الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

مقدمة كتاب: موت المال - Death of Money

ترجمة من كتاب: موت المال - الانهيار القادم للنظام المالي الدولي

لمؤلفه: جيمز ريكاردز
ترجمة: المختار بوخمسين
(في حال نقل الموضوع الرجاء ذكر المترجم وإضافة رابط إلى هذه الصفحة، شكراً)

المقدمة

The Death of Money: The Coming Collapse of the International Monetary System

By: James Rickards
The Death of Money on Goodreads.com

جيمز ريكاردز، مستشار التهديد المالي والمخاطر الاقتصادية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، له العديد من المناصب في البنوك والشركات الاستثمارية الكبرى التي تدير محافظ استثمارية عالية في المخاطر. عمل في وول ستريت لمدة زادت على 35 سنة. في عام 2009 قام بإدلاء شهادته أمام مجلس النواب الأمريكي عن النماذج المالية والقيمة المعرضة للمخاطر وانهيار 2008 المالي.
إن كتاب "موت المال" هو كتاب عن نهاية عصر الدولار. ومن ذلك، فهو قصة الانهيار المرتقب للنظام المالي العالمي لأن الدولار، إذا فقدت الثقة فيه، فإننا لن نجد عملة أخرى جاهزة لتحل محله كعملة احتياطية عالمية. فالدولار هو محور العجلة، وإذا فرط المحور، فإن النظام كله سيفرط، لأن الدولار والنظام المالي هو شيء واحد متماثل. ولا يقابل هذا الاستشراف المخيف في انهيار ثنائي الدولار ونظامه المالي، الذي بات أمراً لا مفر منه، إلا الأسباب العديدة التي سيجدها القارئ في الصفحات التي تلي.


ولكن من مقتضى الحال أن نقوم بزيارة للماضي أولاً.

إن قلة من الأمريكيين في زماننا هذا يتذكرون أن الدولار كاد أن يفقد دوره كعملة للاحتياط العالمي في عام 1978. ففي هذه السنة تراجع مؤشر النقد إلى مستويات مقلقة، ما أجبر الخزينة الأمريكية على أن تصدر السندات الحكومية بعملة الفرنك السويرسري. ولم يعد المقرضين الأجانب يثقون بالدولار الأمريكي كعملة ذات قيمة مستودعة. وصار الدولار يفقد قوته الشرائية، بعد أن سقط سعره إلى النصف من عام 1977 إلى عام 1981. وبلغت معدلات التضحم الأمريكية أكثر من 50 بالمئة خلال السنوات الخمس تلك. ومع بداية عام 1979، لم يكن أمام صندوق النقد الدولي من خيار إلا أن يعبئ كل موارده لإصدار عملة النقد الدولي (المسماة حقوق السحب الخاصة - special drawing rights وتختصر بالحروف اللاتينية SDRـ)1. وقامت بإغراق السوق بـ 2.1 مليار عملة نقدية عالمية من السيدورات لتسهم في تعزيز السيولة مع تراجع الثقة بالدولار.

ويجدر بنا أن نستذكر تلك الأيام السوداء، حيث ارتفعت قيمة الذهب 500 بالمئة من عام 1977 إلى 1980. وما بدأ كعملية مقننة لتخفيض قيمة الدولارفي عام 1971، في عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقراره العازم على ترك سياسة استبدال الدولار بالذهب، أفضى مع حلول نهاية العقد إلى انهيار كلي، حتى أن انكسارة الدولار هذه تسربت إلى الثقافة الشعبية. فأنتجت السينما فيلم الانقلاب – Rollover في عام 1981، بطولة جين فوندا، وفيه يحكى أن هناك خطة سرية مدبرة من الدول المنتجة للنفط للتخلص من الدولار وشراء الذهب. وينتهي الفيلم بانهيار النظام المصرفي، والهلع المالي، والاضطرابات الشعبية على مستوى العالم. ولعل هذا مجرد خيال سينمائي، لكنه خيال متبصر، يكاد يطلع على غيوب المستقبل.

وفيما بلغ الهلع المحيط بالدولار ذروته في نهاية السبعينيات، فإن تراجع الثقة بدأ باكراً منذ شهر أغسطس عام 1971، مباشرة بعد أن أعلن الرئيس نيكسون ترك سياسة الدولار المدعوم بالذهب. فقامت الكاتبة جانيت تاواكولي بوصف حال الأمريكي المسافر إلى الخارج في الأيام التي بدأت فيها تتضح سكرات موت الدولار للجميع:

فجأة وجد الأمريكي المسافر للخارج أن المطاعم والفنادق والمتاجر لم تكن تريد قبول سعر الصرف العائم الذي بات يحمل خطورة كبيرة. وفي عطلة الفيراغوستا (مناسبة إيطالية في منتصف شهر أغسطس)، كانت المصارف في روما مغلقة، والأمريكيون الذين احتاجوا للنقد وجدوا أنفسهم مكبلين.

قال مدير الفندق للنزلاء المغادرين: "هل تملكون الذهب؟ أنظروا ماذا فعل رئيسكم الأمريكي بكم..." وقد كان جاداً بشأن الذهب، فقد كان عازماً على تقاضيه كدفعة لقاء نزولهم عنده...

فطلبت مباشرة أن أدفع مقدماً الثمن بالليرة... فصفق المدير يديه فرحاً. فقام وخلفه طاقم الفندق على خدمتي خدمةَ ملكية. لم أكن مثل أولائك الأمريكيين الآخرين الذين يسيحون بدولارتهم الغبية. ولبقية إقامتي، لم يكن أي تاجر أو مطعم يبدي لي الترحيب إلا حين أثبت له أني سأدفع بالليرة.



كانت أهم الجهود التي تلت هي جهود رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي بول فولكر والرئيس المنتخب للتو رونالد ريجان بهدف إنقاذ الدولار. وقام فولكر برفع أسعار الفائدة 19 بالمئة في عام 1981، وأقدم ريغان على تخفيض الضرائب والرسوم، فنتج عنه إرجاع الثقة إلى السوق وعزز مكانة الجاذبية الاستثمارية للولايات المتحدة للاستثمارات الأجنبية. ومع حلول شهر مارس 1985، ارتفع مؤشر الدولار 50 بالمئة من أدنى مستوياته في أغسطس من عام 1978، وانخفضت أسعار الذهب بمقدار 60 بالمئة من أعلى مستوياته في عام 1980. وتراجع معدل التضخم في الولايات المتحدة من 13.5 بالمئة في عام 1980 إلى 1.6 بالمئة في عام 1986. وكانت الأخبار غاية في السعادة حيث امتنعت هوليوود عن إنتاج جزء ثانٍ لفيلم الإنقلاب. ومع حلول منتصف الثمانينيات، كانت كل الحرائق قد أطفئت، وبدأ بذلك عصر الدولار الملكي. ولم يختفِ عن الدولار دور العملة الاحتياطية العالمية أبداً بعد عام 1978، لكنه كاد.

عملة النقد الدولي (السيدورات)، اسمها الرسمي "حقوق السحب الخاصة - special drawing rights" ويرمز لها بالحروف اللاتينية SDR.
والآن نعود بالزمن إلى الحاضر.

صار بإمكننا في سماء اقتصاد اليوم أن نرصد مجاميع نجمية مشابهة لتلك التي كانت بادية في سماء اقتصاد عام 1978. ففي يوليو من عام 2011، ضرب مؤشر الدولار في الاحتياطي الفدرالي أدنى مستوياته في التاريخ، كاسراً خط الهلع المسجل في أوكتوبر، 1978 بأكثر من 4 بالمئة. وفي أغسطس من عام 2009، بادر صندوق النقد الدولي مرة أخرى بعصى السبق كأول جهة مالية ترد على هذه المستجدات، وهرع للنجدة باستصدار دفعة جديدة من العملات النقدية العالمية (السيدورات)، وهي مساوية لـ 310 مليار دولار، ما نتج عنه زيادة تداول السيدورات بمقدار 850 بالمئة. وفي بداية سبتمبر، كسر الذهب الحواجز العليا لأول مرة في تاريخه، حين بلغ سعره 1900 دولار للأونصة، وقد تضاعف 200 بالمئة عن معدله في عام 2006، قبل بدء دورة الكساد الجديدة. وهكذا، تمتعت الثقافة الشعبية في القرن الحادي والعشرين بجزء جديد خاص بها من فيلم الانقلاب – Rollover، لكنه هذه المرة كان في الإعلام المتلفز بعنوان "أكبر من أن ينهار – Too Big to Fail".

إن المقارنات ما بين عام 1978 والأحداث الأخيرة هي مخيفة لكنها ناقصة المشهدة. فقد كان هناك عاملٌ يعيث في الأرض فساداً لم يظهر اليوم، وهو الكلب الذي لم ينبح: التضخم. ولكن حقيقة أننا لا نسمع الكلب ينبح، لا يعني أننا بمأمن من عضته. وعلى سبيل المثال، من المؤشرات والقياسات التي تقيس معدل التضخم الأمريكي والتي تحضى بمتابعة واسعة، هو مؤشر أسعار المستهلك، وهو بالكاد تزحزح منذ عام 2008. وفي الحقيقة ظهرت بوادر انكماش اقتصادي في بعض الأشهر من تلك السنة. ولم يظهر التضخم إلا في الصين، حيث أعادت الحكومة تقييم العملة بغية كبح جماحها، وظهرت في البرازيل حيث تسببت الارتفاعات الحادة في بعض الخدمات الأساسية مثل تذاكر النقل العام باندلاع أعمال الشغب بين الناس. وكان التضخم في أسعار الغذاء عاملاً رئيساً في اندلاع الاحتجاجات في المراحل الأولى من الربيع العربي. وإلى اليوم، فإن التصخم في الدولار الأمريكي بقي أسر القيد.

ولو دققنا النظر، فسنلاحظ أن سوق بناء المنازل، والذي يعتبر سوقاً مهماً وحقيقياً، يقوم بحساب مؤشر الأسعار الأمريكي بالطرق المتبعة ما قبل عقد التسعينيات، وبسلة من السلع والخدمات يقال بسهولة أنها لم تعد تمثل التضخم الذي يواجهه الأمريكيون. وهم يقدمون إشارات الإنذار في الحين الذي تشير فيه الطرق البديلة الأخرى بأن التضخم الأمريكي هو في الواقع يساوي 9 بالمئة سنوياً، عوضٌ عن القاراءات التي تضعها الحكومة الرسمية والتي لا تتجاوز 2 بالمئة. وأي شخص يتبضع لشراء الحليب أو الخبز أو وقود السيارة فسوف يؤكد على القاراءات الأعلى. وعلى الرغم من بلاغة تعبير هذه الأرقام، إلا أنها لا تؤثر إلا قليلاً على أسواق المال العالمية أو سياسات الاحتياطي الفدرالي، ومن الضروري الحكم على الدولار بعيون الخزينة الفدرالية. فمن هذا المنظور، فإن التضخم لا يشكل أي تهديد أبداً، فالمزيد من التضخم هو حل مزدوج للخزينة الفدرالية لأزمة الديون وهي من أهداف سياساتها.

وهذه السياسة المؤيدة للتضخم ما هي إلا دعوة مفتوحة للكوارث، حتى لو كان نقاد الخزينة الفدرالية يقفون مذهولين حيارى أمام ما يظهر من غياب التضخم في ظل طباعة العملة بكميات غير مسبوقة من قبل خزينة الاحتياطي الفدرالي وبنوك مركزية أخرى رئيسة. وكثير هم من يتأملون بحيرة كيف أن الفدرالي زاد الأساس المالي للسوق 400 بالمئة منذ 2008 دون ملاحظة أي تضخم. إلا أن هناك سببين واضحين لذلك وكلاهما ينذران بنذر الانهيار. فالأول هو أن الاقتصاد الأمريكي معطوب في بنيته، وهو يفسر كيف أن الأموال السهلة لا يمكن الاستفادة منها جيداً. والثاني هو أن التضخم يلوح في الأفق القريب. وكلا التفسيرين صحيح، فالاقتصاد معطوب والتضخم في طريقه إلينا.

إن "موت المال" يتفحص هذه الأحداث بطريقة فريدة وفارقة. والفصول التي تلي ستنظر بعين النقد للأدوات الاقتصادية القياسية مثل نماذج التوازن 2 ، ما يسمى بقياس القيمة المعرّضة للمخاطر3، وتلازماتها المفترضة. وسترى أن نماذج التوازن العامة التي تستعمل على نطاق واسع جداً لا تعني شيئاً إن كانت في حالة توازن مشوّش أو توازن مزدوج. ولم يحن الوقت بعد لكي يكون الاقتصاد بحلته العالمية هو "الوضع الطبيعي الجديد". وبدل ذلك، فإن العالم هو في طريقه من القديم (اقتصادات محلية) إلى الجديد (اقتصاد عالمي) دون بوصلة أو خارطة. فالاضطرابات هي الوضع الطبيعي لهذه المرحلة.

والأخطار تتأتى من الداخل ومن الخارج. ونحن نستودع الثقة في غير محلها حين نعتقد أن البنك المركزي سيكون قادر على إنقاذ حرج الموقف؛ في الواقع، تلك الزمرة تفسد أسواقنا. إن نماذج القيمة المعرّضة للمخاطر التي تستخدمها وول ستريت والجهات التنظيمية لقياس المخاطر التي تشكلها المشتقات المالية هي أضحوكة بحق؛ وهم يهوّنون من مغالاتهم في استثمار القروض ثم يحولونها –بكل خزي وقلة حياء- إلى بدلات أتعاب، ما يمعن في خلخلة توازن المجتمع. وعندما تزحف علينا أثمانها الخفية لتجثم على الصدور وعندما يتورط دافع الضرائب بهذه الفاتورة الباهضة، فإن الصيارفة سيحتجبون بكل راحة في قصورهم وعلى يخوتهم. وسيحاول هؤلاء الحيتان أن يفسروا للصحفيين السذج والسياسيين المرتشين أن الانهيار الجديد لم يكن بالإمكان رصده أن التنبؤ له.

وفيما نرفض أن نواجه الحقائق المحيطة بالديون وعجز الموازنات، فإن العشرات من البلدان في أرجاء المعمورة يركزون ضغوطهم على الدولار. إننا نعتقد اليوم أن المعيار الذهبي هو من الغابرين، لكنّ سباقاً معاصراً للحصول على الذهب بدأ بالتسارع في كل العالم، ولعله يدل على توجّه عام للرجوع إلى المعيار الذهبي. إننا نستهين كثيراً بالمخاطر المتجلية في الغزوات الإلكترونية على شبكات الأموال الرقمية والمخاطر المتأتية من حرب الأموال العالمية.

إن تقنيات التحليل الخطي الانحداري وتلازماتها، التي يعشقها أخصائيو التحليل الكمّي أو الكمّانيون، هي غير جديرة لملاحة المياه الخطرة التي تواجهنا. فهذه التقنيات التحليلية تفترض أن ما ينتظرنا من أمام هو مشابه -لحد ما- لما تركناه خلفنا. ولا شك أن التاريخ هو خير معلّم، لكن فرضية الكمّانيين تحتوي على علل قاتلة. أوّلها أنهم حين يرجعون النظر إلى الوراء فإنهم لا يغوصون في الماضي البعيد ما يكفي.  فمعظم المجاميع البيانية التي تُستخدم في وول ستريت لا تمتد إلا عبر عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة مضت. أما المحلّلين الحاذقين منهم فإنهم سيسلسلون بيانات من السنوات المئة الماضية. إلا أن أعظم الانهيارات العالمية التي حصلت في تاريخ الحضارات كانت في العصر البرونزي ومع سقوط الامبراطورية الرومانية، بفاصل زمني بين الانهيارين قدره ستة عشر قرناً. وليس القصد أن نشير من ذلك إلى انهيار وشيك، بل القصد هو أن نشير إلى المنظور المحدود والضيق الذي يتيحه لنا التحليل الخطي الانحداري. أما العلّة الأخرى التي تنجم عنها أخطاء الكمّانيين فهي إخفاقهم في فهم وتقييم القوى وتغيّراتها التي تضع بعض قياسات المخاطر خارج سياقاتها التاريخية. وبما أن المخاطر المحتملة هي دالّة أسّية لمقياس نظام ما، وبما أن مقاييس الأنظمة المالية المعاصرة التي تقاس بالمشتقات المالية هي ظاهرة لم يكن لها سبق، فمن الطبيعي أن نستنتج أن المخاطر الناجمة عنها أيضاً غير مسبوقة.

وفيما يبدو لنا أن استخدامنا لكلمة انهيار حينما تُسند إلى الدولار تبدو أشبه بحدث جلل لا يماثله إلا يوم القيامة، فإن فيها دلالة براغماتية صرفة. فالانهيار هو ليس إلا فقدان الثقة بين المواطنين والبنوك المركزية في القوة الشرائية المستقبلية للدولار. والنتيجة من ذلك هو أن مقتني الدولار سيبدأون بالتخلص منه، إما عن طريق الإنفاق والصرف السريع أو عن طريق شراء أصول حقيقية. وهذه الإنزياح السلوكي السريع سيقود في البداية إلى معدلات فائدة أعلى ثم إلى تضخم أعلى ثم تدمير القدرة على بناء رؤوس الأموال. والناتج النهائي من ذلك قد يؤدي إلى الانكماش (وهو ما يحيي ذكريات ثلاثينيات القرن الماضي) أو التضخم (من ذكريات سبعينيات القرن الماضي)، أو كليهما.

النظام المالي الدولي انهار ثلاث مرات في القرن الماضي – في 1914 ثم 1939 وأخيراً في 1971. وكان يصاحب كل انهيار فترة عنيفة وعصيبة
إن الانهيار القادم للدولار والنظام المالي الدولي هو أمر قابل للتنبؤ به تماماً. وهذا ليس استنتاجاً كيدياً لإثارة الناس. فالنظام المالي الدولي قد انهار ثلاث مرات في القرن الماضي – في 1914 ثم 1939 وأخيراً في 1971. وكان يصاحب كل انهيار فترة عنيفة وعصيبة. فانهيار عام 1914 عاجلته الحرب العالمية الأولى ثم تلاها لاحقاً فصول متعاقبة من التضخم الجامح والكساد من 1919 حتى 1922 قبل أن تستقر الأمور في منتصف العشرينيات، رغم أنها أوبِأت بمعيار ذهبي معيوب أسهم في انهيار جديد في عقد الثلاثينات. ثم جاءت 4الحرب العالمية الثانية لتتسبب في انهيار عام 1939، ولم يتحقق الاستقرار إلا باستحداث نظام بريتون وودز  الذي سنّ في عام 1944. أما انهيار عام 1971 فقط عجلّ عليه هجران نيكسون لسياسة إبدال الدولار بالذهب، رغم الإدراك المتأخر جداً لهذا السبب، ثم أعقبها فترة اضطراب وفوضى بلغت أوجها بالانهيار الوشيك للدولار عام 1978.

والانهيار القادم، كحال الانهيارات السابقة، قد تُداخل أسبابه الحرب أو الذهب  أو الفوضى أو الثلاثة الأشياء مجتمعة معاً. وسيرسم هذا الكتاب مكامن التهديد الوشيكة للدولار التي ستظهر -على الأرجح- خلال السنوات القليلة القادمة، وهي حروب المال والانكماش والتضخم الجامح وانهيارات الأسواق. ولن ينجو من هذه الأعاصير القاتلة إلا الدول والأفراد الذين سيوفّقون لأخذ التدابير الوقائية والاستعدادات الكافية لذلك.

وعوضٌ عن تلك النهوجات الباطلة، رغم رواجها وشيوعها، فإن هذا الكتاب سينهج الطروحات التي توفرها نظرية الأنظمة المعقدة (نظرية الشواش)5 وهي أفضل العدسات المتاحة لفحص المخاطر الحالية وما يحتمل أن تسفر عنها. ولا شك أن أسواق المال هي أنظمة معقدة منقطعة النظير. ونظرية الأنظمة المعقدة هو علم جديد نسبياً في تاريخ العلوم، لكنه خلال عمره الذي يدور في فلك الستين، طُبّق بشكل موسّع في علم الأرصاد الجوية والزلازل، والشبكات الاجتماعية، وأي نظام آخر مترابط ترابطاً كثيفاً بين عناصره. أما تطبيق نظرية الأنظمة المعقدة في مجال أسواق المال، فهي تجربة تعتبر في مهادها، إلا أنها أورثت لأصحابها بصيرة نافذة في قياس المخاطر وتحرك مؤشرات الأسعار، وهي بصيرة تتميز بقدرة تنبأية أدق من كل الطرق التقليدية.

إن الانهيار المالي المقبل لن يكون شبهاً لأي شيء حدث في التاريخ...
ولكن تقرير أفضل المسالك الاستثمارية المتبعة تبقى رهينةَ فهمٍ محيط بحقل ألغامٍ من المخاطر ونفسية هادئة تتأمل مفترق الطرق التي يموت فيها الدولار.
وكما سترى في الصفحات التي ستلي، فإن الانهيار المالي المقبل لن يكون شبهاً لأي شيء حدث في التاريخ. لكنّ نظرةً من عينٍ صافية عبر شفافية الأحداث المالية في عالمنا المعاصر ستساعد المستثمرين على إمعان التفكير في أفضل الاستراتيجيات. وفي خاتمة الكتاب سيجد القارئ بعض التوصيات، ولكن تقرير أفضل المسالك الاستثمارية المتبعة تبقى رهينةَ فهمه المحيط بحقل ألغامٍ من المخاطر، ونفسية هادئة تتأمل مفترق الطرق التي يموت فيها الدولار.

وما وراء مخرجات السوق العادية، فلنتدارس الحرب المالية.

الحرب المالية:

هل نحن مستعدون لخوض حرب مالية ؟ إن سلوكيات الحرب المالية مفارقة ومتفردة عن التنافس الاقتصادي بين الدول لأنها تنطوي على مجموعة من التصرفات الخبيثة المتعمدة، بدلاً من التنافسية الاعتيادية. وتنطوي الحرب المالية على استعمال الاشتقاقات المالية واختراق أسواق الصرافة لإحداث البلبلة والفوضى، وتوليد الهلع بين المستثمرين، وبالتالي تعطيل اقتصاد العدو. والحرب المالية تتعدى كثيراً التجسس التجاري، الذي ظهر منذ القرن التاسع عشر على أقل تقدير، عندما قام أمريكي يدعى فرنسيس كابوت لويل، باستذكار تصميم آلة نسيج صناعية ثم قام ببنائها في الولايات المتحدة.

إن ذخيرة الحرب المالية المعاصرة تشمل إدارة صناديق تحوّط 6سرية واختراق شبكات الحوسبة المالية بأن تخترق أنظمة إدخال الطلبات لتحاكي إغراق السوق بعروض البيع لأسهم ما مثل أسهم شركة أبل أو غوغل أو آي بي إم. إن المنظّرين في شؤون "الأسواق ذات الكفاءة الاقتصادية"7، دائماً ما يشككون في نجاح مثل هذه التكتيكات، إذ يسيؤون تقدير نوبات الضعف واللامنطقية التي تتعرض لها الأسواق الآيلة للسقوط. وجدير بالانتباه أن الحرب المالية لا تهدف إلى حيازة الثروة بل تحقيق النصر وإلحاق الخسائر .

لقد انتقلت أسواق المال بشكل قاطع وجازم من حيز الاقتصاد إلى حيز الشؤون الاستراتيجية، وبالنسبة لمحللي وول ستريت وصناع السياسة في واشنطون -الذين يحتاجون إلى فهم تبعات ذلك جدياً- فإنهم لا يدركون إلا بشكل واهٍ العالم الجديد الذي يعيشون فيه
إن مخاطر الحرب المالية في عصر هيمنة الدولار غير مجربة لأن الولايات المتحدة لم يتعين عليها أن تتعايش من قبل في عالم له سوق عالمية، لا يُفرض مرتاديه أن يعتمدوا عليها كدولة عظمى ترسخ أمنهم القومي. حتى في عزّ انهيار الدولار الوشيك في عام 1978، كان المتوقع من دول مثل ألمانيا واليابان ودول تصدير النفط أن يحسّنوا من مكانة الدولار لأنهم مغرقون في الاعتماد على الولايات المتحدة لحمايتهم ضد تهديدات الاتحاد السوفييتي. وفي عالم اليوم فإن الدول القوية مثل روسيا والصين وإيران لا تعتمد على الولايات المتحدة لحماية أمنها القومي، ولعلهم يرون فائدة بالغة في جعل أمريكا جريحة اقتصادياً. لقد انتقلت أسواق المال بشكل قاطع وجازم من حيز الاقتصاد إلى حيز الشؤون الاستراتيجية، وبالنسبة لمحللي وول ستريت وصناع السياسة في واشنطون -الذين يحتاجون إلى فهم تبعات ذلك جدياً- فإنهم لا يدركون إلا بشكل واهٍ العالم الجديد الذي يعيشون فيه.

التضخم

لقد أجمعت آراء النقاد من ريتشارد كانتيلون8 في القرن الثامن عشر إلى فلاديمير لينين9 و جون مينارد كينيز10 في القرن العشرين على أن التضخم هو المدمر الخفي للمدخرات ورأس المال والنمو الاقتصادي.11

يبدأ التضخم بالعادة بشكل خفي ليحظى بموطئ قدم راسخ قبل أن يلاحظ. وهذا التأخير في استيعاب وجوده، الذي هو مهم جداً بالنسبة للبنوك المركزية، يسمى "وهم المال"، وهي عبارة تدل على ذلك الإدراك في ذهن المستثمر بأن ثروته ما زالت تنمو، وهكذا فإن الإنسان تستثار فيه غرائز "الحيوية الحيوانية – Animal Spirit"12 وهو مفهوم جاء به الاقتصادي جون كينيز. ولا يكتشف إلا متأخراً أن الصيرفيين والمستثمرين الدهاة هم من استغلوا الوضع لحيازة الثروة، في غفلة المواطنين الاعتياديين الذين يُتركون في غفلتهم بينما تفقد مدخراتهم وأتعابهم ومبالغ التأمين على الحياة مجمل قيمتها.

تعتبر الستينيات والسبعينيات مثالاً مدرسياً جيداً للتمثيل لوهم المال. فمن عام 1961 وحتى عام 1965، كان المعدل السنوي للتضخم 1.24 بالمئة. وفي عام 1965 بدأ الرئيس لندون جونسون نوبة صرف خلّف من وراءها عجوز في الموازنة السنوية جراء سياسة "التسليح والسمن" بعد قرار تمديد الحرب في الفيتنام وإرساء امتيازات اجتماعية محلّية مميزة. وقد تكيّف الاحتياطي الفدرالي مع هذا الصرف، واستمر هذا التكيّف إلى الولاية الثانية لنيكسون في 1972. وكان التضخم تدريجياً في البداية وصعد إلى 2.9 بالمئة في عام 1966 و 3.1 بالمئة في عام 1967. ثم خرج عن دائرة التحكم ووصل إلى 5.7 بالمئة في عام 1970، وأخيراً وصل قمّته عند 13.5 بالمئة في عام 1980. ولم يتمكن من إنزاله إلى سابق عهده عند 1.9 إلا في عام 1986 مثلما كان في مطلع الستينيات.

وهناك درسان يلائمنا كثيراً اليوم أن نأخذ العبرة منهما، من عقدي الستينات والسبعينات. الأول هو أن التضخم بإمكانه أن يستجمع زخماً مهماً قبل أن تعي له عامة الجماهير. فلم يكن إلا مع حلول عام 1974، أي بعد تسعة أعوام من الدورة التضخمية، بأن أصبح  التضخم موضوعاً سياسياً مستفحلاً وقلقاً مستحكماً في السياسة العامة. وهذا التأخير في ملاحظة الزخم هو جوهر "وهم المال".

أما الدرس الثاني، فما إن يحصل انزياح في انطباع الناس حيال التضخم (أو ما يعرف بانطباعات التضخم)13 ، فإنه من الصعب إزالة هذا الانطباع الراسخ في ذهنية المستهلك. ففي سنوات حرب الفيتنام، تطلّب الأمر من الأمريكيين أن يركزوا العمل لمدة 9 سنوات لحل أزمة التضخم، تلتها فترة 11 سنة لإعادة ثقة الناس وتوقعاتهم وانطباعاتهم حيال التضخم. إن دحرجة صخرة من أسفل التلة   إلى أعلاها أصعب بكثير من دفعها إلى أعلى التلة.

في الفترة الأخيرة، منذ عام 2008 قام الاحتياطي الفدرالي بطباعة أكثر من 3 ترليونات دولار في قطع نقدية جديدة، إلا أن هذا المبلغ المهول لم يعبئ زخماً لأي تضخم يذكر في الولايات المتحدة. رغم ذلك، فإن الفدرالي قد وضع هدفاً لمؤشر التضخم لا يقل عن 2.5 بالئة، أو أعلى من ذلك، ولن يكفّ عن طباعة المزيد من النقود حتى يتحقق هذا الهدف. فالفدرالي يرى أن التضخم هو خير طريقة لتخفيف القيمة الحقيقية للدين الأمريكي وتلافي شبح الانكماش.

وهناك يكمن خطراً رئيساً. فالتاريخ وعلم النفس السلوكي كلاهما يقدّمان لنا الأدلة لكي نعتقد بأن مؤشر التضخم المستهدف، حالما يتحقّق وتتبدّل معه توقعات الناس، فإن الوعي الجمعي المتحصل عند المستهلكين سيفرز دوامة أخرى من التضخم الأعلى وتوقعات تضخّم أعلى، وهكذا دواليك. ولن يقدر الفدرالي على إحكام السيطرة على هذه الدورة السلوكية المُفرزة لأن ديناميكياتها لا علاقة لها بالقوانين المالية بل بقوانين السلوك الاجتماعي والإنساني.

وبينما تراكم الدورة التضخمية ذات العائد السلوكي زخمها، فإمكاننا توقع تكرار ما حدث في نهاية عقد السبعينيات، من تحليق أسعار الذهب في الأعالي وانهيار أسعار الدولار، وهو وجهين لعملة واحدة، وسوف يحدث ذلك بسرعة لا تصدق. الفرق بين المرحلة المقبلة من التضخم المطّرد وتلك الفترة هو أن روسيا والصين وصندوق النقد الدولي سيكونون بالمرصاد جاهزين بالذهب والسيدورات، وليس بالدولارات، لإمداد السوق بأصول احتياطية جديدة. وعندما يسقط الدولار من أعلى حبله المرّة المقبلة فلن يكون هناك أي شبكة تحتضنه في الأسفل.

الانكماش

لم يكن هناك أي فترة لانكماش مستمر في الولايات المتحدة منذ الفترة الممتدة من 1927 حتى 1933؛ وكنتيجة لذلك، فلا يوجد بين الأمريكيين أية ذاكرة حية عن ظاهرة الانكماش. وكاد للولايات المتحدة أن تمر بفترة كساد حادة من عام 2009 حتى 2013 لولا كمية العملة المطبوعة من قبل الاحتياطي الفدرالي. ولم تختفي مظاهر الانكماش المستمر في الاقتصاد الأمريكي حتى الآن، إلا أنه حجب عن العيون الفضولية.

يعتبر الانكماش الاقتصادي أسوأ مخاوف الاحتياطي الفدرالي لعدة أسباب. فالعوائد الحقيقة من الانكماش لا يمكن لضرائبها أن تحصّل. فلو وهبنا أن موظفة إدارية في مدرسة تتقاضى في السنة مئة ألف دولار كمعاش لها، والأسعار ثابتة، وتحصل على علاوة سنوية قدرها 5 بالمئة، فإن مستوى المعيشة الحقيقية قبل التحصيل الضريبي زاد بمقدار 5000 دولار، إلا أن الحكومة تفرض الضرائب على الزيادة، ما يعني أن الحصة المتروكة لها أقل. لكن إن بقي مدخولها ثابتاً، ومع ذلك تدحرجت الأسعار نزولاً 5 بالمئة، فستحصل على نفس الـ 5 بالمئة كزيادة في مستواها المعيشي، لكن الحكومة لن تتمكن من فرض ضريبة على هذه الزيادة في مستواها المعيشي لأن الموظفة تستفيد منها من الأسعار الأقل عوضٌ عن الزيادة على مرتبها.

إن الانكماش يزيد من القيمة الحقيقية للدين الحكومي، ما يجعل سداده أصعب. وإن لم يُعكس الانكماش فسيترتب من ذلك مباشرةً تعثّر الحكومة عن الالتزام بمستحقات دائنيها، وهذا خلافاً للحالة البديلة الأقل ضرراً وهي تعثرها عن التزاماتها في ظل التضخم. والانكماش يخفض الناتج المحلي الاجمالي الاسمي، بينما يرفع الدين الاسمي العام كل سنة بسبب العجز في الموازنة العامة. وهذا ما يرفع من نسبة الدين مقابل الناتج المحلي، واضعاً الولايات المتحدة واليونان على نفس الدرب، ما يجعل ديونها السيادية تبدو أكثر كارثية.

بالإضافة إلى ذلك فإن الانكماش يزيد من قيمة الدين الخاص، ما ينتج عنه موجة عامة من التعثر في السداد ثم الإفلاس. كما أن ثقل هذه الإفلاسات سيقع على المصارف المقرضة، فينجم عنها أزمة مصرفية عامة. وبما أن المسؤولية الأولى للاحتياطي الفدرالي هي تحسين وضعية النظام المصرفي، فيجب أن تُتفادى حالة الانكماش الاقتصادي لأنها تحفز زيادة الديون المعدومة التي تهدد ملاءة المصارف المالية.

أخيراً، إن الانكماش الاقتصادي يغذي نفسه بنفسه ومن أشباه المستحيلات أن يقوى الفدرالي على عكس اتجاهه. وعند الاحتياطي الفدرالي ثقة جيدة بقدرته على التحكم بالتضحم، رغم أن الدروس المستقاة من السبعينيات تظهر أن الأمر قد يتطلب أقصى أنواع الاجراءات لتحقيق ذلك. والفدرالي يدرك إدراكاً لا تشوبه الأوهام حيال صعوبة إنهاء الانكماش. وعندما تزداد القيمة النقدية مع مرور كل يوم، وهي العلامة المميزة للانكماش، فإن الأفراد والشركات يقومون باكتنازها ويمتنعون عن الصرف أو الاستثمار. وهذا الاكتناز يسحق معدل الطلب الإجمالي على الخدمات والسلع ويجعل الناتج المحلي يتدهور. وهذا هو السبب في أن الفدرالي قام بطباعة أكثر من 3 تريليون دولار منذ عام 2008 لكي يكبح من حدة الانكماش وهو في مهده قبل أن يتفاقم. والسياسة الأرجح للاحتياطي الفدرالي في السنوات المقبلةهي استمرار الطباعة الضخمة للقطع النقدية لدفع الانكماش. والافتراض العملي الذي يضعه الفدرالي هو أن أي نتائج تضخمية تسفر عن هذه السياسة يمكن التعامل معها في حينه.

وبالاستمرار في طباعة القطع النقدية بغية إركاع ظاهرة الانكماش، فإن الفدرالي قد يصطدم بالحدود السياسية لطباعة المال، ولعل ذلك يكون حين تتجاوز ميزانيته العمومية الـ5 تريليون دولار، أو عندما توسم بأنها مفلسة على أساس الأسعار السوقية. وفي تلك النقطة، فإن المنظمين في الاحتياطي الفدرالي قد يختارون أن يغامروا بعدم التعامل مع الانكماش، وهي تعتبر رقص مع الشيطان. وفي مشهد الرقص مع الشيطان هذا، فإن الفدرالي سيلجأ إلى اللعب بالسياسات الضريبية لمحاولة رفع الطلب الإجمالي. وإلا فإن الانكماش سيستمر رغم طباعة الأموال. وهذا قد يحدث عندما يقرر الفدرالي أن يرمي الأموال من طوافات الهليكوبتر، فيمتنع الناس عن التقاطها لأن ذلك يستتبعه المزيد من الديون. وفي كلا المشهدين فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها فجأة تعود في الزمن إلى الوراء إلى عام 1930 تواجه انكماشاً اقتصادياً بكامل زخمه.

وفي ظروف كهذه، فإن الطريقة الوحيدة للفرار من قبضة الانكماش هي أن تعلن الولايات المتحدة من أعلى سلطة تنفيذية أن أسعار الذهب هي 7000 دولار للأونصة مثلاً، أو أعلى من ذلك. وبإمكان الاحتياطي الفدرالي أن تثبّت السعر عند هذا المستوى عبر قيامها بالعمليات السوقية المفتوحة بالنيابة عن الخزينة باستخدام الذهب الموجود في خزائن الذهب في مستودعات فورت نوكس. وسيكون الفدرالي مشترياً للذهب بسعر 6900 دولار للأونصة وسيبيع بـ 7100 دولار للأونصة لكي يحافض على مستوى 7000 دولار للأونصة. والغاية من ذلك هو ليس إغناء ملاك الذهب بل إعادة الأسعار العامة إلى نصابها الصحيح.

إلا أن تحركات بهذا الاتجاه تبدو غير مرجحة البتة، لكنها ستكون بغاية الفعالية. وبما أن الأشياء لا تتحرك في عزلة عن محيطها، فإن هذا التبخيس في قيمة الدولار مقابل الذهب سينعكس بزيادة الأسعار في كل شيء آخر. إن العالم الذي يكون فيه الذهب 7000 دولار هو العالم الذي سيكون فيه سعر برميل النفظ 400 دولار و100 دولار لأونصة الفضة. وبإمكاننا كسر ظهر الانكماش الاقتصادي حين تُبخس قيمة الدولار أمام الذهب كما حدث عام 1933 عندما قامت الولايات المتحدة بإعادة تقييم الذهب من 20.67 دولار للأونصة إلى 35 دولار للأونصة وهو تبخيس للدولار بنسبة 41 بالمئة. وإذا واجهت الولايات المتحدة انكماشاً حاداً مرّة أخرى، فإن الترياق الذي هو تبخيس الدولار مقابل الذهب سيكون له نفس الفعالية، لأننا لا نملك حلًاً آخر عندما نخفق في سياسة طباعة القطع النقدية.

انهيار الأسواق

إن استشراف انهيار الأسواق مدلول من المخاطر النظمية14 المستقلة عن السياسات الاقتصادية الأساسية. إن مخاطر انهيار الأسواق تتعاظم من قلة كفاءة الجهات التنظيمية وجشع المصارف. ونظرية الأنظمة المعقدة هي الإطار العملي الملائم لتحيليل هذه المخاطر.

وموضع البدء في هذا التحليل هو معرفة أن أسواق المال تستعرض الجوانب الأربعة التي تميّز أي نظام معقد وهي: تنوع العوامل والترابط والاعتماد على بعض والتأقلم. وفي استنتاجنا بأن أسواق المال هي أنظمة معقدة، فإن ذلك سيكون له مضامين عميقة على سلوكيات الجهات التنظيمية وإدارة المخاطر. أما المضمون الأول فهو أن القياس الملائم للخطر يتألف من إجمالي القيمة الوطنية للمشتقات المالية، وليس صافي قيمتها. والحجم الإجمالي لكل المشتقات المصرفية الآن يفوق الـ 650 تريليون دولار، وهو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بتسع مرات.

أما المضمون الثاني فهو أن أعظم كارثة من الممكن أن تقع في النظام المعقد هي ذات طبيعة أسية، وليست ذات طبيعة خطية من المقياس النظمي. ومعنى ذلك أن النظام بتضاعف مقياسه النظمي مرتين أو ثلاث مرات، فإن مخاطر الكارثة تتزايد بمعاملات ضرب تبلغ عشرة مرات أو مئة مرة. وهذا أيضاً يعلل لنا لِمَ تكون اختبارات الكفاءة التي نجريها لتحاكي فترات الاضطرابات التاريخية مثل 11 سبتمبر أو عام 2008 لبناء تصور مستقبلي هي غير ذات جدوى، ذلك أن المستويات غير المسبوقة في مقاييسه النظمية تفضي إلى مخاطر نظمية غير مسبوقة أيضاً.

والحلول المقترحة لتفاقم المخاطر النظمية هي حلول مباشرة على نحو يثير الدهشة. والمهام المباشرة المترتبة عليه هو أن يتم تقسيم المصارف الكبرى وحضر معظم المشتقات المالية. فالمصارف الكبرى ليست ذات أهمية بالنسبة للتمويل العالمي. فعندما تتكون حاجة ما لتمويل كبير، فبإمكان أي مصرف أن يتولى صدارة إتحاد مصرفي، كما كان يحصل بشكل دائم في الماضي لبناء البنى التحتية العظمى مثل خط أنابيب ألاسكا أو الأسطول الأصلي من سفن ناقلات النفط أو أول أسطول لطائرات بوينغ 747. والفائدة المرجوة من تقسيم المصارف ليست دفع إخفاق المصارف ، بل دفع التهديد المصاحب لإخفاقها. حيث أن كلفة الإخفاق سيكون محتوىً ومحدود فلا يسمح له يمتد وينتقل إلى كافة أرجاء النظام المصرفي. أما الغاية من حضر المشتقات المالية فهي مفهومة وذات نتائج مباشرة أيضاً. إن الهدف الأصلي من إنشاء المشتقات المالية ليست إلا أن تغني الصيارفة عن طريق وضع تسعيرات مبهمة  لخداع المستثمرين عبر أحابيل محاسبية لا تظهر في السجلات والتقارير المالية.

ومهما تكن الفوائد من الاستراتيجيات التي تقدم ذكرها، فإن الأمل المرهون بتذويب المصارف الكبرى أو حضر استخدام المشتقات المالية هو أمل لا أساس له. ذلك أن الجهات التنظيمية تستخدم نماذج تمثيلية عفى عليها الزمن أو تستخدم نماذج تمثيلية خاصة بالصيارفة، ما يعني أنهم باتوا بغفلة تامة عن رصد الأخطار النظمية. والكونغرس لن يتصرف إزاء المعضلة لأن أعضاءه، على وجه العموم، مأسورين في قبضات المصارف وما تقدمه لهم دعم سياسي مالي.

إن المخاطر الآتية من قطاع الصيرفة ومن المشتقات المالية سوف تستمر بالنمو، والانهيار المقبل سيكون ذو أبعاد غير مسبوقة. وبما أن الموارد المخصصة للاحتياطي الفدرالي كانت بالكاد قادرة على منع انهيار شامل في 2008، فيجدر بنا أن نتوقع أن هناك انهيار أعظم سيقلب تقارير الفدرالي المالية رأساً على عقب. وبما أن الفدرالي قام بطباعة 3 تريليون دولار في فترة تتسم بالهدوء النسبي، فإنه ليس من المجدي سياسياً أن يردّ مرة أخرى بطباعة 3 تريليون دولار إضافية في المستقبل. وستبقى مهمة تقديم السيولة المالية للعالم على عاتق صندوق النقد الدولي، لأن صندوق النقد سيكون المؤسسة الرسمية الوحيدة بين كل المؤسسات بتقارير مالية نظيفة. وسيتسنّم صندوق النقد الدولي هذه المهمة الشاقة بإصدار مبالغ مهولة من السيدورات (SDR) وهذه العملية ستنهي حالاً دور الدولار كعملة احتياطية رائدة.

طوفان من المخاطر

هذه التهديدات التي تحدق بالدولار موجودة في كل حدب وصوب. أما التهديدات الداخلية فهي متأتية من سياسية الفدرالي في طباعة القطع النقدية و شبح التضخم المتسارع. أما التهديدات الخارجية فهي تتمثل في الجهود الحثيثة لروسيا والصين لمراكمة الذهب (والتي سنتحدث عنها في الفصل التاسع) وهي تنذر عن تحولات كبرى في الأصول المكونة للاحتياطيات النقدية للدول.

وهناك العديد من التهديدات المساعدة الأخرى. فإذا لم تظهر بوادر التضخم، فإن ذلك سيكون بسبب الانكماش المستعصي إيقافه، وسيكون الرد الذي سيعمل به الفدرالي هو تضخيم سعر الذهب بشكل جدي. إن روسيا والصين تسعى سعياً جدياً ودؤوباً لأن تحلّ من القيود التي يفرضها عليها معيار الدولار. وقد تسعى إيران والهند لقيادة حلف يسعى لتشكيل عملة احتياط آسيوية، وقد تسعى دول مجلس التعاون الخليجي لتسعير صادراتها النفطية بعملة إقليمية جديدة يصدرها مصرف مركزي يتخذ إحدى دول الخليج الفارسي مقراً له. إن التهديدات الجيوسياسية للدولار قد لا تنحصر في المنافسة السياسية لكنها قد تتحول إلى منافسة خبيثة وقد تأخذ الحرب المالية شكلاً لها. وأخيراً فإن النظام المالي العالمي قد ينهار على ذاته دون التعويل على أي هجوم من الجبهة الأمامية، وذلك نظراً للتعقيدات الداخلية فيه والتداعيات الاقتصادية في أقاليم العالم.

أما في الوقت الراهن، فسيبقى الدولار ونظامنا المالي الدولي وجهين لعملة واحدة. فإذا انهار الدولار فإن النظام المالي الدولي سيلحق به أيضاً؛ ولا يمكن أن يكون خلاف ذلك. إن المواطنين العاديين والمدخرين والمعتمدين على مرتبات التقاعد سيكونون أبرز الضحايا عند وقوع الانهيار، رغم أن انهيار كهذا لا يعني أبداً توقف للتجارة والتمويل والصيرفة. فاللاعبين الماليين البارزين، سواء كانوا دول أو مصارف أو مؤسسات متعددة الجنسيات والأنشطة سوف يتدبرون أمورهم فيما سيمضي وزراء المالية ورؤساء البنوك المركزية ورؤساء الدول في اجتماعات طارئة متواصلة لا نهاية لها لمحاولة إصلاح الأمور وسنّ القوانين الجديدة للعبة المال الدولية. وإن برزت في الشوارع مظاهر العصيان الاجتماعي قبل أن تتمكن النخب المالية من ضبط الأوضاع ومعالجة النظام المالي، فإن الدول ستحشد قواتها المؤلفة من الشرطة المعسكرة، والجيش والطائرات من دون طيار وشبكات المراقبة والتجسس وقوائم معلبة من أوامر قيادية عليا لقمع أي مظاهر سخط شعبي.

إن مستقبل النظام المالي الدولي لن يكون ذو أساس مبني على الدولار لأن الصين وروسيا والدول المصدرة للنفط والدول الأخرى الصاعدة سوف تتعاون وتصر على إنهاء الهيمنة المالية الأمريكية وإنشاء عملة بمعيار جديد. وسواء كان معيار العملة الجديدة ذو أساس من ذهب أو من سيدورات أو سلة من عملات الاحتياط فهو رهين الزمن ليكشف لنا ذلك. ومع ذلك، فإن الخيارات محدودة، والدراسة الكثيبة للاحتمالات الأبرز قد توفر للمستثمر أفضلية في اتخاذ القرارات وتزوده برؤية معقولة لحفظ ثروته في هذا العالم الجديد.

لقد خرج النظام المالي عن نطاق السيطرة؛ والأوضاع المتبدلة على الصعيد الاقتصادي العالمي، خصوصاً مع كل اللاعبين الجدد والولاءات المتقلبة والبله السياسي والتغيّرات التكنولوجية، فقد أمسى المستثمرين مرتبكين في حيرة من أمرهم. وفي كتاب "موت المال" سوف يطّلع القارئ على الأيام الأخيرة للدولار وما يليها من انهيارات في النظام المالي العالمي، كما أنه سيحضى بمنظور جديد للاطلاع على نظام مالي سوف ينهض من رفات النظام القديم.

(في حال نقل الموضوع الرجاء ذكر المترجم وإضافة رابط إلى هذه الصفحة، شكراً)

1. وسنسميها في هذه الترجمة سيدورات (المترجم) متابعة↩
2. equilibrium models متابعة↩
3. value-at-riskمتابعة↩
4. Bretton Woods system متابعة↩
5. complexity theory متابعة↩
6. hedge fund متابعة↩
7. Efficient-market متابعة↩
8. Richard Cantillon متابعة↩
9. V. I. Lenin متابعة↩
10. John Maynard Keynes متابعة↩
11. الجدير بالذكر أن أصحاب النظام الرأسمالي لا يشيرون إلى أن أهم عامل في ارتفاع نسب التضخم هو ما يقابلة من نسب الفائدة. وبالرجوع إلى الكثير من المراجع التي تتهم الرأسمالية بالربا فإنهم يشيرون صراحة إلى أن الربا هو المدمر العلني والصريح للمدخرات ورأس المال والنمو الاقتصادي (المترجم). متابعة↩
12. الحيوية الحيوانية هو مفهوم طرحه جون كينيز عالم الاقتصاد السياسي في ثلاثينيات القرن العشرين، وهي عبارة تصف مجموع الأحاسيس والغرائز والنزعات التي توجه السلوك الإنساني حين يمتلك –على سبيل المثال لا الحصر- ثقة في الاقتصاد والعملة وشهوة للتملك والاستهلاك. (ويكيبيديا) متابعة↩
13. inflation perceptions متابعة↩
14. المخاطر النظمية (بالإنجليزية: Systemic Risk) هي المخاطر التي لها تأثير على الاقتصاد ككل ولا تنحصر آثارها في قطاع معين أو عدة قطاعات فقط. (ويكيبيديا) متابعة↩

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.