بقلم: المختار بوخمسين
من المعروف أن العلوم الحديثة هي علوم صلبة رياضية عقلية تبلغ مستويات النضج مع التجريب والتطبيق. وأهم المجالات العلمية التي غيرت أنماط حياتنا وتفكيرنا وتطلعاتنا هي الفيزياء منذ أن بدأ نيوتن قوانينه الميكانيكية وصولاً إلى فاراداي في الكهرباء وماكسويل في الضوء ثم ماكس بلانك في الكم وآينشتاين في النسبية وانتهاء إلى حجة العصر في الفيزياء هوكنغز.
إن هذا العلم الصلب الذي نسميه الفيزياء يطرح منذ تطور أبحاث نظرية الكم والنظرية النسبية إلى أن الزمن، الذي يعتبره الجميع أمر بدهي لا يستحق الوقوف والتفكير، هو بعينه أمر نسبي كما هي المسافات وكما هي السرعات. والمقصود بنسبية الزمن هو أن سلوكيات ونفوذ الزمن على الموجودات خاضعة لعوامل وظروف معينة تتغير بتغير العوامل والظروف. ماذا نعني بذلك؟ وكيف يمكن للزمن أن يتغير سلوكه ونفوذه على الموجودات؟
للإجابة على هذه التساؤلات يجب علينا أن نعرف ماهية الزمان بأن نعرّفه، وأن نعرف أثر الزمان على الأشياء. وأن نعرف مدى نفوذه وسلطته. هل هي عامة ومتساوية على كل الموجودات أم تتغير في درجتها ونطاقها وحدودها ؟
يعرف قاموس أوكسفورد الوقت بأنه التواصل المستمر للوجود والأحداث في الماضي والحاضر والمستفبل باعتباره شيء كلي لا يتجزّأ. أما عند العرب فإن الزمن أو الوقت هما من الأفكار البسيطة الأساسية التي لم يعرّفوها لبساطتها بل فعّلوها في المعاجم (وقّت يؤقت توقيتاً)، ومتى ما تم محاولة شرحه وتعريفه نجد أن أرباب المعاجم يفسرون الزمن بالوقت إن لم يكتفوا ببيان استخداماته. ولو رجعنا لتعريف الوقت نجد أنه مقرون ومعرّف بالزمان، وهكذا دواليك. وفي بعض الأحيان يعرّف بتعاقب الأحداث في مدة طويلة أو قصيرة. وفي كل التفسيرات والتعريفات، يبقى المفهوم مبهماً غير ملموس. ولعل اتفاق الناس على إلغاز مفهوم الزمان لهو إشارة عجز ووقوف عند نهايات عالم الفهم، ومتى ما تكشّفت لنا أسرار الزمن فإننا سنمتلك مفاتيح علوم جديدة كلياً علينا.
أما في الفيزياء، يعرّف الوقت أو الزمن بوحدته القياسية البسيطة، فالوقت هو وحدة قياس تحدَّد بما تشير إليه الساعة، لا أكثر ولا أقل. وهو بسيط بمعنى أنه وحدة كمية ابتدائية مثل الكتلة والطول والشحنة الكهربائية، ويدخل في تركيب الوحدات المركبة (السرعة، والحركة والقوة والجاذبية والطاقة... إلخ ) ولا يدخل في تعريفه أي وحدة أخرى. وهنا نرى أنه تبسيط تجريدي لأهداف رياضية لا تعطينا معانٍ تفسر ماهيته.
لكن الذي أثبته علماء الفيزياء وغير علماء الفيزياء أننا سنحصل على فهم أعمق للزمن لا في حال التبسيط بل في حال التركيب. فنحن نفهم الزمن أكثر حين نقرنه بمسافة وسرعة وكتلة. ونفهمه في الاقتصاد حين نستخدمه لقياس كل ما يهمنا في حياتنا اليومية مثل عدد الأشجار التي نقطعها في الساعة ونفهمه في إدارة المشاريع بعدد الأمتار المربعة من الطرقات التي نعبدها في اليوم، ونفهمه من الطبيعة بأن ننظم بها الحوادث المتكررة لضبط الظواهر الطبيعية الحولية والمناخية والفلكية ونفهمه في التاريخ والاجتماع والسياسة حين نضع الفواصل التاريخية بتعيين تواريخ الميلاد والوفاة وتواريخ الأحداث الجسيمة المؤثرة مثل تولي الحكام وأيام المعارك والحروب.
والسؤال الذي يحير هو متى بدأ الزمن؟ ولا شك أنه سؤال عميق لا يمكن الإجابة عنه دون تحديد أو تأطير. فنحن كما حاولنا فهم الوقت في إطار الطبيعة فلابد أن نحدد بداية الزمن بالطبيعة أيضاً. يقول علماء الفيزياء الفلكية أن السؤال عظيم بعظمة الكون لأنه مقرون به بل إن الواحد توأم الآخر. إذاً فإن من المقطوع به أن الزمن حادث كما أن الكون حادث. وهو ليس حادث وحسب، بل هو نسبي أيضاً. فماذا نقصد حين نقول بأن الزمن نسبي؟
إن نسبية الزمن هو كنسبية المسافة والسرعة حسب النظرية النسبية العامة التي وضعها آينشتاين. أي أن تأثير الزمن في الشيء يختلف باختلاف سرعته بالنسبة لسرعة الضوء، ومكانه من جسم جاذب. والقاعدة هي أن سرعتك كلما اقتربت من سرعة الضوء فإن الزمن المؤثر فيك يتباطأ بالمقارنة مع الأشياء الأقل سرعة، دون أن يتغير إحساسك أنت بالزمن. كذلك فإن الزمن المؤثر فيك يتباطأ أيضاً كلما كنت خاضعاً لحجم أكبر من الجاذبية النابعة منه.
إذاً فإن تأثير الزمان على الأشياء في الكون ليست تأثيراً واحداً ثابتاً ولتوضيح ذلك نضرب المثالين التاليين:
هناك أخوان توأمان الأول اسمه حسان والثاني محسن. محسن شاب رياضي وذكي ومبدع في الفيزياء والرياضيات والألعاب الرياضة. أما حسان فهو بدين يتقن الشعر والأدب. قررت وكالة الفضاء الوطنية ترشيح محسن دون حسان في برنامجها الفضائي لقيادة مركبة فضائية بتقنيات متطورة جداً تقارب سرعة الضوء لذكائه ولياقته البدنية. عند عود محسن من رحلته الفضائية التي لم تستغرق الكثير من الأشهر يفاجأ بأن أخاه قد شاخ وتقدم عليه بالعمر بعقود، رغم أنه يعرف يقيناً أنه أمضى بضعة أشهر في الفضاء وحسب. هذه الحالة تعرف لدى علماء الفيزياء بـ"مفارقة التوأم". وهذه الظاهرة تحدث أيضاً للتوأمين في مثال آخر هو: لو أنهما سافرا معاً إلى الفضاء وافترقا عند نقطة ما في الفضاء ودخل أحدهما حيز جرم نجمي له جاذبية فائقة القيمة بينما بقي الآخر ينتظر في الخلف. فالثاني يتغير تأثير الزمن عليه مقارنة بالأول نظراً لتعاظم قيمة الجاذبية عليه. وستتفارق أعمار كل منهما بمقدار معين حين يلتقيان من جديد.
بعد أن تعرفنا –نظرياً- بأن الوقت نسبي، وأنه حادث مع حدوث الكون، فالسؤال الذي يتبادر، ماذا كان قبل الزمن، وماذا سيكون بعده؟ وما هو محيط تأثيره. وكيف ستؤثر الإجابة عن هذه الأسئلة على فهمنا لطبيعة الأشياء؟ وكيف سيؤثر هذا الفهم الجديد على فهمنا للأسئلة الوجودية والدينية الأعمق، عن الأزل والأبد والبدء والخلق وعالم بعد الموت والقيامة وأهم من ذلك علاقتنا بخالق الكون والزمان والوجود؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.