الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

حي بن يقظان رحلة العروج المعرفي والعرفاني


هي رحلة فلسفية تتدرج وتتطور في طرق أبواب العلم والعرفان فتبدأ بوصف التجارب الحسية التي يمر بها حي بن يقظان بطل القصة ثم تتطور إلى محاكاة آراء الفلاسفة القدماء عن الوجود والخلق والروح والمعرفة وغيرها من التساؤلات التي شغلت القدماء بقدر ما تشغل المعاصرين. إلى أن تصل إلى عالم العرفان والتصوف والكشف عن كنه الحق والوقوف بحضرته والاتصال بذلك العالم اتصال العارفين المقربين.



اللطيف أن هنالك من اعترض على القصة فاختزلها بأنها تحكي عن إنسان تربى بين أحضان الدواب، وتسائل كيف ينشأ ويترعرع باستقامة في الفكر وحدّة في الملاحظة وقدرة على طرح التساؤلات المقلقة، فضلاً الإجابة المجزية والمنجية عليها. فصار هذا المعترض أو ذاك يخطئ الغرض من القصة بأن وضع موضوع الفطرة موضع المركز وتحت مجهر النقد، ظانّاً بذلك أن الكاتب أراد أن يؤكد بأن الفطرة السليمة وحدها ستؤدي إلى المعرفة. فيحاول دون جهد أن ينسف أركان القصة ولطائفها بقياسها على ما توفر لنا من شواهد نادرة حية، بأن من تربى بين السباع لا يمكن إلا أن يتخلق بأخلاق السباع، فيصبح وحشياً مثلهم، لا أن تقود زمام مصيره فطرته السليمة فيصبح عالماً ربانياً عارفاً.

ومفاد القول أن العناصر الدرامية في القصة هامشية وهي لا تعدو كونها مسرح تقديمي لتناول المواضيع في بيئة مثالية طاهرة من فساد مذاهب الرأي، بريئة من تراكمات الأوبئة التي تلحقها مخالطة الجماعات البشرية بكل واقعياتها وفروضها وقيودها. كما أنها مسرح مثالي للإعتزال والتفكر في روائع الطبيعة والخلق. ولا شك أن الفطرة، مع كونها من اللوازم المهمة لريادة أي فن من الفنون العقلية أو المادية، فإنها وحدها غير كافية لها. بل لابد من الوقوف على المقدمات ووضع الأسس والأدوات المعرفية لكي تشحذ الحس على الملاحظة، وتدفع المزاج على التساؤلات عن حاجة وكرب، وتؤدب العقل على الاستنتاج، وبذلك تُطرق الأبواب وتُفتح بشروطها.

إذاً فالقصة وضعها كاتبها أو كاتبوها كدليل تعبيري لتأخذ بيد القارئ المبتدئ أو المتوسط في الفلسفة أو العرفان الصوفي، بعد أن وقف على بعض أو كل مواضيعها. وهي ستأخذه بتدريج من عالم الحس إلى عالم العقل بطريقة تجريبية ومنطقية ثم من عالم العقل إلى عالم الملكوت بطريقة عرفانية تصوفية، دون قفز أو شطح. بل تدرج وتطور في الاستنتاجات والبراهين العقلية ودون تأسيس على نص ديني، رغم أن الكاتب يؤيد بعض النتائج بنصوص قرآنية. وهو يقسّم الكشوفات الحسية والعقلية التي يصل إليها بطل الرواية إلى مراحله العمرية، إذ يعتمدها الكاتب كشرط من الشروط التأهيلية للتدرج المعرفي كما جاءت في سنّة أفلاطون في وصف الفلاسفة والحاكم الفيلسوف. فقسمها كما يلي:
21 سنة: بلوغ الرشد- العقل المكلف
35 سنة: تفرس الرشد 
50 سنة: كمال الرشد ومبدأ اليقين

بعد ذلك تبدأ القصة بالخوض في تجربة اجتماعية بمحاولة عرض الحياة العرفانية على عامة الناس ويستنتج الكاتب أن هذا النمط الحياتي في الوصول إلى ملكوت الله وشهادته هي ليست للعامة بل إن العامة لا يفهمون طبيعتها وكنهها، بل إنهم يستنكرونها. فهي لخاصة الخاصة وهم في ذلك يتفاوتون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.