عندما يخرج علينا الكتاب وأرباب الأعمدة محاولين تحليل المشاكل التي تعتور مناهجنا،
وتبيان الأخطاء التي وقعت فيها عقليات المربين الأعلون في وزارة التربية، فإنك
تراهم يشرّقون ويغرّبون ويصولون ويجولون في مواضيع وقضايا ممتازة ومهمّة. فهم
يناقشون قصور الجهات المعنية -على جميع المستويات، في البيت والمدرسة- عن نهج المنهج
الوسطي وطرح التسامح كسلوك لاستئصال شأفة الفكر المتشدّد الحاضّ على العنف والكراهية
والتكفير.
لكن هؤلاء الذين يحاولون رسم طريق يهتدى به نحو
الوسطية والتسامح، ويتسابقون إلى إسداء النصح للجهات الرسمية يغفلون، عن الأمر الأهمّ،
غفلةً تحيّر المربي الذي يمسك بأبسط أدوات التربية السليمة والصحيحة. وجدير بالذكر
أن المربي الذي أعنيه، لا يشترط أن يكون مسلماً أو عربياً أو يعتمر شماغاً أحمر
ولحية كثة لكي يملك الحكمة التي يخرّج بها الأجيال الصالحة الخلوقة المحبة لكل ما
هو خير وكل من هو خيِّر.
إن للمدرسة دور عظيم في حياة أي أمة تسعى
للتطوّر والرقي، وهذا من المسلّم به. لكن ما يغيب عنّا هو طبيعة هذا الدور الذي يجب
أن يناط للمدرسة. فأذكر حين كنت في المدرسة، عندما علمت أن اسم الوزارة المعنية
بالمدارس والتدريس في كثير من الدول العربية تسمى عندهم "وزارة التربية
والتعليم"، في الحين الذي كانت فيه وزارتنا العتيدة تسمي نفسها "وزارة المعارف"،
لم أستغرب من الاسم الأول، بل استغربت كيف تكتفي وزارتنا بدور لا يتعدى دور المتعامل بالمعرفة فقط. بل
إن هذا الاسم لهو اسم مبهم لا يُفهم منه ما يُراد. فهل دورهم هو حصر المعرفة وجمعها
في الكتب؟ أم هو تأسيس المعاهد البحثية لصالح المعرفة؟ أم هو إنتاج الدوائر
المعرفية الموسوعية؟ أم ماذا؟ الشاهد أن الاسم القديم لا علاقة له بالمدارس
والتعليم. إذاً، فالمشكلة مشكلة رؤيَويّة عند أعلى جهة رسمية، ليس في هذا اليوم، بل
منذ انطلاقة التعليم في البلاد قبل عشرات السنين.
ونحن نحمد الله أن الوزارة التفتت إلى هذا
الخلل الجوهري، الذي قد يبدو أمراً ثانوياً وهامشياً للوهلة الأولى. لكننا ما زلنا
نرى ابتعادها عن مسماها الحالي في التربية والتعليم في أفعالها. وإذا قلنا أن
الجهود تتحسن وتتطور في تحسين الثانية فإننا لا نرى أي محاولة للعمل على الأولى. فنحن
نرى غياب أهم عنصر من عناصر التربية، أو لنقل أننا نرى ضبابيةً وتماهٍ في تناول
أهم عنصر من عناصر التربية السليمة والقويمة، ألا وهي الأخلاق.
ومع الأسف فإن هناك سوء فهم في خطابنا الشعبي
لتناول مفهوم الأخلاق. فلو حدثك زميلك عن شخص ما بأنه خلوق، فإنه غالباً ما سيعني
أن سلوكه وتصرفاته لبقة تنسجم مع الذوق العام، مُغفلاً أن ذلك الشخص قد يحمل في نفسه وسلوكه مثالب
قتّالة مثل النميمة أو الكذب أو الحسد أو الظلم أو الفحش... إلخ. وقد يحمل مثالب
أخرى أكثر وضوحاً، يستمريها هو كما استمراها المجتمع كله مثل الفساد المهني والكسل
وخيانة الأمانة وانحطاط الهمّة والعنصرية وحب اللهو والطبقية والاختلاس والتعدي على
الحقوق العامة والخاصة وغيرها من الأمور التي قد تبدو مألوفة لنا إن لم تكن مفخرة
المفاخر. ولا حاجة لنا أن نتوسّع بسرد تلك المثالب التي تمهّد الطريق نحو التطرف
والتشدد والعنف لأن صحفنا هذه الأيام ملأى بالـ"متنورين" الذين يتلمّسون
تشخيصها وتعريفها.
لكن الذي يغيب عن الكل بشكل صارخ هو الأخلاق
كوحدة موضوعية متخصصة ومنفصلة عن أي موضوع آخر. فإنك لن تجد في أي منهج تعليمي مقرّر
في أية مؤسسة تربوية تعليمية تعترف بها الوزارة المعنية مادة تتفرد بتناول الأخلاق!
إبحث لي عن مادة متخصصة تبحث في الأخلاق – مادة، أيٍّ كان عنوانها أو شكلها أو
لونها وفي أي مرحلة دراسية. وأنا سأكون في غاية الذهول والشكر لو أطلعتني على
واحدة. وعلى الطرف النقيض فإن الغرب الذي ندّعي أنه منحل أخلاقياً يولي اهتماماً
متزايداً لهذا الموضوع الجوهري في بناء الإنسان.
خلاصة القول، يجب أن تكون مادة الأخلاق من
الركائز الأساسية التي يرتكز عليها النظام التعليمي الجاد الذي يسعى للتربية قبل
التعليم. ويجب التركيز على الأخلاق تركيزاً مكثفاً قبل أي مادة أخرى خصوصاً مواد
الدين، ومواد الاجتماعيات، لأنهما اليوم المنفذين لبذر بذور الكراهية والانحراف. ومع هذه الخطوة لابد من تخفيف جرعة المواد الدينية إلى أبعد
حدّ في المرحلة العمرية المبكرة سواء في المدرسة أو في البيت. فلا شك أن الأزمة التي
تعيشها الثقافة العربية عامّةً، هي ليست أزمة دينية فالتعاليم الدينية تغرق البيت
والشارع والمدرسة والمسجد، بل هي أزمة أخلاقية بالدرجة الأولى.
أما في مراحل الروضة والصفوف الأولى فيجب أن تعطى
مادة الأخلاق بمعزل تام عن الدين، لأن الأخلاق مجموعة من القيم الإنسانية الأساسية
التي يفهمها ويحس بها الصغير قبل الكبير، فضلاً عن أنها قيم مشتركة بين كل التوجهات
الإنسانية. فالمسلم يتحلى بالأخلاق كما أن المسيحي واليهودي يتحلى بها. وإنك سوف ترى
المجوسي والبوذي واللاديني كلهم يتحلون بها، ويقدّرونها تقديراً خاصاً في التعلاملات
البينية بين الديانات المختلفة. ثم إن الأخلاق تربي السجية السوية عند الطالب وتهيّء
له الإنسجام مع كل الأفكار الحسنة والسوية. بل هي تزرع في نفسه القدرة على الحكم على
الأمور بمبدأ وأساس أخلاقي لا يمكن أن يختلف عليه اثنين من بني البشر.
إذا هي الأخلاق ثم الأخلاق ثم الأخلاق ومن بعدها
بإمكانك إشراع أبواب العلم الأخرى والتي سوف تقيَّم في ذهنية الطالب على الأسس الأخلاقية
الحميدة التي زرعتَها فيه. ومنها، فإنه لن يجد الحرج أبداً في تمييز المعاني
الرفيعة والسامية التي تمثلها تعاليم الإسلام. بل إنه سيقبل عليها بشغف ولهفة. ذلك أن
الأخلاق قد روّضت نفسه على حب الخير ونبذ الشر. وليعلم المربي والمعلم، بأن ذلك الطالب المؤدب على الأخلاق، إن أقبل على الدين، فإن ما يلقنه هو الدين الصحيح الذي قيس بمعايير الأخلاق. وإن أدبر فليراجع المعلّم مادته
وليعرضها على أولي الأخلاق ليبيّنوا له خلل مادّته.
المختار موسى بوخمسين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.