مقدمة كتاب: بيزنطة - الحياة المدهشة لإمبراطورية قروسطية

مقدمة : تاريخ مغاير لبيزنطة

Byzantium: The Surprising Life of a Medieval Empire
By: Judith Herrin
http://press.princeton.edu/titles/8470.html

1.1. في إحدى الأمسيات من عام 2002 طرق عاملان  باب مكتبي في كلية كينغز [الملك] في لندن. وقد كانا يشتغلان بأعمال الصيانة والترميم في تلك المباني القديمة،  فلم يفتآ يمضيان وقتاً قصيراً في تلك الردهات إلا وقد عزما التوقف قليلاً عند مكتبي ذي اللوحة المكتوب عليها: "أستاذ التاريخ البيزنطي" ليسألاني: "ما هو التاريخ  البيزنطي؟" وقد ظنَّا أن الموضوع له علاقة وطيدة بتركيا.

1.2. هكذا وجدت نفسي أحاول جاهدة أن أوجز شرح التاريخ البيزنطي لعاملين رصينين يرتدي كلّ منهما خوذة سلامة وجزمة ثقيلة. ولم أجد أن الخبرة التي راكمتها عبر كلَّ تلك السنين قد جهزتني لموقف كهذا، فجاهدت نفسي كي أوجز عمراً من الدراسة والبحث في زيارة دقائق عشر. شكرني الاثنان وعبّرا لي كم أن هذا الموضوع: موضوع بيزنطة، يثير الفضول، فطلبا مني متسائلين لم لا أكتب كتاباً لهما عنها؟ ولشخص كرّس وقته للبحث والنشر حول بيزنطة وجدتُ في نفسي الأنَفَة من طلبهما، لكنّي بالطبع فهمتُ مغزاهما. إن عدداً غير محدودٍ من الكتب قد خُطّت عن التاريخ البيزنطي، وهي أكثر من أن تُحصى، وأكثرها أطول من أن يُقرأ. وفي الغالب، فإن هذه الكتب تتحدّث عن تعاقب ما يربو عن تسعين إمبراطوراً، ونحو مئة وخمسة وعشرين بطريركاً للقسطنطينيّة، وكمٌّ لا يحصى من المعارك، مثارها عدد من القضايا التي تُقسّم إلى قضايا سياسيّة وعسكريّة ودينيّة، في أجواء شديدة القسوة عبر ألفٍ  ومئة سنة. وإن النزر اليسير من هذه الكتب تتمتع  بالجاذبية التي قد تكون سبباً في انشداد عاملي بناء، أو -  من في مستوى ثقافتهما- أيّ  امرئ غير متخصّص من أيّ مشرب من مشارب المجتمع. ومن هنا بدأتُ  أبحث عن جواب للسؤال: "ما هو التاريخ  البيزنطي؟"

جوديث هارين، هي مؤرّخة وكاتبة إنجليزية اشتهرت بكتاباتها حول أوروبا القروسطية، وهي مؤلفة كتاب "تشكّل المسيحية-The Formation of Christendom"، الذي يتحدّث عن عالم المتوسط القروسطي من منتصف القرن السادس إلى منتصف القرن التاسع، وقامت بتأليف كشكول بعنوان "متفرقات قروسطية-A Medieval Miscellany" و"نساء في الأرجوانية-Woman in Purple". وقد عملت في برمنغهام وباريس وميونخ وإسطنبول وبرنستون قبل أن تتقلّد منصبها الحالي بروفيسورةً في قسم الدراسات البيزنطية الكلاسيكية المتأخّرة في جامعة الملك، "كينغ" في لندن. وقد نشرت الكثير من المقالات العلمية، وشاركت في المواقع الحفرية في اليونان وقبرص وتركيا، وترأست بالنيابة مجلس تحرير مطبوعة "الماضي والحاضر-Past and Present".

1.3. ومن فورها جابهتني الصعوبات – فقد تسرّعت في وضع الكثير من  الافتراضات، ولم  يكن أمامي إلا الاستشهاد بالنوادر المبهمة. ولكني كنت دائمة الاعتزاز بنفسي؛ ذلك لأنّي كنت قادرةً على أن أجعل من التاريخ البيزنطي مادة مشوّقة للجمهور الغريب عنه. وبينما كنت أبحث عن المنهجية التي سأتّبعها في كتابتي، كنت متيقّنة أن بيزنطة خلال ألفيَّتها الطويلة تمتلك ما يكفي من الصور الزاهية، ومن الصدمات والمآسي، ما يجذب الباحثين عن هذه الجوانب المثيرة. إلا أنّني وجدتُ أن ذلك الأسلوب قد اختزَل تاريخها في مقاطع وحلقات دراميّة خالية من أيّ عمق، ما جعل هذه التجربة سطحية وبسيطة. إنّ المعاني التي تحملها بيزنطة هي أكثر بكثير من مجرد الثراء أو السيطرة على البحار أو ممارسة السلطة  الإمبراطورية. فقد أردتُ لهما ولك، أيّها القارئ، أن  تدرك معي تمام الإدراك، سبب  كون بيزنطة عصيّة على الفهم، ولِمَ هي متعذّرة على الطرح، ولِمَ  يكتنف تاريخها الكثير من المبهمات. وتتعقّد هذه الصعوبة أكثر عندما  توظّف الصحافة المعاصرة صفة  "البيزنطية" بشكل سلبي عندما  تصف، على سبيل المثال، الإصلاحات الضريبية بأنها "تعقيدات بيزنطية بكل تأكيد!" (وهو عين الوصف الذي نُعِتَت به مفاوضات الاتحاد الأوروبي مؤخّراً).

1.4. إن بيزنطة تستحضر إلى الذهن صورة نستشفّ منها مشهدين: فهي تصوّر الدسائس والاغتيالات والتمثيل والتعذيب في المشهد الأوّل، ويُستشفّ من ورائه الثراء المفرط والذهب المتلألئ والمجوهرات المتوهّجة في المشهد الآخر. إلا أن الغدر والنفاق والغموض والأموال لم تكن حكراً على بيزنطة العصور الوسطى. فقد كانت بيزنطة مصدراً لعددٍ كبير من القادة الأفذاذ والجنرالات العسكريين الألباب واللاهوتيين الخلّاقين، وكلّهم في واقع الأمر تشوبهم العلل وتُقترن بهم العيوب، وعلى عيوبهم هذه نشأت الصورة النمطيّة المطعونة المسمّاة بـ "البيزنطية". ولكنّهم لم يتوصّلوا إلى إنشاء أيّ محاكم تفتيش، كما أنهم تحاشوا أن يحرِّقوا البشر على الأوتاد. ورغم ذلك، فهنالك لغزٌ محيّرٌ مقرون بهذا العالم "الضائع"، وهو عالمٌ صعب المنال، وسبب ذلك أنّه لا يملك -ولو بشكل جزئي- وريثاً معاصراً. ويبقى مستتراً وراء أمجاد فنونه القروَسطية  المتمثّلة في المشغولات الذهبية والفسيفساء والحرير والقصور الإمبراطورية.

1.5. ولشرح تقديري عن بيزنطة، فإني في هذا الكتاب أسعى إلى أن أُبيِّن أهمّ  عصور ازدهارها بأجلى صورة أتمكّن من تصويرها. ولأُشرع المجال لذلك، فإني أحاول أن أكشف وأستعرض البنية الهيكليّة والعقليّة التي أبقتها قويّةً حيّة. بهذه الطريقة، فإني آمل أن أُبقيك متشوّقاً معي إلى النهاية، كي تشعر أنك مُنِحت الفرصة لكي تتعرّف على حضارة جديدة. وأهمّ من ذلك، فإني أريد لك أن تعرف أن العالم الغربي الحديث الذي نشأ على أنقاض أوروبا العصور الوسطى ما كان له أن يكون لولا  بقاؤه محميّاً يستلهم الخبرة والمعرفة مما جرى في أقصى الطرف الشرقي لأوروبا: في بيزنطة وما ورائها. وإن العالم الإسلامي لهو عنصر مهمّ من هذا التاريخ كما هو حال علاقة الحبّ والبغض بين المسيحية والإسلام.

1.6. فما هي السّمات الأساسية لهذا التاريخ المهمّ الذي لا نعرف عنه سوى القليل؟ أولاً: إن بيزنطة هي حضارة تمتدّ على مدى ألف سنة،  مؤثّرةً في جميع بلدان شرق البحر المتوسط والبلقان  وأوروبا الشرقية طوال فترة القرون الوسطى. فمن القرن السادس إلى القرن الخامس عشر، ظلّ هذا التأثير يتذبذب بين الطوفان  والانحسار، لكنّه ظلّ تأثيراً مستمراً متواصلاً لا ينقطع. وقد سُبِكت هذ الحضارة في الحِقَبِ الوثنيّة والمسيحية، وفي العهود الإغريقية والرومانية، وفي العصور العتيقة  والقروَسطية. إن تأثير بيزنطة الثقافي والفنّي متعارف عليه بأنّه ميراث مستمرّ وباقٍ ليومنا هذا، وبالإضافة إلى ذينك الميراثين نضيف جوانب أساسيّة من أنظمة الحكم مثل تطوير بلاط إمبراطوري يحوي خدمات دبلوماسية وديوان خدمة مدنية ومراسم تتويج المعتلين لعرش الحكم، بالإضافة إلى ممارسة الإناث للسلطة السياسية، وكلّ ذلك نشأ وتطوّر حصريّاً في بيزنطة.

1.7. إن مصدر عظمة القسطنطينيّة، المتمركزة وسط إمبراطورية هائلة، يكمن في نظام حكومتها الإمبراطورية الموروثة، وفي تنوع مصادرهاالزاخرة التي وفّرت لكلٍّ من الحاكم والمحكوم ثقة عارمة بالنفس منقطعة النظير. وإنه لمن الضروري أن نركّز على هذا الجانب من بيزنطة، فبحلول عهد الإمبراطور جستينيَن  (527-565) بلغت البُنى الهيكلية المختلفة الداعمة  للإمبراطورية من الناحية الزمنية، المئتي سنة، وكانت ناضجة وراسخة في كيان الإمبراطورية حيث بدت للناظر أنّها غير قابلة للتغيير أو التحويل. فقد تمكّن هؤلاء من ابتداع ثقافة متغلغلة الجذور، نمت على رفات اليونانية والرومانية العتيقة بالإضافة إلى احتوائها للأفكار المسيحية، وشملت هذه الثقافة الجوانب الأيدولوجية والعملية معاً (على سبيل المثال، تبنّيها الحجج الفلسفية الإغريقية أيدولوجياً، والحصون العسكرية الرومانية عملياً). وكان النظام الإمبراطوري –المكوّن من هذه العوامل المجتمعة– بأكمله محلّ تداول واحتفاء في الأدب والخطابة الرسميّة، كما تجلّى هذا النظام في الفنّ الذي كُرِّس بعناية كي يرتقي إلى مستوىً يتمتّع بالديمومة ويقارب الخلود. ومهما بدت المخرجات الفنّية والأدبية فارغة أو جوفاء، فإنها ما فتئت تؤكّد وتعزّز الثقة في نفوس أباطرة بيزنطة وحاشية بلاطهم وأتباعهم من عامّة الناس. وقد كانت العوامل المجتمعة هذه هي المدد الرئيس والقاعدة الصلبة التي أمدّت بيزنطة بقدرات استثنائية لمجابهة تحدّيات جسيمة في القرن السابع، وللردّ على تحدّياتٍ عصيّةٍ أخرى في القرن الثالث عشر لا سيما في عام 1204 م. وفي وجه كلّ أزمة كانت قادرة على التكيّف والإصلاح  معتمدةً على البنى المتغلغلة التي ورثتها والتي ضمّت داخلها وعياً وفيراً لهذا الإرث.

الفقرات من 8 إلى 14 غير مشمولة في هذه النبذة

1.8. بهذا المفهوم، فإن الثقافة البيزنطية جسّدت رؤية المؤرخ الفرنسي فيرناند برودل  وفكرته طول المدى-longue durée: التي كان مفادها سلامة ونجاة الدولة وبقاء مؤسّساتها رغم تقلّب وتعاقب الحكومات وتجدّد الطُرُز العصرية وتطوّر التقنيات وتوارث الأجيال المستمر الذي قد يأسر الطاقات أو قد يفجّرها. ورغم أن برودل طبّق فكرته على العوامل الجغرافية التي حدّدت تاريخ أمم البحر المتوسط، إلا أن بإمكاننا أن نتبنّى فكرته هنا لكي نُميّز الثقافة البيزنطية عن جاراتها. حيث إنّنا عندما نباينها عن بقية المجتمعات القروَسطية الأخرى سواء في الغرب الأوربي أو الشرق الإسلامي، فإننا نجد أن بيزنطة هي الأقدم. هي أقدم بقرون كثيرة من عهد شارلمان  وهارون الرشيد،  اللذين عاشا حوالي سنة 800 للميلاد. عندها، كان هيكلها الحضاري والثقافي مصدراً لقوّتها، كما كان في نفس الوقت تقييداً وكبحاً له. وكما سنرى لاحقاً، فإنها وُلِدت ناضجة، جالبةً معها أثناء تشييد عاصمتها سُلطان الحضارات العتيقة من طرز معمارية وفنون النحت والتصوير. وقد أسَّست لأطرٍ ثقافية أدانها الناقدون بكونها محافظة، وأثنى عليها المهتمّون؛ لكونها تقليدية، إلا أنها وفّرت إحساساً مشتركاً من الانتماء، وأنعشت الذاكرة على طريقتها الفريدة والمتقلّبة كلّما كرّست الطاقات نحو أمجاد أرفع وأرقى لبيزنطة. وهذا ما أسّس لإرثٍ مرنٍ قادرٍ على أن يردّ –في أغلب الأحيان– بعزيمة عظيمة ليحسّن ويحافظ ويدعم الإمبراطورية خلال عديد الأزمات.

1.9. تحصّنت قوّة الهويّة الإمبراطورية لبيزنطة باستمراريّتها اللغوية، ذلك بأنها ربطت علماءها من القرون الوسطى بالثقافة الإغريقية العتيقة وشجّعتهم لأن يحافظوا على نصوص الفلاسفة والرياضيّين والفلكيين والجغرافيين والمؤرّخين والأطبّاء عبر استنساخها ومراجعتها والتعليق عليها. وفوق ذلك كلّه، فقد عشق البيزنطيون أشعار هومر  [هوميروس] وأخرجوا أوّل إصدار نقديّ من ملحمتي الإلياذة-Iliad والأوديسا-Odyssey. ورغم أن التمثيل المسرحي العام قد تآكل وانقرض فإن مسرحيات إسخيليوس وسوفوكليس  ويورپيديس ، وأريستوفينيس  كانت تُدَرّس عن كثب، وكانت تُقيّد في ذاكرة الأجيال عن طريق مدارس التعليم الأوّلي. كما أنّهم تعلّموا خُطَب ديموسثينيس  وحوارات أفلاطون . وعلى هذا الأساس فإن عنصراً قويّاً من العهد الوثني العتيق اندمج في اللاوعي البيزنطي. 

1.10. لقد تمازج الإرث العتيق مع العقيدة المسيحية؛ ما أدّى الى الاستبدال التدريجي لطوائف الآلهة الوثنية. وقد واصلت بيزنطة باحتضان التقاليد الرهبانية الأولى وجعلت لهم الأديرة على الجبال المقدّسة مثل جبلي سيناء وآثوس ، حيث ما زالت التعاليم الروحانية تلهم النسّاك والزائرين معاً. وقد أخذتْ على عاتقها هداية البلغار والصرب والرّوس إلى المسيحية، وإليه يرجع السبب في أن رقعةً كبيرةً من خارطة البلقان ما تزال مليئة بالكنائس الأرثودوكسية المزخرفة بفنون الفريسكو  والأيقونات العائدة للقرون الوسطى. وقد أبقت بيزنطة تواصلها مع المراكز المسيحية التي أضحت في القرن السابع الميلادي تحت الحكم الإسلامي، فدعمت بطاركة أورشليم والإسكندرية وأنطاكيا بالإضافة إلى المجتمعات الأكثر بعداً، مثل كنائس أثيوبيا والسودان وفارس وأرمينيا وجورجيا.

1.11. وباستعمال إرث التكنولوجيا الرومانية ومهاراتهم الهندسية، واصلت بيزنطة بناء القناطر المائية [الأكوادكت-Aquaduct]، وتشييد الحصون وشقّ الطرق وإعمار الجسور وتعهّد المشاريع الإنشائية الضخمة مثل كنيسة الحكمة المقدّسة، المعروفة بكنيسة آيا صوفيا  في القسطنطينيّة، التي ما زالت تستعرض الطراز المعماري البديع للقرن السادس الميلادي، وتحتوي بكلّ أبّهتها أضخم قبّة شُيّدت على الإطلاق حتى بزوغ عهد قبّة القدّيس بطرس  في روما بعدما يربو على الألف سنة. ورغم أن القبّة البيزنطية جرت عليها أعمال الصيانة الكثيرة إلا أنها ما تزال سليمة البنية، وقد جرى استنساخها في الكثير من المشاريع الإنشائية الأصغر لتشييد الكنائس عبر العالم الأرثودوكسي. وعن هذه التصاميم، صُمِّمت هيئة المسجد المغلق الذي تبنّاه العرب بعدما تركوا موطنهم الأصلي، الصحراء حيث كانوا يتعبّدون في قاعات المساجد المكشوفة. أما مسجد الصخرة في أورشليم القدس فقد تمّت تسميته بدهاء؛ إحياءً لذكرى الاحتلال الإسلامي للمواقع المقدّسة عند اليهود والمسيحيين. وليست أسقفه الدائرية هي محلّ استدلالٍ لأصوله البيزنطية وحسب، بل حتى مرصوفاته الفسيفسائية المتقنة تشير إلى هذه الأصول. فمنذ القرن السابع الميلادي قام الخليفة عبد الملك بتوجيه الرسائل  للإمبراطور جستنيَن الثاني؛ لكي يرسل له الصناّع والحرفيين ليقطّعوا الأحجار الملوّنة ويمزجوا تعريقات الزجاج المعشّق الذي يومض بإبداع عندما يسقط عليه ضوء النهار. وإنّ الاحتمال وارد جداً أن يكونوا هم أنفسهم من وضعوا نقوش الآيات القرآنية ذات الـمئتين والأربعين متراً التي تمتدّ حول قاعدة القبة من الداخل، والتي تتحدّث عن الإسلام، وأنّه آخر ديانة أنزلها الله، وأنها تعلو على جميع الديانات الأخرى.

1.12. ومن روما، ورثت بيزنطة نظاماً قانونياً متطوّراً وإرثاً عسكرياً عريقاً. وقد دعمت كلتا المنظومتين تاريخ طويل من التجارب. ومن الناحية النظريّة فإن المجتمع البيزنطي عاش تحت حكم سيادة القانون، فقد أولوا اهتماماً بتدريب القضاة وإعاشتهم ليتصدّروا الحكم على الخلافات والنزاعات. وعبر طول الإمبراطورية وعرضها قام الناس برفع مظالمهم أمام مجالس القضاء، ثم قبول الأحكام الصادرة عنها فالعمل على تطبيقها. ورغم أن الفيالق الرومانية الشهيرة لم تستمر إلى ما بعد القرن السابع الميلادي إلا أن القوّات المقاتلة، الراجلة والراكبة، تمّ تدريبها وفقاً للمقرّرات والكتب العسكرية الرومانية. أما الإستراتيجيات والخطط القتاليّة - على اليابسة وفي البحر - وأسلحة الحصار وأساليب تموين القوّات، وتدريعها وتجهيزها ووقايتها وحمايتها، فقد تمّ أخذها كلّها عن الأساليب العتيقة. أما تركيبة "النيران الإغريقية" وهي مادة كبريتية تشتعل عند تماسّها مع الماء، فقد ظلّت السلاح السرّي للدولة وما زلنا إلى يومنا هذا لا نعرف ما هي المقادير الدقيقة لمركباته. وإلى أن طوّر العرب سلاحاً شبيهاً به، ظلّت النيران الإغريقية ترعب الذين لا يألفون ماهيّتها في المعارك البحريّة وفي حصار المدن.

1.13. لقد اعتَبرتْ بيزنطة نفسها في مركز العالم واعتبرتْ أن القسطنطينيّة هي البديل الطبيعي لروما. ورأت في نفسها أنها هي الإمبراطورية الرومانية، وأنّ مواطنيها هم الرومان رغم أن لسانهم ظلّ ينطق باليونانية. وظلّت تمارس القيادة على جميع المجتمعات المتحدثة باليونانية في صقلية والجنوب الإيطالي التي نتجت عن الهجرات اليونانية في العصور العتيقة. وكان لها الدور المهمّ في تشجيع نموّ المدن الإيطالية الساحلية بتوفير الحماية لها، فكان من ذلك ازدهار مدينة أمالفي  ونهضةالبندقية/ڤينيسيا  في القرون الوسطى، اللتين اعتاشتا على التجارة الدولية. ومع مسير الزمان استحوذ  هذان المركزان على مكتسبات بيزنطة ومراكزها الاقتصادية وطوّرا الأساطيل البحرية الجبارة ، الحربية منها والتجارية. إلا أن جميل بيزنطة عليهما بقي واضحاً لا يُنكَر. وبقيت البوابات البرونزية المصنوعة في القسطنطينيّة، التي زيّنت كاثدرائياتهما وقد رُصِّعت بالمرمر والفسيفساء والأيقونات البيزنطيةِ الطراز، شاهدةً على هذا الجميل. وما من شكٍّ أن بداية ازدهارهما كان تحت جناح الإمبراطورية البيزنطية.

1.14. بالنسبة لنا اليوم، فإن أهمّ ما تتميّز به بيزنطة ربما يكمن في دورها التاريخي في حماية الغرب المسيحي في بداية القرون الوسطى. فحتى القرن السابع الميلادي، كانت بيزنطة بالفعل هي الإمبراطوريةالرومانية. وقد وقع تحت سيطرتها كلاً من شمال أفريقيا ومصر بصوامعها الغذائية -التي كانت تمدّ روما والقسطنطينيّة بحبوبها- والجنوب الإيطالي والأراضي المقدّسة وآسيا الصغرى ونحوها شرقاً حتى جبل أرارات، بالإضافة إلى اليونان المعاصرة كلّها ورقعة كبيرة من البلقان. حينها هبّت قبائل العرب تحت راية الديانة الجديدة، الإسلام، لغزو غالبية المتوسط الشرقي. فحاربوا باسم التنزيل الذي اعتبر نفسه الامتداد الطبيعي للعقيدة النصرانية واليهودية من قبله. فكبحت بيزنطة من توسّعهم نحو الداخل من آسيا الصغرى ومنعتهم من أن يعبروا مضيق الدردنيل والوصول إلى أراضي البلقان، وصمدت القسطنطينيّة أمام الكثير من حصاراتهم.

1.15. كان الهدف الذي رسمه المسلمون، في الاستيلاء على القسطنطينيّة وجعلها عاصمتهم لحيازة سائر الأراضي الرومانية، يتميّز بالشرعية إلى حدٍّ بعيد، كما أنّه كان العمل الطبيعي والعقلاني والمنطقي. فبما أن الإسلام يزعم أنه ينسخ الشريعتين اليهودية والنصرانية، فإنه من الطبيعي كقوّة ناهضة أن يستبدل روما ويستولي على البنى السياسية للعالم العتيق. وإن تابع المرء الطموحات الواردة في القرآن، فإن منطقة المتوسط كان عليها أن تُجمَع متّحدة تحت راية الإسلام. وبالتوازي، فإن العالم الفارسي ذا المعتقدات الزردشتية تهاوى راضخاً أمام الإسلام. فبحملات خاطفة وناجحة بشكل استثنائي، ما بين عامي 634 و 644 اقترب رجال القبائل العربية من إنجاز هذا الهدف. وبذلك تمكّنوا من تحقيق أوّل منعطف بالغ في التاريخ البيزنطي.

1.16. ولو لم تتمكّن بيزنطة من صدّ هذا التوسّع في عام 678  لكانت الفرصة متاحة  للقوّات الإسلامية  - وفي أيديهم المدد والموارد المكتسبة من العاصمة التي وقعت في أيديهم–  لنشر الإسلام إلى جميع أراضي البلقان ثم إلى إيطاليا ومن بعدها الغرب خلال القرن السابع. ولكان كلّ ذلك وَقَع في زمنٍ كان الانقسام السياسي الصفة السائدة في الغرب، الأمر الذي يقلّل من  إمكان تشكيل الدفاعات المنظّمة والفعّالة في وجهه. وبمنع مثل هذا الغزو الوشيك، أتاحت بيزنطة لأوروبا أن تكون. ومنحت القوى المسيحيّة الغربية –التي كانت مقسّمةً هزيلة– الوقت الكافي لبناء وتطوير قواها. وبعد مضي  مئة عام على النبي محمد الذي تُوفّي في عام 632 تمكّن شارلز مارتيل  من هزيمة المحتلّين المسلمين [في معركة بلاط الشهداء] بقيادة القائد عبدالرحمن الغافقي] القادمين من أسبانيا في وسط فرنسا عند پواتييه  وأجبرهم على التراجع إلى ما خلف جبال الـ پايرنيس . إن هذه الفكرة الوليدة: المتمثّلة في أوروبا، بدأت تتكوّن على أرض الواقع على يد، وفي شخص حفيد شارلز مارتيل وسَميِّهِ، شارلزر الأعظم (أو شارلمان). وهكذا تمكّن شارلمان ومن جاء بعده من القتال في معاركهم التي ابتدؤوها ليبنوا رؤيتهم التي طوّروها لأوروبا خاصّتهم.

1.17. خلال القرون الوسطى كان أغلب رجال الدين والحكّام في الغرب الأوروبي على دِراية ولو على نحو باهت عن الحضارة البيزنطية المسيحية في الشرق. ورغم أن بيزنطة حكمت إمبراطورية أقلّ مساحة من روما في أوج توسّعها، من القرن السابع وحتى القرن الخامس عشر الميلادي، فإن هذه الدولة القروَسطية طوّرت من إمكاناتها السياسية والحضارية. فصهرت من ماضيها معادن مختلفة لتسبك حضارة قروسطية جديدة كليّاً، شدّت إليها الكثير من القبائل غير المسيحية القادمة من الشمال. وبدورهم، فإن البلغار والرّوس والصرب تبنّوا العقيدة المسيحية وعناصر من الثقافة البيزنطية. ولفترة قاربت السبعمئة عام، وقفت بيزنطة منارة للعقيدة الأرثودوكسية والتعاليم الكلاسيكية العتيقة.

1.18. وبحلول فترة الحملات الصليبية، وجدت بيزنطة نفسها في وسط الجهود المسيحية لاستعادة الأراضي المقدّسة من السيطرة الإسلامية. فمنذ القرن الحادي عشر وما بعده، صارت بيزنطة والغرب على انفتاح وتقارب نسبي، ولكن غالباً ما كانت بنتائج سلبية كارثية على الطرفين. وعلى الرغم من نجاح الحملة الصليبية الأولى، بتأسيس مملكة لاتينية في أورشليم، فإن الحملة الرابعة انقلبت ضدّ القسطنطينيّة فاجتاحتها استباحةً وسلباً في عام 1204. وكان هذا هو المنعطف الثاني المهمّ في التاريخ البيزنطي. فبعدها لم تتمكّن الإمبراطوريةمن استعادة صورتها أو قوّتها السابقة. ومع أن الأباطرة البيزنطيين استعادوا عاصمتهم المنهوبة، فإن الإمبراطورية تصاغرت في حقيقة الأمر لتكون هذه العاصمة هي الإقليم الوحيد في الدولة. وهكذا فإن القسطنطينيّة من 1261 إلى 1453 أمست توصف بـ"المدينة الدولة" إلى أن سقطت في أيدي العثمانيين الأتراك.

1.19. لكن –وعلى نحوٍ مثير للفضول– فإن التأثير الثقافي لبيزنطة نما على نحو متعاكس مع قوّتها السياسية. فمنذ العام 1204 عندما سُلِبت الكثير من الأعمال الفنّية والقطع الأثرية ورُحِّلت إلى الغرب الأوروبي، فإن إسهام بيزنطة لنهضة الحركة الفنيّة والتعليمية كان  لافتاً  للانتباه. ففي القرن الرابع عشر، عُيِّن الأساتذة البيزنطيون الناطقون باللسان اليوناني في الجامعات الإيطالية. وبدأ هؤلاء مع تلاميذهم بترجمة كتابات أفلاطون. أما أعمال أرسطو  فقد وصلت الغرب عن طريق العالم الإسلامي، إلا أن فلسفة أفلاطون ظلّت خفيّة عنهم. وأثناء مفاوضات فلورنسا التي أدّت إلى توحيد الكنيستين الغربية والشرقية في عام 1439، قام العالِم الشهير والفيلسوف اليوناني جورج جيمستوس پليثون  بإلقاء المحاضرات العامّة عن أفلاطون، ما جذب انتباه كوزيمو دي مديتشي  وشجّعه أن يفتتح أكاديميته الأفلاطونية. وهكذا كان الإسهام البيزنطي لحركة التنوير في إيطاليا أبكر بكثير من العام 1453، حين جعل الأتراك من القسطنطينيّة عاصمة لهم. وفي الفترة التي تلت سقوط المدينة، صار اللاجئون، الذين فرّوا إلى إيطاليا حاملين معهم مخطوطاتهم وكتبهم، يحفّزون الحركة التعليمية والفنيّة الجديدة. وبعد مضي عدّة عقود، عندما أدانت الإصلاحات البروتستانتية الفنون الدينية ودعت أكثر إلى الأساليب التعبّدية الروحانيّة، قاموا بجمع وتوظيف كلّ النصوص التوراتية والبتريستية-Patristic  التي حوربت على يد الأيقونقلزميين-Iconoclast  البيزنطيين المعارضين للرموز الدينية في القرنين الثامن والتاسع.

1.20. وخلال صفحات هذا الكتاب، فإني سأسعى إلى تسليط الضوء على ما كانت بيزنطة عليه، وكيف كانت تعمل وما كانت تجسّده وتمثّله. إن وجهة النظر الشخصية البحتة التي أحصرها في هذا الكتاب إنما نشأت من بحثي السابق حول "تشكيل المسيحية-The Formation of Christendom" الذي يبحث أهميّة الدين في المراحل المبكّرة من القرون الوسطى. فقد كانت قضايا الدين بالغة الأهميّة للناس الذين عاشوا في القرون الوسطى على نحو غير مألوف لغالبية من يعيش في الغرب المعاصر. وعلى المجتمع العلمي ذي النهج العلماني، بالإضافة إلى الإعجاب الشعبي العام المهتمّ بالفنون القروَسطية، أن يعِيَ ما كانت عليه تلك الأهمية. فبالإضافة إلى تلك الأمور التي وحّدت المسيحيين أو قسّمتهم، فإن عالمهم الديني كانت تملؤه المعتقدات الدينية الأخرى: فمنهم الوثنيين متعدّدي الآلهة، ومنهم أنصار الطوائف الدينية الشرقية المختلفة وأتباع زرادشت وماني، بالإضافة إلى المجتمعات اليهودية المترسّخة في الكثير من البلدان. ثم جاء الإسلام الذي كان له الأثر العميق عبر هذا العالم كلّه ولا سيّما من عاش على السواحل الشرقية والسواحل الجنوبية من حوض البحر المتوسط، من سوريا وحتى أسبانيا وكلّ ما وقع بينهما. وفي القرن الثامن، حدثت أوّل عمليّة معروفة في بيزنطة لتدمير الأيقونات-Icon ،وتسمّى الأيقونقلزمية-Iconoclasm . فقد حرّضت هذه العمليات عامّة الناس للإقدام على الموت في سبيل حماية رموزهم وصورهم الدينية.  ولأن الإسلام وضع تعاليم صارمة تحرّم انشاء الصور الدينيّة، وجدت روما نفسها تُخلص لهذه الأيقونات. أمّا لاهوتيي شارلمان فقد  بدؤوا بالتشكيك بما عندهم من صور ورموز دينية. وهكذا كان  القرنان الثامن والتاسع حرجين؛ للغاية لظهور  ثلاث مناطق منفصلة لا تخلو من ترابط: الشرق البيزنطي والجنوب الإسلامي – من مصر والشمال الإفريقي وأسبانيا – والغرب اللاتيني الذي أصبح فيما بعد أوروبا. وبتعدّد الأشكال فقد ظلّ هذا التقسيم قائماً إلى زماننا هذا.

الفقرات من 21 إلى 24 غير مشمولة في هذه النبذة

1.21. إن ما يزيد من سحر وافتتان هذه المرحلة من مراحل التاريخ، هوما تجسّد فيه من تفاني النساء للأيقونات الدينية في بيزنطة القرون الوسطى، وهي ظاهرة قد تكون قرينة بإبعاد المرأة من الهرميّة الرسمية للكنيسة. وهذا ما يطرح الأسئلة حول الدوافع الكامنة خلف  المرأتين اللتين أتحدّث عنهما في بحثي "نساء في الأرجوانية-Women in Purple"، واللتين استعادتا ظاهرة توقير وتكريم الأيقونات في سنة 787 ثم في سنة 843، عندما قامت الإمبراطورة آيرين  والإمبراطورة ثيودورا، كلّ في عصريهما، بإبطال السياسة الأيقونقلزمية، باقتراح ودعم من زوجيهما ودعم أنسبائهما الذكور الأبعد. وهما لَتبدوان لي أنهما توسّلتا بكلّ القساوة والمكر المتوفّر عند أيّ رجل احترف السياسة. لكنّهما بترأّسهما لهاتين المبادرتين فإنهما تولّتا زعامة سياسية لا توازيها أيّ زعامة سياسية نسوية أخرى في مجتمعات القرون الوسطى. فبينما يزعم  محدّثو تلك العصور أن شغفهنّ بالأيقونات الدينية إنما هو من سمات الضعف الأنثوي، نجد من الدلالات ما يدحض هذا الزعم بما يتيح لي أن أتحدّث فيه عن الإرث البيزنطي لحكم النساء في بحثي "الأنثى الإمبراطورية-The Imperial  Feminine". 

1.22. أما الطريقة الأخرى  لاستكشاف بيزنطة، فهي: الحفر بحثاً عنها. ففي المواقع الحفريّة والتنقيبيّة في اليونان وقبرص وفي موقع جامع كالندرخانة، وهو موقعٌ رئيسٌ يقع في قلب القسطنطينيّة، أو إسطنبول المعاصرة، عملتُ فيها على المادة الثقافية التي بُنِيت عليها تلك الحضارة. وباستكشاف الكنائس في جزيرة كريت وكايثيرا ، وهي جزيرة تقع قبالة البرّ اليوناني الرئيس من ناحية الجنوب، وبأرشفة الآثار الفخارية المكتشفة في عِزبة ضيعةٍ قروسطية من ضياع كوكليا  في الجنوب الغربي من قبرص، تجد نفسك  قريباً جدًّا من ساكنيها القروسطيين. وفي موسمي الأوّل للتنقيب الأثري في مدينة پافوس ، في قبرص أيضاً، وجدنا بقايا لهيكل عظمي أنثوي في أطلال قصر قلعة ساراندا كولونيس  وهي محتفظة بالخواتمّ الذهبية واللؤلؤية التي كانت ترتديها عندما ضرب زلزال عام 1222. وفي إسطنبول اكتشف عمّال الصيانة، أثناء تقصّيهم سبب تسرّب مياه في مسجد كالندر، تجويفاً خلف أحد الجدران القريبة من منظومة القناطر المائيةالضخمة التي ما تزال تهيمن على المدينة القديمة.  فاتّفق لأحد هؤلاء المرمّمين المهرة أن يتتبّع بيديه أثر نتوء على لوحٍ ما، فتنبّه إلى وجود نقوش كاشيّة، فتبيّن لنا لاحقاً أنها لوحة فسيفسائية من العهد البيزنطي المبكّر لمريم العذراء وهي تقدّم المسيح الطفل لـ شمعون . ومن الممكن أن تكون قد أُخفيت لدرء يد التدمير التي خُشِي أن تطالها جرّاء الفوضى الأيقونقلزمية. وعلى هذا النحو، فإن مصلّىً كنسياً  مُلئ بلُوَح الفريسكو المتشظيّة، كانت كُرِّست لذكرى القديس فرانسِس الأسيزي ، حُجِب عن الأنظار خلف جدار قرميدي في عام 1261 قبل أن يفرّ الرهبان من القسطنطينيّة بعد الغزو اللاتيني للمدينة. إن  هذين العملين الباهرين للفنّ المسيحي، الشرقي والغربي، تمّ ترميمهما فيما بعد على يد إيرنست هوكنز  وهما الآن يُعرَضان في المتحف الأثري في أسطنبول.

1.23. إن إدراكي وفهمي لبيزنطة قد تشكّل كذلك من الشواهد النائية لهيمنتها القروَسطية، فعندما كنت في أيام صباي، أذكر أني اصطُحبت إلى راڤينّا  في الشمال الإيطالي، عندها أدهشتني الصور الفسيفسائيّة  للإمبراطور جستنيَن وزوجته الإمبراطورة ثيودورا، والنجوم في القبة السماوية الزرقاء من ضريح غالا پلاسيديا ، ومواكب القدّيسين وقطعان الغنم التي تزيّن كنائس المدينة. وفي عام 2005 بعدما يزيد على أربعين عاماً، تشرّفت بالتسلّق إلى سقف كنيسة دير القدّيسة كاثرينة في شبه جزيرة سيناء، التي شُيّدت من قِبل نفس الزوجين الإمبراطوريين المذكورين، رغم مسافة الألفي ميل التي تفصل ما بين شمال البحر الأدرياتيكي والبحر الأحمر. وهناك، حيث يُعتَقَد أنّه موقع الأجمة المشتعلة، حيث خوطِب موسى وطُلِب منه أن يخلع نعليه؛ لأن الأرض  التي يقف عليها مقدّسة، قرأتُ النقوش المنحوتة التي تؤرّخ رعاية جستنيَن وثيودورا على العارضة الخشبية الأصلية التي قاومت العوامل الطبيعية في ظروف الصحراء المصرية المثالية للحفظ، من جوّ جافّ خالٍ من أيّ طفيليات. إن هذه التجارب الحسّية تعطي تماساً ومشاعر مباشرة لما كتبه المؤرّخون البيزنطيون عن حال الإمبراطور وزوجته.

1.24. إنّ بإمكانك أن ترى بيزنطة محفوظة في روما وصقلية وموسكو، وبالطبع تراها  بوضوح تامّ في القسطنطينيّة وفي كلّ أنحاء تركيا واليونان والبلقان. لكن ليس هناك ما هو أشدّ ذهولاً من أن تجد بيزنطة في محراب "المزكيتا-Mezquita"، أي المسجد العظيم في قرطبة بأسبانيا، الذي أمر ببنائه خليفة القرن العاشر الميلادي، الحَكَم الثاني. وليس هناك أشدّ مفاجأة من الوصول إلى مدينة طرابزون على البحر الأسود في أمسية متأخّرة بعد رحلة طويلة عبر سلسلة جبال الألب البنطية  لتناظر قصرها المعتلي المدينة.

1.25. كما تستمرّ بيزنطة في الحياة عندما تكون بين الأشهاد لتتابع نزول شعلة عيد الفصح من على الضريح المقدّس في أورشليم القدس، وعندما يخرج المطران من جوف القبر بشمعة مضاءة إشارة إلى انبعاث المسيح، ليشعل المؤمنون جميعهم شموعهم بعد رؤيته. وحتى في أثينا المعاصرة، فإن الجموع النازلة من جبل ليكابيتوس  بشموعهم بعد منتصف ليل أَحَد الفصح لهو تذكير قويّ لسلطة هذه المراسيم التي أحيَت المناسبة لما  يقرب من ألفي عام.

1.26. ولأسباب ستتضح في طيّات هذا الكتاب، سترى أن حاجيات بيزنطة قد بُعثرت على طول أوروبا لتُحفَظ في متاحف لا يمكن توقّعها. فستجد أنّك صادفت الحرير البيزنطي  فيما يسمّى بعباءة الإسكندر في باڤاريا، أو أنك عثرت على وثيقة عقد القران الخاصّة بـ ثيوفانو  و أوتو الثاني من القرن العاشر في مدينة وولفنبوتل  السكسونية بألمانيا، أو عاجيّات القرن العاشر التي كانت  تستعمل كأغلفة للكتب،والتي تنبّهك إلى الحرفيّين الذين صنعوها والثقافة التي ولّدت هذه الترفيات. أمّا في الغرب، فإن كلّ هذه التحف كانت  تمثّل لهم كنوزاً نفيسة على الرغم من أن العلماء الغربيين القروَسطيين ورجال الكنيسة هم المسؤولون عن التشويه المنهجي لما تعنيه لنا كلمة "بيزنطة".

1.27. وكنتُ كلّما أعددتُ درساً في تاريخ بيزنطة وجدتُ أن أواصر الألفة تزداد بيني وبينها. وأريد أن أخصّ بالشكر كلّ أولئك الطلاب الذين تحدّوا وجهات نظري. وبما أن العرف المتّبع هو أن يُقرّ المرء بالتأثير الواقع من خلال شغله لمناصب أكاديمية، فإنه في حالتي، أقول: إن تعييني في جامعة برينستون في عام 1990 قد أضاف لي الخبرة غير المتوقّعة جرّاء احتكاكي بمجموعة لامعة من الخرّيجين الذين اجتذبتهم هيأة تدريسية لا نظير لها. ووسط هؤلاء الزملاء المحفِّزين المتحفِّزين والطلاب المتحرّقين الفضوليين، تلقّيت التشجيع لتجربة طُرُقٍ جديدة للتعبير عن شغفي لبيزنطة. وكريستين ستانسيل  هي إحدى أولائك الزملاء الذين زاروني لاحقاً في لندن لتسألني بكلّ حنوٍّ وترجٍّ إن لم يكن: "الوقت قد حان لترجعي إلينا بحصادك؟". وإن هذا الكتاب هو جزئياً بسببها ولأجلها، كما هو لأجل زائريّ غير المتوقّعتين وبسببهما.

1.28. وهذا ما يرجعني للسؤال المنشود. ففي لندن من عهد شكسبير، كان البيزنط والكاڤيار معروفين على حدٍّ سواء، والبيزنط هو قطعة نقدية ذهبية سُمِّيت تيمّناً ببيزنطة،أما الكاڤيار فبيض السمك الذي كان سكّانها يستهلكونه بشراهة. فبهذه الطرق غير المباشرة، فإنك ستجد ميراث بيزنطة في أماكن لا تتوقّعها. وسيحاول هذا الكتاب تبيان سبب ذلك. وبدلاً من أن أتتبّع وأسرد الكثير من المقدّمات والدراسات بغية طرح نتيجة ما، فإني قرّرت أن أختار حوادث وآثاراً وخصائص وصفات شخصية معيّنة من بيزنطة، لأسكتشفها وإيّاكم ضمن إطارٍ عمليٍ يرصد التقسيم الأساس لتاريخ بيزنطة. إن الفصول السبعة الأولى، هي مخصّصة لمواضيع جوهرية مثل مدينة القسطنطينيّة، والقانون أو منهجية الرأي، والنطاق الموضوعي عبر الألفية البيزنطية. وستجد أن هنالك تقاطعاً مع بعض الفصول الأخرى، خصوصاً عندما يتمّ التطرّق إلى أحداث بعينها، وإن كان الطرح في كلّ حين يُعرَض من وجهة نظر مختلفة. وكانت مشكلتي الرئيسة خلال وضع هذا الكتاب هي مشكلة الإقصاء، حيث كان من الصعب عليّ أن أترك الكثير من الأمثلة الممتلئة بالغنى والفتنة والتفاصيل الدقيقة. لكنّني لن أتمكّن في هذه العجالة إلا أن أقدّم للقارئ "المازة"، أو "صحن المقبلات" وحسب. وقد يجد القارئ من نفسه التشجيع ليطالع المزيد من الأسفار الأكثر شمولاً في القائمة التي أذكرها في آخر الكتاب. وها أنا أبدأ المحاولة للإجابة عن السؤال الذي طرحه عاملا بناء في كلية كينغز، وأحاول أن أشرح لِمَ يجب علينا جميعاً أن نعرف المزيد عن التاريخ البيزنطي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.