الأحد، 26 أكتوبر 2014

الفقه الإسلامي، أينه وتحديات العصر.

في خضم الفوضى التي تعييشها أوطاننا العربية والإسلامية على وقع النتائج الكارثية التي تسببت فيها موجة الربيع العربي - التي لم تنتج ربيعاً – ومنذ ظهور ما يسمى بحركات الصحوة الإسلامية التي أتت مع موجة مجاهدي أفغانستان لتكتسح الكثير من الأوطان العربية والإسلامية في الثمانينيات وما تلاها من اضطرابات عالمية في 11/،9 واختراقات الجماعات الإرهابية المسلحة لأوطاننا، فقد أصبحت فكرة الدولة القُطْرية العربية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أمام تحدًّ وجودي أمام الموجات الصاعقة التي تحدثه الصراعات العبثية بين القوى العظمى والصغرى. ولا شك أن ما أحدثته هذه الموجات على مفهموم الدولة من زعزعة أو تدمير أو انهيار كلي -في بعض الأحيان- كان له أبلغ الأثر في حياة الشعوب والأفراد. ومن الطبيعي أن يصاحب تراجع سلطة الدولة وهويتها العلمانية، تراجع قسري لمؤسساتها العلمانية المختلفة. فمع انهيار الحكومات وفشل أجهزتها ومؤسساتها، وتراجع وتيرة أدائها فقد أحدث ذلك فراغاً كبيراً في حياة الناس من غياب في الأمن والقانون والنظام العام. وقد كان البديل الوحيد في كثير من الدول هو إعادة تفعيل دور المؤسسات الدينية النافضة عن عباءتها غبار الزمن المتراكم، لتنبثق مجدداً من رحم المؤسسات التراثية للتصدي للتحديات التي فرضها الواقع لتسد الثغرات المحدثة وتلبي الاحتياجات العامة للناس.


ومع احتدام الصراع بين النخب الثقافية والتيارات الإسلامية والأصولية، في الإعلام وغير الإعلام، فإننا، بين الحين والآخر، نرى أصواتاً تعلو مزمجرة لمحاولة نقد هذا التراث المنبثق في عصر الفضائيات والرقميات والمعلومات، وقد نهض وهو (أي التراث) يرتدي بلا شك الرداء القدسي، يعمل في الميدان تحت عنوان الواجب أولاً ثم تحت عناوين ومبررات فرعية أخرى مثل الحاجة الفعلية للناس واستثمار الفرصة لترسيخ القدم في حياتهم.

وإن من أبرز هذه المؤسسات الدينية التي تحاول إثبات الوجود بعد التراجع الكبير للتوجهات اليسارية والثقافة العلمانية هي مؤسسة الفقه الإسلامي، رغم أنها ما انقطعت تمارس دوراً بارزاً في كثير من المجتمعات العربية، مثل الخليج وبعض ديموغرافيات العراق. والفقه الإسلامي كمؤسسة هي إحدى أقدم المؤسسات الدينية والمدنية منذ صدر الإسلام، فقد تطورت وتفرعت، وتأسس عنها الكثير من الأبواب العلمية والمناهج العملية والمؤسسات الدينية والمدنية الأخرى، لترقى إلى تحديات أزمنتها وظروف بيئتها. وقد كانت بطبيعة الحال متذبذبة في الأداء وفقاً لظروف الازدهار والانتكاس، فقد عرفت هذه المؤسسة المجددين اللامعين الذين شرّفوها وتشرّفوا بها، كما تأثّرت بالظالمين والمرقة الذين خيّبوها وضيّعوا قيمها ودورها.
مؤسسة الفقه الإسلامي اليوم، كنتاج عِلمي وكمنهج تشريعي ، -بمعزل عن مركزها القيادي- تعاني أمام الناقد المتسلح بأدوات العصرنة ومقاييس الحداثة ومعايير النظرة الكونية للقيم والغايات الأخلاقية والإنسانية. فكثير من مرتكزاتها ومبادئها لم يطرأ عليها أي مراجعة أو إعادة قراءة، ولم تُسقَط عليها القيم الإنسانية المتفق عليها عند كل عقلاء الدنيا بحكم تقدّم الحضارة الجمعي، ولم يعاد قراءتها على ضوء بعض الإنتاجات الفكرية والإنسانية الحديثة مثل ما نصّت عليه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والوثائق الدولية لحقوق الإنسان (حقوق الإنسان/الطفل، مناهضة العنصرية والعبودية والتعذيب، والتمييز ضد المرأة، إلخ) ، ومثل ما جاء في موايثق الجنايات الدولية في الحرب والسلم وغيرها من دساتير العالم والدول الوضعية. فنحن ما زلنا نرى بعض الأحكام الفقهية التي يتضح منها خللاً واضحاً، في مبناها أو منهج تشريعها أو تأويلها أو تطبيقها.

ودون الخوض في تشعبات مناهج الاستنباط وأصول الفقه التي لا يتناولها إلا المتخصصون في هذه الفنون، فنحن من غير المتخصصين لا نحاكم الفقه الإسلامي إلا بناتجه كما نحاكم المهندس والطبيب على متانة عمارته وصحة مريضه. وكما نحاكم الصانع والطاه على ما نستهلكه من نتاجه. فنحن نرى اليوم أن المتدين والملتزم بالأحكام يعيش حالة إدبار عن الحياة العصرية. وقد رأينا الكثير من الشباب الذين تخلّوا عن أثقال الأحكام الفقهية التفصيلية بعد أن انطلقوا في حياتهم العصرية بحكم كسب الرزق والانخراط في المهنة وتأسيس البيت وتربية الأبناء وانفتاحهم على الحداثة والثقافات العالمية، ما سبب لهم اغتراب ونفور عن جذورهم المتدينة، بل في بعض الأحيان نفور وترك لأي أمر يدعو للتدين.

ولا حاجة للمرء أن يشير إلى أمثلة كثيرة من هذه الأحكام المسخية، والأسس البنائية، فحسبه ذكر الرأي المموّه للفقه المعاصر إزاء العبودية حتى بدأت الفكرة تدغدغ أهل الجهل والهوى وتجرؤهم على الأعراض والرقاب، ورأيه في الزواج من الأطفال والرضع وما يستتبعه زواج كهذا من أحكام تشيب معها الكروش. والجدير بالملاحظة أن هذين المثالين قد تجاوزتهما الأنظمة الوضعية منذ قرون. وفي البناء التشريعي، ما زالت هنالك قواعد فقهية كبرى مثل قاعدة "العادة محكّمة" أو قواعد فرعية مثل: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" و "سد باب الذرائع"، وهي قواعد ظرفية غير مطلقة كانت السبب في فتح باب التحريم للكثير من الحلال بعد أن تعالت في الأهمية على قاعدة "الأصل في الأمور الإباحة". أفلو كانت عادات الناس كلها تغيرت وابتلاءاتهم تبدّلت، أفلا يكون ذلك محفز للمراجعة الشاملة؟ ثم لو رجعنا وقارنّا أمثلة من الدساتير الوضعية المجمع عليها عند العقلاء، مع الكثير من الأحكام الفقهية البالية لرأينا التناقض الصريح بينهما، فهل يعقل أن يعجز الإسلام الحنيف وتعاليمه العظيمة أن يصل إلى ما وصلت إليه هذه القوانين والدساتير الوضعية وهو "أصلها"؟

هذا من جانب. ومن جانب آخر، فإننا لو غضضنا الطرف عن صلاحية الموجود من التراث الفقهي بين أيدينا، وتفحصنا الأبواب المطروقة في الفقه الإسلامي فإننا نلاحظ أنها توقفت عن مواكبة روح العصر واحتياج الأمة مع تراجع العالم الإسلامي في كافة مناحي قوّته. بل إننا نرى من فصول التاريخ الإسلامي، الحيود الخطير عن غاية روح الإسلام في تطوّر الفقه الإسلامي وذلك بملاحظة التضخّم الرهيب في بابه الثانوي: باب العبادات والمستحبات. بل إن المراقب سيرى التضخم يتفاقم كلما تزايد انسحاب هذه المدرسة الفقهية أو تلك عن واقع الناس السياسي والاقتصادي. أما فقه المرأة والمجتمع والسلوكيات العرفية، فقد بقي جامداً جموداً تحسب منه أنك ما زلت تعيش في القرن الثالث الهجري لو تهيأ لك معايشة واقع الدوائر المتدينة التي تحيي أصول وفروع هذا الفقه. كما أن الجمود طال باب مهم من أبواب الفقه هو باب المعاملات، الفردية منه والتجارية، رغم المحاولات الخجولة التي ظهرت في القرن الماضي لتطوير بعض النواحي الظرفية لأحكام هذا الفرع. أما باب الفقه الجنائي فإن أحكامه أيضاً جمّدت وغلب عليها المحافظة على الشكل على حساب الغاية والمقصد اللذين أُفرغا من مضمونهما في كثير من الأحيان. أما فقه الدولة المدنية أو الدساتير أو المعاملات التجارية الدولية أو الصيرفة أو القانون الدولي، فلا يوجد في مؤسسة الفقه الإسلامي أي إطار علمي أو عملي متكامل قائم حالياً لمناقشة أحكام هذه الأبواب الفقهية وقضاياها من الأساس. كل ما أُنتج على أرض الواقع اليوم، هي بعض الأحكام المتفرعة عن أبواب موجودة أصلاً، أو بعض الحيل الفقهية التي تؤدي غرض إخراج المكلف من دائرة الحرج! وفي كلتا الحالتين فإن هذا النسق شبه "الإرتجالي" و "الإنفعالي" لاستصدار الحكم الشرعي، لا يعالجان الموضوع على أصله ولا يحققان المنفعة التامة للقضية المطروحة.

الأزمة الحقيقية تكمن في أن المجتمع الواعي، الواثق بقدراته، الحي في ضميره، الملتزم مع مبادئه، المخلص لرسالته، يأبى أن يعيش عالة على غيره فيلبس أثواباً لم تفصّل على مقاسه، كما يأنف أن يرتدي خرقاً مغبرّة ممزقة قصيرة. إن القانون والتشريع وسيادتهما وسلطتهما هو هذا الثوب الذي أعنيه، بكل فروعه وأقسامه سواء كان القانون العام أو الخاص وبكل أقسامها، من دستوري ومدني ومالي وتجاري وغيرها. فإن الذي ينظر إلى الفقه الإسلامي بكل الكوامن التي يحملها على أنه مجرد مسائل عبادية شعائرية مضاف عليها بعض الضروريات التنظيمية الحياتية، فقد فوّت المقصد الأسمى منه. ومع الأسف فإن مؤسسة الفقه الإسلامي لا تنظر لما بين يديها على هذا القدر من المسؤولية. ولا ينتظر منها عامّة المجتمع أن تنهض إلى هذا المستوى.

بطبيعة الحال، فإن الكلام السابق لا يقصد به فقه المدارس الإسلامية الراديكالية أو المتطرفة أو شرائع الحركات التكفيرية المتشددة، بل المقصود هو فقه المذاهب الإسلامية الخمسة الرئيسة (مالكي، شافعي، حنبلي، حنفي، جعفري). وإلا فإن الكلام ممسوك عن أولائك المتشددين كي لا يبيحوا دماءنا لمجرد مخاطبتهم، وتقليب مسلّماتهم. كما أن عصرنا لا يخلو من محاولات جادة ترقى إلى مستوى التحديات. وهي محاولات لم تأتِ من فراغ بل أتت تلبية للظروف الثورية التجديدية التي بدأها أصحابها العظماء. لكن مبادرتها وإن استندت على الفقه الإسلامي - كما استندت الكثير من الأنظمة الوضعية الأوروبية – فإنها سرعان ما انفصلت عنه ولبست لبس المناهج الغربية الحديثة في الوصول إلى القوانين والتشريعات.

إننا، من كلامنا السابق، لا نريد التصريح أو التلميح أن القوانين الوضعية هي أفضل من الإسلام كشريعة ولا نقصد أنها أفضل منه كمقاصد أو غايات حياتية، إنما نريد أن نشير إلى أن العمل في ميدان الفقه والاجتهاد الديني، هو عمل في ميدان العلوم الإنسانية وهي ميادين عمل بشرية تنهض وتتعثر وترقى وتنحط. وكل العاملين فيها قد يصيبون وقد يخطؤون. والخطأ في الاجتهاد والتأويل الفقهي لا يعني أبداً تخطيء النص الديني المقطوع في صحته وثبوته، وحسبنا تخطيء النتيجة النهائية المبنية عليه. والعامل في هذا العلم، تحكمه ظروفه وأدواته، ويجب أن نحترم ونقدّر عمل المخلصين فيه كما يجب أن نعذر قصورهم إن ظهر. وعلى نفس الوزن فيجب أن نكون منصفين في تقييم صلاحية هذه الحصيلة العلمية في زماننا الحالي، مدركين أن هذه الحصيلة غير محصّنة بحصانة القدسية بل هي محكومة بأحكام المنهج العلمي في تقييمها ووزنها. ونخضعها لإعادة القراءة بأدوات العصر ومقاييسه، ليكون المكلّف خالياً من الانفصام في شخصيته وسلوكه، وليكون قادراً على أن ينهج منهجاً حياتياً معتدلاً، ولكي تعاد الثقة المفقودة بهذه الرسالة وهذا الدين العظيم.

مما سبق، فإننا نزعم أن عجلة التجديد الفقهي الجاد توقفت مع تراجع الأمة الإسلامية بكافة تواجهاتها مع سقوط الدول والدويلات الإسلامية التي تحمل المقومات الحضارية في بنيتها، ومع ظهور الإمارات والحكومات المعزولة والمنكفئة على نفسها، حيث أن هذه الإمارات الصغرى اكتفت بتأمين الحد الأدنى من أساسيات الوجود لتأذن ببداية عصر الانحطاط العربي والإسلامي.

ولكن، يأبى الله أن تُنسى كلمته، فإن آخر ما تُوُصّل إليه من نتاج فقهي لم يبقَ طويلاً ركين الأرفف وحبيس دفّات الكتب، بل هُيّء له أن ينبثق وينمو ويتطوّر من جديد على يد روّاد العالم آنذاك ولو بعنوان مختلف وهوية مختلفة. لقد حدث ذلك في وقتٍ كان العالم في أمس الحاجة إلى نبراس هدىً لتجديد وإصلاح الأنظمة والقوانين المدنية والدولية التي بَلِيت واندرست. لكن تلك قصة أخرى، قصة الفرنسي الذي دخل بجيشه غازياً قلب عالمنا، فرأى النور يفور من صميم أرض طيبة بخيراتها وأهلها، وقد أعشاه قبس منهاج السماء عبر التعاليم السمحة الحية في الناس وبين سطور الفقه الإسلامي الموروث. وعلى يدي الفرنسي الغريب حلّق التراث الفقهي للمدرسة المالكية الزاخرة في سماء الحداثة وأخذ مكانته التي يستحقها بين العالمين بعيداً عن منبعه وأهله الأوائل، فكان من آخر الهدايا المكنوزة التي أهدتها أمة محمد للعالم فاستودعتها في يد الآخر، لعلّه يقرّ لنبيها العظيم بجميل الثناء والاتّباع، ويعترف لها بما أحسنت أيام تفوّقها. 



المختار موسى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.