الخميس، 20 نوفمبر 2014

قراءة في كتاب اسم الوردة

اسم الوردةاسم الوردة by إيكو أومبيرتو، أحمد الأصمعي
My rating: 5 of 5 stars

بعد أن أنهيت هذا الكتاب اليوم، خيمت عليّ غمامة كآبة حقيقية جراء قوة تأثيره الرائع عليّ. كتاب فيه كثير من الحكم والتساؤلات واليقين والشك والجد والضحك والانعطافات الدرامية والمسارح الإجرامية. هو كتاب عميق ومثير للخيال ويبعث فيك الرغبة الحارقة للبحث عن ذاك العالم والتقاطه، ولو كان كمن يحاول التقاط دخان بشبكة صيد الفراش. فلسان حال الكتاب يقول لك أنك أيها الإنسان حافظٌ مسؤول عمّا في عالم الإمكان لا بل في عالم المستحيل، فإن نجحت في المحافظة فإن عوالم كانت وعوالم مازالت كائنة وعوالم قد تكون، ستكون، وإن فرطت الحفاظ فما كان كائن لن يكون أبداً.



وبغض النظر عما قيل عن الكتاب أنه يحتوى على نص متقلب مفتوح قابل لحمل أوجه عديدة وتأويلات لا نهائية، وبصرف النظر عما أراده الكاتب من نصه في أن يكون تجربة سيميائية تكون مفتاحاً عملياً ونموذجاً لتنظيراته السيميائية السابقة، فإني أود أن أعبّر عمّا عشته أنا من أجواء في هذا الكتاب الساحر. وإذ يرى الكثير أن الأحداث والحوارات التي يحيكها الكاتب تطرح الكثير من التساؤلات الفلسفية وتستعرض بعض وجهات النظر فيها فإنها تطرحها كأفكار فلسفية مجردة عن ظروف تطورها كأفكار، والكاتب يصورها على أنها تساؤلات تنشأ عن بطل الرواية، مستقلة عن من وضعها وفي أي وقت وضعت.

وقبل الخوض في محاسن الكتاب أكتفي بالقول أن الكتاب طويل جداً لأنه يغرق في سرد الخصومات الكنسية والسياسية لتلك الحقبة بطريقة يصعب فهم الغاية منها، وهي بالنسبة للقارئ العربي، أقرب ما تكون إلى الحشو لأنها أولاً، تتكلم عن أحداث أوروبية لا تمت لنا بصلة. وثانياً لأنها تروى في محاورات وأحاديث المتكلمين الذين يتناقلون سرد الأخبار ذات تأثير غير مباشر على مجرى القصة في فصولها الأخيرة. إلا أن هذه السرود تضيف للقارئ التوترات السياسية والدينية التي تتصف بها تلك الحقبة. إلا أن أخبار الصراعات هذه، يتخللها الكثير من الإلماعات الجميلة التي تعطي القصة عمقها، وتخرجها من تصنيفها التاريخي والبوليسي إلى تصنيف إنساني وفلسفي وفكري.

أما النقاط الحسنة التي شدت انتباهي في الكتاب فهي عديدة، وقد لا يصح أن نسميها نقاط بل هي أقرب أن تكون أجواء عامة يصفها الكتاب بوضوح يأزّم عاطفة القارئ:

1. ديناميكيات التعصب الديني: من صراع وتكفير وتداخله بصراع القوة، وهو ما يبرز في الكتاب مباشرة ويستمر إلى آخره.
الكاتب دائماً ما يقدم استعارة القطيع المسيحية: الشعب هو القطيع التائه، والسلطة السياسية هم الكلاب، والسلطة الدينية هم الرعاة، فإن تنازعت السلطتين كان الضحية هو القطيع. وهو دائماً وقود الصراعات وضحيتها، وهو أول من يقدّم إلى المحارق، رغم أنه لا يملك حولاً ولا طول في وضع عناوين الفرق وعقائدها واختلافاتها.

2. غواية المعرفة وشبقها: وما يتبعها من نوازع وشهوات وتبريرات، وهي الدافع الأول الذي يسحب مجرى القصة من ناحيتها البوليسية.

3. مظاهر الاختتال الاجتماعي والفكري والثقافي لنخب أوروبا القروسطية: لا سيما الدينية منها ومغاور الخرافة المتجذرة وتحجر النظرة تجاه الحياة وحصرها في بعد ديني صرف وبساطة الكثير من المفاهيم التي نأخذها نحن اليوم بتسليم وتهوين. ويصح لنا بامتياز إسقاط المحيط العام والسلوكيات الاجتماعية للرواية على ما حدث أو يحدث أو قد يحدث من اضطراب في بلداننا المعاصرة خصوصاً بعد استفحال العناصر الإسلامية المغالية فيها.
ومن أمثلة ذلك، نظرة إنسان تلك الفترة نحو الفقر بتعظيمه له بقصد حكر الثروة والمال على طبقة النبلاء والأثرياء القليلة. ومن بين الأمثلة، تفشي الأمية التي تفاقمها الاضطرابات الأمنية والتمازجات العرقية واللغوية. ومنها صعوبة التمييز بين العلوم وأشباه العلوم وتولية من لا علم حقيقي له المناصب الكنسية المهمة. وطغيان النظرة الأحادية للحقيقة المملوكة والتعصب الأعمى ونبذ الآخر. والتوقف شبه الكامل للفلسفة التي لم تتطور منذ عهود الحكمة الأولى وحكرها على الأعمال العلمانية غير الدينية في الحين الذي ترى فيه الأوساط الدينية أن تلك الفلسفة "الإلحادية" هي التي ستقضي على هيبة الدين.... إلخ.
إن كل ما ابتليت بها المجتمعات في تلك العصور الحالكة والتي تتخبط بأنواع المشاكل المعيشية والطبقية والفكرية هو سمة رئيسة من سمات ذلك العصر. ثم يأتيك مورد للإعجاب من بين تلك السوداية يتمثل في بطل الرواية حين ترى فيه من يمكنه بصفاء نفسه وعبقرية ذهنه أن يسمو من حمأ الواقع ويستنير بالشيء اليسير الذي توفر له من نور العقل وحكمة السماء والأرض لينير الدرب لغيره فيزهر عقله في سيرته وفي محيطه.

4. التمهيد لعصر التنوير: وهي من الأمور الجميلة التي يتطرق لها الكاتب وبأسلوب الحوار الدرامي، بتناجي الأستاذ وتلميذه. وفيها يأتي على ذكر الحركة العلمية من الشرق إلى الغرب متمثلة بأمهات الكتب العربية التي كانت تهديها سفارات العرب إلى ملوك الغرب في الطب والفلك والرياضات والبصريات وسائر العلوم. هذه الكتب التي صارت تعطي القوانين المبنية على السببية والعلّية، أنبتت في الغرب البذور الأولى للوجودية المادية وبدأت تخلق في المجتمعات الكنسية فلاسفة في العلوم الطبيعية تتخذ الطابع اللاهوتي، وكيف أن هذه الفلسفة المادية ساهمت في تعاظم الحرص على اقتناء العلوم الشرقية بكل أشكالها، لا لغاية العلم وحده، بل لغاية تطبيقاتها العملية المختلفة، لتقوية قطيع الرب وإبدال ثقافة الفقر الرائجة بثقافة الاقتصاد المخدوم بالعلوم الطبيعية. وهي كانت اللبنة الأولى والحاضنة لعصور التنوير الأوروبية اللاحقة.

الكتاب مع بلوغه ذروة الأحداث ومع انعقاد الأقفال الأخيرة يبدأ يفيض بالاستنتاجات الوجدانية الخاطفة للروح، فمع كل ما عاشه القارئ من عذابات درامية ووجدانية فلسفية خلال القراءة فإن مجموعة من الحوادث الختامية التي تبقي القارئ مذهولاً ودامياً في فؤاده، يبدأ بتأويل كل فكرة أو تأمل يسردها الراوي على أنها شحوب في ألوان المشهد وخفوت لإشعاع جوهر الراوي الذي عاش ما شيّب روحه وهو ما زال يافع السن. أبدع الكاتب في تصوير ضياع المعرفة في كتابه هذا بأنها ضياع لفرص خلق خلقٍ كثير، كان يؤمّل لها أن تكون موجودة إلا أنها اعتزلت الوجود حين حدّت الأقدار من مشيئة الموجد في وجودها، ولا تجديف هنا.
الكتاب (أي كتاب) هو مجموعة من المدلولات الساكنة التي لا تتحول إلى عالم من الخلق إلا حين تعانقها مشيئة القارئ الذي يخلق عالماً بفكره ممتلئ ببحر من المشاعر والوجدانيات في قلبه.


View all my reviews

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.