الأحد، 26 أكتوبر 2014

هل من معجزة إلا الإنسان؟

عندما ينظر المرء إلى طبيعة المعجزة التي ترويها الروايات الدينية عن أشخاص من التاريخ وقعت لهم حوادث ووقائع خارج مألوفنا وطبيعة عالمنا، فإن العقل يقف متعطلاً عندما يحاول هضم ما يتلقاه من هذه المرويات. فأين آثار الطوفان الذي اجتاح الأرض؟ وأين أثر انشقاق البحر؟ وكيف أثّر ارتداد الشمس على فيزياء سير الكواكب السيارة حولها وعلى كيمياء ما وقع على سطحها وعلى بيولوجيا ما سكن ودبّ على سطح كوكبنا؟

إن القارئ في التاريخ وفي حضارات الشعوب، يجد أن الأساطير الإعجازية موجودة في كل الأديان وعند كل الشعوب وكل الحضارات. ومخطئ من يمرّ عليها ويهملها ولا يدرسها ويغوص في أعماقها. فالقارئ  الحرفي والسطحي، سرعان ما سيضلّ عن الحق المراد لو أخذ الأسطورة الإعجازية كما هي وحاول أن يقرأها قراءة حرفية في أحداثها، سطحية في شخصياتها، لا تمت للواقع المشهود والطبيعة المعاشة بصلة. وينبغي علينا هنا أن ألتفت إلى أن المراد من كلمة "أسطورة"، هي ليست مسبّة أبداً، ولا أريد أن أدخل في أصل الكلمة اللغوي أو الاصطلاحي ولا أريد حتى أن أخوض في معناها الإسلامي أو القرآني، فهنالك بحوث كثيرة بل مدارس رأي انقسمت في طريقة تناول الأسطورة الإعجازية وقراءتها ودوافع نشوئها والمراد منها. لكني أجد أني أود أن أشرح فهمي أنا للأسطورة: فالأسطورة هي نص حكائي يتكلم عن حوادث أو شخصيات ما عاشت في حقبة زمنية معينة، غالباً ما تكون بعيدة جداً، وتكون الأحداث والشخصيات والأفعال والانفعالات مرهونة بتفسير ظاهرة غامضة أو استخلاص عبرة أو حماية مكون من مكونات الجماعة البشرية العامة أو الخاصة، أو حفظ جانب قيّم جداً من جوانبها أو شخصيتها أو مُثُلها. والأسطورة عندئذٍ تتفاوت في قيمتها بتفاوت أهمية القيم أو الأفكار أو المفاهيم المراد تفسيرها أو حفظها أو استخلاصها أو تخليدها بين مجتمع ما أو بين المجتمعات البشرية كافة. أما إن خلت الأسطورة مما قد يُحفظ للزمن أو للأجيال فهي تتصاغر لتكون حدّوثة لهوية لا تصلح إلا لتسلية الأطفال.


ومن هنا فإن الضرورة تقتضي أن يتعامل المفكر الجاد مع الإعجاز الديني، لا سيما الساحق في القدم، معاملة الأسطورة، لا لتوهينها والاستخفاف بها، بل لتفسيرها وأخذ العبرة والاستفادة منها، وخصوصاً في هذا الوقت الذي تتوفر فيه المعلومات وأدوات البحث والمناهج في تناول الأسطورة أو المعجز. وفي نفس الوقت على العاقل أن يقلل من الأهمية الباذخة التي توليها بعض المؤسسات الدينية للمعجز على حساب أهمية الإنسان بنفسه. فعلى الإنسان أن يضع الإعتبار، كل الاعتبار لقيمته الإنسانية أولاً قبل أي اعتبارٍ آخر. وعليه أن يهمل كل ما قد يؤدي إلى إضعاف قيمة الإنسان وتوهين شرفه وتضييع عقله وهدم ديمومته وضعضعة رقيه، وأن يركّز على كل ما يعزز من شأن الإنسان وكرامته وسعادته. أما الذين يستعملون الأسطورة والمعجز لخدمة أطماعهم وأهوائهم بين البشر، فلا حديث مع هذه الفئة أصلاً.

لقد خلق الله الكون لهذا الإنسان، وخلق الإنسان منه وله تبارك من خالق. وإن أي دعوة تشجّع على عكس هذه الآية الغائية هي دعوة باطلة. فإن كان الكون مخلوقاً ومسخّراً لأشرف الخلائق فلا يجوز -من أولى- أن تعكس الآية فيصبح الإنسان المحمول على رأس الكرامة خادماً بل مسحوقاً على حساب أحدوثة أو واقعة وقعت أو لم تقع قبل ردح الأزمنة ودرس الأحقاب.

إن من لطف الله ورحمته أنه أوجد الإنسان وخلقه وعرّفه بنفسه وبآياته وصب عليه من أفضاله ونعمائه ما لا يُعد وما يرى وما لا يُرى. وجعل خلقه وحياته وفكره أطواراً متطوّرة. ففي النشأة هي أطوار وفي المعاش هي كذلك، وفي الكدح وفي العقل وفي الجماعة وفي الحضارة وفي كل ناحية من نواحي حياته. وإن حال الإنسان في رقي ما جُعل يحوم حول معرفة آيات الله استعداداً لتسخيرها لنفسه. وهو فاعل ذلك، ولا شك، بالتعاون والتكامل الإنساني بين كل بني آدم. فالله جعل السنة بين البشر هي التعاون بين الجماعات والقبائل والشعوب –حرباً أو سلماً حسب اختيار البشر- لكي يتسنى لهم الإرتقاء في سلم الحضارة والمعرفة والازدهار.


إن المعجزة الحقة ليست في بعض الأحداث التي تروى هنا وهناك مما لا تصدّقه الطبيعة ولا يقبله العقل. فالله جل وعلا خلق وأعجز بإيجاده الوجود وخلقه الخليقة. ومن ذلك فإن كل ما نراه أمامنا هو معجزة حية مدامة. بل إن الوجود كله معجزة الله التي ظهر بها وهذا الوجود هو الآية الكبرى. وكل آية من آيات الله هي معجزة منفصلة بحد ذاتها ومرتبطة بمعجزة أخرى تقبع إلى جانبها. ومن آخر المعاجز الإلهية والآية القسوى هي الإنسان. أما ما يفوق الإنسان من إعجاز فهو عقل الإنسان وما يفوق عقل الإنسان فهو الإدراك وما يفوقها هو الإرادة. فهل بعد كل هذه المعاجز التي نراها ونعيشها، يرد ذكر أو اعتبار أو حجية لبحر انفلق هنا أو تنور فار هناك؟ لا بل لكي نزيد، فما الخلق والعقل والإرادة؟ فهل هي إلا مقدمات لمسألة أجل وأعمق؟ ألا وهي المسؤولية الملقاة على الإنسان بعد أن صبت عليه النعم صباً، والأمانة التي أستودعت في جنباته، والغاية من الوجود التي سيُسأل عنها الإنسان عندما يلاقي ربّه.

المختار موسى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.