعاً للعوامل الفارسية المؤثرة على الحضارة الإسلامية. ففي عام 762 م بنى الخليفة المنصورعاصمة امبراطوريّة جديدة ما بين نهري دجلة والفرات بالقرب من العاصمة الساسانية السابقة المدائن - قتسيفون "Ctesiphon". وأطلق على المدينة الجديدة اسم بغداد، التي تعني "عطية الله" بالفارسية. وعن طريق العائلة البرمكية حاز الفارسيون على مناصب ادارية رفيعة في الدولة العباسية. ومن بين هؤلاء كان ابن المقفع ، الذي اشتهر لترجمته آدابا فارسية الى اللغة العربية رغم أنه لم ينطق العربية كلغته الأولى. فقام بأعمال الترجمة على نحو يؤكد فيها التفوق الثقافي الفارسي.
وتمضي هذه المفارقة الى صميم كيان الهوية الفارسية. فإبن المقفع لم يولد لأبوين مسلمين بل اعتنق الإسلام. وبحلول قرنين من الزمن اعتنق جميع الفارسيين الإسلام. ومع أن الفرس ينظرون للعرب نظرة الدوني اللا متحضر منذ الإحتكاك الأول معهم إلا أن العرب هم من حملوا راية الإسلام وأدخلوه الى بلاد فارس. والى يومنا هذا ينظر الكثير من الإيرانين الى أن الإطاحة العربية بالحكم الساساني الفارسي هي إحدى أعظم المآسي في التاريخ الإيراني الطويل. ورأى العلماء الفرس من أمثال ابن المقفع أن أعمال الترجمة الفارسية الى العربية هي طريقة لإثبات الشرعية والمكانة الفارسية في العالم الإسلامي. كما ابتدأ هؤلاء العلماء حركة أدبية جديدة أطلق عليها اسم "الحركة الشعوبية"، التي نقلت نتاجات أدبية شهيرة الى اللغة العربية مثل ألف ليلة وليلة وحازت على مكانتها في عالم الأدب الإسلامي. ومثلت الحركة الشعوبية الطرق العديدة التي من خلالها سعى الفارسيين وغيرهم من العجم الى الإستحواذ على الإسلام لأنفسهم بدمج ثقافتهم وتاريخهم بالثقافة والتاريخ الإسلامي.
أثبت الإرث الثقافي الفارسي قوته، وذلك بإنتشار مزيج ثقافي اسلامي فارسي قوي وراسخ ومتجذر عبر القارة الآسيوية وصولاً الى الهند وأجزاء من الصين. في القرن الحادي عشر الميلادي أقام الأمير محمود الغزنوي –وهو ذو أصل تركماني من أواسط آسيا لم يمض على اعتناقه الإسلام فترة طويلة– إمارته الإسلامية في شمالي الهند. وسعى جاهدا الى أن يثبت شرعية حكمه من خلال تشجيعه الشعراء لتأليف قصيدة ملحمية فارسية ضخمة. وأسماها (الشاهنامة) أو كتاب الملوك الذي يمجد العصر الفارسي قبل الإسلام. في نفس تلك الحقبة ليس غريبا أن تجد المترجمين في آسيا الوسطى يقدّمون لترجمة كتاب ما ، يعنى بموضوع تاريخي معين بكلمات مثل: "في هذه الأيام ، قليل من الناس من يرغب في قراءة كتاب باللغة العربية. لذا انطلاقا من نصح بعض الأصدقاء لي قمت بترجمة هذا الكتاب للفارسية".
استمرار إرث التوسع الإسلامي
بعد ما يزيد على القرن من ظهور الإسلام ، ساهمت التوترات القائمة بين العرب والأعاجم من المسلمين الى إضفاء سمة دولية الإسلام كديانة. وبحلول عام 1258م حين أقدم المغول على تدمير الخلافة الإسلامية، أصبحت الآداب وفنون الرسم والعمارة والتعليم تتطبّع بالطابع الفارسي. وعندما يتأمل المرء في الإسهامات الأولى للفرس في العلوم الإسلامية المختلفة سواء الإدارة الإسلامية أو التمويل الإسلامي أو القضاء أو علم اللاهوت أو الفلسفة الإسلامية ، فسيجد من الواضح أن الثقافة الفارسية لعبت دورا هاما في تطور الإسلام –وهو لا يقل ، كما يقول أحد العلماء، عن الدورالذي لعبته الحضارة اليونانية في قولبة ظهور المسيحية الى العالم. وفي نفس هذه الحقبة أسهم متوسط ومغرب العالم الإسلامي–ابتداء من بلاد الشام مروراً بمصر والمغرب ووصولاً الى الأندلس– في تطور الحضارة الإسلامية.
ومنذ القرن الحادي عشر الميلادي وما بعدهً، قدم الأتراك والهنود وسائر الشعوب الآسيوية عواملهم الخاصة التي أثرت في الحضارة الإسلامية الديناميكية.
في يومنا هذا، أقل من 15 بالمئة من مسلمي العالم البالغ عددهم المليار هم من العرب. والمسلمون الذين يعيشون في جنوبي آسيا يعدون أكثر من ضعفي عدد المسلمين القاطنين في العالم العربي. وعبر امتداد جغرافي متصل، يبدأ بالسنغال وينتهي بالفلبين، فإن معتنقي هذه الديانة العالمية يثرون الثقافة الإسلامية بموروثاتهم وثقافاتهم المحلية ويضيفون إليها التنوع والإختلاف. وإسهاماتهم المستمرة له هي جزء لا يتجزأ من العملية التي ابتدأها المعتنقون الأُوائل قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا خلا.
ريشارد س فولتز هو مؤلف الكتاب "أديان طريق الحرير" والعديد من الكتب والإصدارات الأخرى. حاز على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد.
ترجمة المختار موسى بوخمسين
لمقالة:
By Richard Foltz
Microsoft ® Encarta ® Reference Library 2005. © 1993-2004 Microsoft Corporation. All rights reserved.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.