ترجمها بتصرف: المختار موسى بوخمسين
ألفريد روبرت شلدريك هو كاتب إنجليزي وخطيب وباحث في مجال علم النفس الماورائي، وقد عرف لفكرته المسماة "الرنين التشكيلي". وقد عمل في الكيمياء الحيوية وتخصص في علوم الخلية في جامعة كامبريج من عام 1967 حتى عام 1973، وهو العالم الأول في فيزيولوجيا النبات في المعهد الدولي لمحاصيل المنطقة الاستوائية شبة القاحلة.
رابط الفيديو:
ألفريد روبرت شلدريك هو كاتب إنجليزي وخطيب وباحث في مجال علم النفس الماورائي، وقد عرف لفكرته المسماة "الرنين التشكيلي". وقد عمل في الكيمياء الحيوية وتخصص في علوم الخلية في جامعة كامبريج من عام 1967 حتى عام 1973، وهو العالم الأول في فيزيولوجيا النبات في المعهد الدولي لمحاصيل المنطقة الاستوائية شبة القاحلة.
رابط الفيديو:
إن المقصود بأوهام العلم هي تلك المعتقدات التي تزعم بأن العلم يفهم طبيعة الواقع من حيث المبدأ ويعالج معظم التساؤلات والمعضلات بحيث لا يبقي لنا بعد ذلك إلا اكتشاف التفاصيل الجزئية، وهو اعتقاد واسع الانتشار في مجتمعاتنا الحديثة. وهو ذلك النوع من منظومة المعتقدات الذي ينتمي لأناس يقولون أنهم لا يؤمنون بالله بل يؤمنون بالعلم.
ومنظومة المعتقدات هذه انتشرت في أصقاع المعمورة قاطبة. إلا أن هناك نزاع قائم في قلب العلم الحديث يناقش نظرتنا إلى العلم بين من يرى فيه منهجية بحثية مبنية على المنطق والدليل والفرض والتحقق الجمعي للمعلومة، وبين من يرى أن العلم منظومة من المعتقدات التي تعيننا على فهم العالم.
ولسوء الحظ فإن الرؤية الثانية التي ترتكز على أن العلم هو أداة لفهم العالم أصبحت تحد وتكبح حرية البحث، ولا شك أن حرية البحث تعتبر القلب النابض والمحرك لكل من يشتغل بالبحث العلمي. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، كان الاشتغال بالبحث العلمي ينبع من كونه الأداة المعتقدية التي تعيننا على فهم العالم، وهي نظرة في جوهرها مأخوذة عن الفلسفة المادية.
وبإمكاننا القول في هذا اليوم أن العلوم الحديثة تقع كليةً تحت رعاية النظرة المادية للعالم. وأعتقد جازماً بأننا حين نتحرر من هذه الحالة، فإن العلوم ستتجدد وستتوالد مرّة أخرى. وما أقوم به في كتابي "أوهام العلم" - الذي صار يسمى "تحرير العلم" في الولايات المتحدة - هو أنني أضع عشرة دوغمائيات أو فرضيات أو عصبيات عن العلم الحديث وأحوّلها إلى تساؤلات، لأرى كيف تواجهها -أنت- إن نظرت إلى كل منها بشكل علمي رصين.
والمفاجئ أن أي منها لا يقف على قدم راسخة أمام هذه التساؤلات. إن ما سأقوم به أولاً هو أنني سأذكر هذه الدوغمائيات أو العصبيات العشر، ثم سأخصص بعض الوقت لمناقشة واحدة أو اثنتين منها بشيء من التفصيل.
إن العصبيات العشر التي تشكل النظرة الشائعة لفهم العالم عند أكثر الناس تعليماً وثقافة حول العالم هي:
أولاً: إن الطبيعة ميكانيكية في صميمها أي أن عملها يشبه عمل الميكانيكا، والكون أشبه ما يكون للآلة، والحيوان والنبات تشبه الآلات أيضاً، بل إن الإنسان بنفسه يشبه الآلة من خلال آلية عمله. وفي الواقع، نحن لسنا إلا آلات تمشي على اثنتين. "نحن لسنا سوى روبوتات تحتطب طريقها عبر هذه الحياة"، كما تقول عبارة ريتشارد دوكنز الزاهية، بعقولنا التي برمجت جينياً كما يبرمج الحاسوب.
ثانياً: إن المادة غير واعية، وقد صُنع الكون كله من مادة غير واعية. ولا وجود للوعي في النجوم والمجرات والكواكب، بل ولا وجود لها في الحيوانات والنباتات، وحريّ أن لا يكون هناك أي وعي فينا نحن بني البشر، إن كانت هذه النظرية صحيحة. إذاً، فكل الفلسفات العقلية التي ظهرت خلال السنوات المئة الماضية إنما جاءت لمحاولة إثبات أننا فارغون من الوعي تماماً!!!
إذاً، فبما أن المادة غير واعية، فإن قوانين الطبيعة ثابتة. وهي العصبية الثالثة. إن قوانين الطبيعة هي ذاتها اليوم وهي كما كانت منذ لحظة الانفجار العظيم وستبقى على حالها إلى أبد الآبدين. والحال لا ينطبق على القوانين وحسب، بل إن ذلك يتعدى إلى الثوابت الطبيعية وهو السبب الذي سميت به هذه الثوابت ثوابت.
العصبية الرابعة: إن المجموع الكلي للمادة والطاقة هي ثابتة دائماً. وهي لم تتغير في مجموعها الكلي إلا لحظة وقوع الانفجار العظيم، وهي لحظة ظهورها المفاجئ للوجود من اللامكان في لحظة يتيمة.
العصبية الخامسة: هي أن الطبيعة غير ذات هدف، ولا يوجد أي هدف في الطبيعة مطلقاً. والعملية التطورية غير ذات وجهة أو هدف.
العصبية السادسة: إن الوراثة الحيوية مادية الطابع، وكل ما ورثته أنت، هو إما من جيناتك أو من تعديل البيئة على قوامك الحيوي، أو من مورثاتك السيتوبلازمية. وهي لا تعدو كونها مادية.
العصبية السابعة: الذكريات مختزنة داخل دماغك على شكل آثار مادية. وبطريقة ما، فإن كل شيء تتذكره هو من دماغك، باستحداث بروتينات فوسفاتية داخل نهايات عصبية تتقلب تقلبات لا حصر ولا نهاية لها. ولا أحد يعلم كيف تعمل، إلا أنها رغم ذلك، مؤكدة الوجود داخل الدماغ كما يعتقد كل من ينتمي إلى المجتمع العلمي حول العالم تقريباً.
العصبية الثامنة: إن عقلك داخل رأسك. وكل وعيك لا يعدو كونه تلك الأنشطة التي تتولد داخل دماغك لا أكثر ولا أقل.
العصبية التاسعة، وهي تالية للعصبية الثامنة: الظواهر العقلية مثل التخاطر الذهني هي من المستحيلات. فأفكارك وضوامر نفسك لا يمكن لها أن تترك أثراً، لا على القاصي ولا الداني، لأن عقلك داخل رأسك.
ومن ذلك فإن كل ما يظهر من الأدلة على وجود التخاطر الذهني والظواهر العقلية الخارقة الأخرى ليست سوى أوهام وأخاديع. ويعتقد الناس أن هذه الأشياء تحدث، إلا أنهم غير ملمين بحقيقة الإحصائات التي ترصد هذه الظواهر أو أنهم ينخدعون بأنها صدفة صرفة أو أنهم ينساقون مع أهوائهم وأمانيهم.
وأخيراً العصبية العاشرة: العلاج الميكانيكي هو العلاج الناجع الوحيد دون سواه. ولذلك فإن الحكومات لا تمول إلا البحوث في العلاجات والأدوية الميكانيكية متجاهلين بذلك العلاجات التكميلية و العلاجات البديلة. وهم يعتقدون أن تلك الأنواع العلاجية لا يمكن لها أن تعمل لأنها ليست ميكانيكية. ويظهر أنها تعمل فقط لأن الناس تبدأ في التماثل للشفاء على كل حال أو بسبب تأثير الإيحاء الذاتي. ولا شك ولا ريب بأن الدواء الوحيد الذي يعمل بحق هو الدواء الميكانيكي.
هذه هي النظرة الشائعة للعالم الذي ينطوي عليها كل المتعلمين والمثقفين في العالم تقريباً، وهو الأساس الذي بنيت عليه أنظمة التعليم، والخدمات الصحية، ومستشاريات البحوث الطبية، والحكومات، وهي ببساطة طريقة الفهم التقليدية للمتعلمين والمثقفين حول العالم.
ولكنني أعتقد أن كل عصبية من العصبيات العشر، متهافتة جداً، ولو قمت بتقليبها وفحصها فإنها سرعان ما ستنهار بين يديك. وسآخذ أولاً فكرة أن قوانين الطبيعة ثابتة. وهي ليست إلا بعض عوالق النظرة القديمة للعالم في حقبة ستينات القرن الماضي قبل انتشار نظرية الانفجار العظيم.
وقد اعتقد الناس في ذلك الوقت بخلود الكون بأكمله، وقد قُنّن بقوانين الخلود الرياضية. وعندما ظهرت نظرية الانفجار العظيم، تتابعت الفرضيات برغم ما أسست له نظرية الإنفجار العظيم بأن هذا الكون هو كون متطور في صميمه وما فتئ على ذلك منذ عمره الذي ناهز 14 مليار سنة.
إنه كون ينمو ويتطور ويترقى منذ 14 مليار عام. ينمو ويبرد فتظهر بنىً وأنماط في داخله. إن الفكرة الرائجة كانت تزعم أن قوانين الطبيعة ثابتة بالكامل وهي ما برحت على ما كانت عليه لحظة الانفجار العظيم، كما لو أنها منظومة القوانين النابليونية ولكن في إصدار خاص بالكون.
وكما كان صديقي تيرانس مكّينا يقول، "يستند العلم الحديث على مبدأ واحد: أعطني معجزة مجانية واحدة وسنقوم نحن بشرح الباقي"
والمعجزة المجانية الواحدة هي ظهور كل أنواع المادة والطاقة في الكون وكل القوانين التي تحكمها. كلها ظهرت من لا شيء في لحظة زمنية متناهية في الصغر.
والحقيقة، إن كنا في كون متطوّر، فلم لا تكون قوانينه تتطور أيضاً؟ أفلا تتطور قوانين البشر؟ أوليست فكرة أن للطبيعة قوانين مستعارة من فكرة قوانين البشر وناشئة عنها؟
هذه الاستعارة هي استعارة مغرقة في الناسوتية: أي أن الناس وحدهم من يصنعون القوانين، بل الواقع يملي علينا أن الحضارة وحدها هي من تصنع القوانين.
وكما قال الروائي الأيرلندي الشهير كلايف لويس ذات يوم: "أن تقول عن حجر ما يسقط نحو الأرض بأنه يتبع قانوناً ما، فإن ذلك يجعل منه بشراً بل يجعله مواطناً."
وهي استعارة تعوّدنا على سماعها، فنسينا أنها مجرد استعارة وتشبيه. ففي الكون المتطور أعتقد أن البديل الأحسن لفكرة القوانين هي فكرة الطباع. وأعتقد أن طباع الطبيعة هي التي تتطور، أي أن نظاميات الطبيعة خاضعة للعادة.
هذه الفكرة وضعت في بداية القرن العشرين على يد الفيلسوف الأمريكي شارلز بيرس. وهي فكرة اهتم بها العديد من الفلاسفة غيره،
وهي فكرة أخذتها أنا وطورتها إلى فرضية علمية، وهي فرضية الرنين التشكيلي "Morphic Resonance"، وهي أساس هذه العادات المتطورة.
ووفقاً لهذه الفرضية، فإن كل شيء في الطبيعة يمتلك ذاكرة جمعية. والرنين يحدث على أساس التشابه. وفيما ينمو جنين الزرافة في رحم أمه، فإنه ينسجم مع الرنين التشكيلي لأسلافه الرزاف، ويعتمد على الذاكرة الجمعية، لينمو كما ينمو أي فرد من جنس الزراف، ويتصرف كما يتصرف الزراف لأنه يعتمد على هذه الذاكرة الجمعية.
ولا بد أن يتكون من الجينات المناسبة للزراف ليصنع البروتينات المناسبة لها، إلا أن وظيفة الجينات، حسب ما أعتقد، قد أعطيت دوراً فوق دورها الطبيعي. إن دور الجينات ينحصر في إنتاج أنواع البروتينات ولا يشمل الأعضاء التي تتكون، ولا الشكل ولا الهيئة ولا السلوك.
وكل كائن له نوع من أنواع الذاكرة الجمعية. حتى أن البلورات لها هذه الذاكرة. هذه النظرية تتنبأ أنك لو صنعت نوعاً جديداً من البلورات للمرة الأولى، فإنك في المرة الأولى لصناعتك لها فإنها لن تملك سلوكاً موجوداً قط. وما إن تتبلور للمرة الأولى فإنك في المرة اللاحقة التي تصنع بلورة أخرى فإن البلورات الأولى سيكون لها تأثير على كل البلورات الثانية عبر العالم كله، وبتأثير ظاهرة الرنين التشكيلي فإنها ستتبلور بشكل أسهل.
وفي المرة الثالثة، سيكون هناك تأثير من البلورات الأولى والثانية. وهناك كمية جيدة من الأدلة تشير إلى أن المركبات الجديدة المبتكرة حديثاً تتبلور تبلوراً أكثر سهولة كل مرة تصنع حول العالم، كما تتنبأ بها هذه النظرية.
والمفاجئ أن هناك الكثير من الأدلة أن ذلك يحصل بالفعل. على كل حال، هذه هي فرضيتي باختصار والتي أسميها الرنين التشكيلي "morphic resonance"، فكل شيء يعتمد على التطور السلوكي وليس القوانين الثابتة.
ولكني أريد أن أقضي بضعة دقائق على الثوابت الطبيعية أيضاً. لأن هذه الثوابت نقول مفترضين أنها ثوابت. إن أشياء مثل ثابت الجاذبية، وسرعة الضوء تسمى ثوابت أولية. فهل هي ثوابت حقاً؟
عندما أثارني الفضول بهذا السؤال حاولت إيجاد الجواب الشافي له. تحتفظ الكتيبات العملية للفيزياء بقوائم تحتوي على قيم هذه الثوابت حسب ما اقتضت حاجة الدارسين. وأغلب كتبت الفيزياء تسرد الثوابت الأولية المعروفة وتعطيك قيمتها أيضاً.
ولكني كنت أريد أن أرى إن كانت هذه الثوابت قد تغيّرت، فذهبت إلى الإصدارات القديمة من الكتيبات العملية للفيزياء. وذهبت إلى مكتبة دائرة براءات الاختراعات هنا في لندن، وهو المكان الوحيد الذي عرفت أنهم يحتفظون فيها بالإصدارات القديمة، فليس من المستغرب أن الناس يرمونها. فعندما تصدر القيم الجديدة فإن الناس ترمي القيم القديمة في سلة المهملات.
وعندما قمت بذلك، وجدت أن سرعة الضوء انخفضت ما بين عامي 1928 و 1945 بمقدار 20 كيلو متر في الثانية. وهذا الانخفاض كبير جداً لأنها سجلت بالخطأ الناتج عن الكسور والفواصل العشرية المقيدة. رغم ذلك، فإن هذا الانخفاض سُجّل في كل أنحاء العالم
وكانوا كلهم يسجلون قيماً متقاربة من بعضهم بأخطاء ضئيلة جداً، ثم فجأة في عام (1945) 1948 عادت للارتفاع مرة أخرى، وبدأ الناس بالحصول على قيم متشابهة مرة أخرى.
وقد تعجبت من ذلك، ولم أستطع إيجاد أي تفسير عليه، فقررت أن أزور رئيس هيئة علم القياس، في مختبر الفيزياء الوطني في مدينة تدينغتون. وعلم القياس هو ذلك العلم الذي يتخصص في الناس لقياس الثوابت. فسألته عن هذا الموضوع بقولي: ما هو تفسيرك لهذا الانخفاض في سرعة الضوء ما بين عامي 1928 و 1945؟
فقال، "يا إلهي، لقد كشفت عن أكثر الفترات إحراجاً في تاريخنا العلمي."
فقلت له حسناً، هل بإمكان سرعة الضوء أن تنخفض فعلاً، وبأن ذلك سيفضي إلى عواقب عجيبة لو أنها فعلاً انخفضت.
فرد عليّ قائلاً: " لا بالطبع لا، لا يمكن أن تكون قد انخفضت فعلاً، فهو ثابت!"
- حسناً، فكيف تفسر ما وقع بالفعل، بأن الجميع تقريباً كانوا يسجلون الانخفاض خلال تلك الفترة؟ هل من الممكن أن يكون أنهم يتلاعبون بالنتائج ليحصلوا على ما يظنوه الرقم الذي سيحصل عليه سائر الناس؟ وأن الأمر برمته كان ناتجاً عن عقول الفيزيائيين في تلك الفترة؟
- إننا لا نفضل استخدام كلمة "تلاعب".
فقلت فماذا تفضلون تسميته إذاً؟
فقال، "إننا نفضل أن نسمي تلك الظاهرة ارتهان فكري لحظي"
- فإن كان هذا ما هو حاصل، فكيف لنا أن نتأكد أن هذا الحال لا يتكرر اليوم، وأن النتائج التي نعرفها اليوم ما هي إلا نتاج ظاهرة الارتهان الفكري اللحظي؟
فقال، "لا نحن على يقين أنها ليست كذلك."
فقلت، كيف نعرف ذلك؟
قال، " لقد أوجدنا حلاً المشكلة".
فأجبته كيف؟
فقال، "لقد ثبتنا سرعة الضوء من خلال تعريف الضوء في عام 1972".
- ومع ذلك ربما يتغير بالفعل.
فقال، "نعم، ولكننا لن نعرف أبداً لأننا عرّفنا المقياس من حيث سرعة الضوء، لذلك فإن الوحدات تتغير معها".
وقد بدت عليه علامات الرضا، فقد وجدوا حلاً لمشكلتهم.
لكني قلت له، حسناً ماذا عن جيم الكبرى؟
وهي ثابت الجاذبية المعروف بين أهل الفيزياء بجيم الكبرى، وهي تكتب بالحرف اللاتيني الكبير G.
وهو ثابت الجاذبية الكوني الذي ذكره نيوتن. وقد اختلف خلال السنوات الأخيرة بمقدار 1.3 بالمئة.
ويبدو أنه يختلف باختلاف المكان وباختلاف الزمان.
فقال، "حسناً، إن هناك احتمال لا بأس به للخطأ، ولسوء الحظ فإن هناك أخطاء كبرى فيما يخص جيم الكبرى."
فقلت، ماذا لو كانت تتغير بحق، لعلها تتغير حقيقة.
ثم نظرت في كيفية توصلهم لنتائجهم: إن ما يحدث بالفعل هو أنهم يقيسونها في مختبرات مختلفة، ويحصلون على نتائج مختلفة باختلاف الأيام، ثم يقومون بتسجيل المتوسط الحسابي لكل القراءات. ثم تقوم المختبرات المنتشرة حول العالم باتباع نفس الطريقة
فيتوصلون في نهاية المطاف إلى متوسط حسابي مختلف جداً.
ثم تلتفي الجمعية الدولية لعلم القياس كل عشر سنوات تقريباً، وتقوم هي بدورها بحساب المتوسط الحسابي لكل القراءات المجموعة من مختبرات العالم لتخرج لنا بقيمة جيم الكبرى.
ولكن ماذا لو كانت قيمة ج في الحقيقة متذبذبة؟ ماذا لو كانت تتغير؟ فهناك أدلة بحوزتنا تشير إلى أنها تتغير طوال النهار وطوال أيام السنة. ماذا لو كانت الأرض أثناء تحركها في المحيط الكوني، ومرورها عبر بقع المادة المظلمة أو عبر عوامل محيطية أخرى تغير قيمتها؟ ولعل كل القراءات تتغير برمتها. ماذا لو كانت تلك الأخطاء الحسابية ترتفع كلها في آن واحد أو تنخفض في آن واحد؟
مضت أكثر من 10 سنوات وما فتئت أحاول أقنع علماء القياس لأن يفحصوا البيانات الأولية المسجلة تلك. وفي الواقع، أنا الآن أحاول أن أقنعهم بأن يضعوا تلك البيانات على الشبكة العنكبوتية، ويرفقوا معها تواريخ القياس الفعلي، لنرَ إن كانت هناك علاقة بين القراءات وتواريخها، لكي نرَ إن كانت فعلاً ترتفع معاً في زمان ما وتنخفض معاً في زمان آخر.
وإن كانت كذلك، فقد يكون تذبذبها مترابط ببعضها البعض، وهو ما سيخبرنا عن شيء مهم ومثير جداً. إلا أن أحداً لم يقدم على ذلك، والسبب هو رسوخ القناعة بأن جيم ما هو إلا ثابت. ولا جدوى في البحث عن تغييرات فيه لأنه ثابت. هل ترون معي؟ هذا هو مثال بسيط يظهر كيف أن افتراض عصبي ما بإمكانه أن يحد من التحقق البحثي.
وأنا بنفسي أعتقد أن الثوابت بإمكانها أن تتفاوت في القيمة بشكل لافت. صحيح أنها ستكون في حدود ضيقة، إلا أنها جميعاً قد تكون متفاوتة. وأعتقد أننا ما زلنا بانتظار اليوم الذي ستحتوي صفحات الدوريات العلمية مثل مجلة "Nature" على تقرير يظهر القيم الأسبوعية للثوابت كما يحصل تماماً مع تقارير سوق الأسهم في الجرائد.
لقد ارتفعت قيمة ثابت الجاذبية قليلاً هذا الأسبوع، وقيمة شحنة الإلكترون انخفضت قليلاً، أما سرعة الضوء فقد استقرت على قيمتها،
ونحو ذلك.
إذاً، فهذا جانب واحد، جانب واحد لا غير حيث يمكّننا من أن نجزم بأن التقليل من العقلية الدوغمائية العصبية ستفتح أمامنا آفاق المستقبل. وإحدى أكبر المجالات التي ستُفتح هي البحوث في طبيعة العقل، وهي أكثر المعاضل التي لم تُحلّ كما أسلف مضيفنا السيد غراهام قبل قليل.
إن العلم الحديث لا يمكن أن يتعامل أبداً مع حقيقة أننا كائنات واعية. ولا يمكن للعلم الحديث أن يتعامل مع حقيقة أن أفكارنا لا تنحصر داخل أدمغتنا كما يبدو لنا. كما أن تجاربنا الشخصية ليست كلها حبيسة جماجمنا وأدمغتنا. إن الصورة الذهنية التي تمتلكها عن الشجرة لا يبدو أنها داخل دماغك. مع ذلك، فإن الانطباع الرسمي هو أن الشجرة لا تبرح كونها داخل رأسك. وكل شيء في المكان الذي تجلس فيه داخل رأسك أيضاً.
إن تجاربك هي داخل دماغك. وما أحاول الإشارة إليه في واقع الأمر أن البصر متعلق بإسقاط خارجي للصور، وإن ما تراه هو داخل عقلك لكنه ليس داخل رأسك. إن عقولنا تمتد إلى ما هو أبعد من أدمغتنا حينما ندرك. أعتقد أننا نسقط الصور إلى الخارج عندما نبصر وهذه الصور تلامس ما نشاهده.
فإن نظرتُ إليك من الخلف وأنت غير عالم بوجودي، فهل بإمكاني أن أؤثر فيك؟ هل تشعر بتحديقي فيك؟ إن هناك الكثير من الأدلة على وجود هذا الشعور عند الناس. إن الشعور بأنك مراقب من قبل الآخرين هو من أكثر الخبرات شيوعاً، وتشير بعض التجارب الحديثة إلى أن هذا الشعور يستند على حقيقة ما. ويظهر أن الحيوانات تتمتع بهذا الشعور أيضاً.
وأعتقد أن هذا الشعور تطور في سياق العلاقة القائمة بين الفريسة والمفترس. فالفرائس التي تتمتع بالشعور بمراقبة المفترس ستتمكن من النجاة بدرجة أفضل من التي لا تتمتع بهذا الشعور وهذا سيقود إلى طريقة جديد كلياً من التفكير عن العلاقة البيئية بين الفريسة والمفترس، كما ستطلعنا على مستوىً جديد من قدرات عقولنا.
عندما نتطلع إلى النجوم البعيدة، أعتقد أن عقولنا تمد أهدابها بداعِ ملامسة هذه النجوم، وهي تحاول مطاولة عنان السماء (فعلاً لا مجازاً) للوصول إلى تلك المسافات الفلكية المتباعدة.
إن تلك الخبرات ليست داخل رؤوسنا. وقد يبدو من المذهل أن مثل هذه المواضيع تطرح للجدل في القرن الحادي والعشرين.
فنحن لا نعرف إلا الشيء اليسير عن عقولنا إلى درجة أننا نختلف على طبيعة الصور البصرية التي نراها لتظهر المسألة كموضوع ساخن تغزو النقاشات القائمة في دراسات الوعي هذه الأيام.
ولا أملك وقتاً كافياً للتعامل مع المزيد من هذه الدوغمائيات، ولكن كل واحدة منها هي عرضة لمساءلة طويلة. وإن تجرأ الفرد على استنطاق الحقيقة منها، فإن أنواع جديدة من البحوث وأنواع جديدة من الإمكانات ستخرج من رحمها.
وأعتقد أننا مع إقدامنا على مساءلة هذه الدوغمائيات التي كبحت جماح التقدم العلمي لكل هذا الزمن، فإن العلم الحديث سيمر بمرحلة ازدهار جديد وسيكون عصر تنوير جديد.
أنا أعتبر نفسي من المؤمنين إيمانا كلياً بأهمية العلم. وقد أفنيت عمري كباحث علمي، طوال حياتي المهنية. ولكني أعتقد أننا بتجاوزنا لهذه الدوغمائيات، فإن العلم سينبعث من جديد. ومرة أخرى سيرجع العلم مثار لاهتمام العالم، وسيرجع العلم كما آمل ليؤكد على ضرورة الحياة.
شكراً لكم.
ملاحظة: في حال النقل يرجى حفظ جهد الترجمة... مع الشكر الجزيل.
ومنظومة المعتقدات هذه انتشرت في أصقاع المعمورة قاطبة. إلا أن هناك نزاع قائم في قلب العلم الحديث يناقش نظرتنا إلى العلم بين من يرى فيه منهجية بحثية مبنية على المنطق والدليل والفرض والتحقق الجمعي للمعلومة، وبين من يرى أن العلم منظومة من المعتقدات التي تعيننا على فهم العالم.
ولسوء الحظ فإن الرؤية الثانية التي ترتكز على أن العلم هو أداة لفهم العالم أصبحت تحد وتكبح حرية البحث، ولا شك أن حرية البحث تعتبر القلب النابض والمحرك لكل من يشتغل بالبحث العلمي. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، كان الاشتغال بالبحث العلمي ينبع من كونه الأداة المعتقدية التي تعيننا على فهم العالم، وهي نظرة في جوهرها مأخوذة عن الفلسفة المادية.
وبإمكاننا القول في هذا اليوم أن العلوم الحديثة تقع كليةً تحت رعاية النظرة المادية للعالم. وأعتقد جازماً بأننا حين نتحرر من هذه الحالة، فإن العلوم ستتجدد وستتوالد مرّة أخرى. وما أقوم به في كتابي "أوهام العلم" - الذي صار يسمى "تحرير العلم" في الولايات المتحدة - هو أنني أضع عشرة دوغمائيات أو فرضيات أو عصبيات عن العلم الحديث وأحوّلها إلى تساؤلات، لأرى كيف تواجهها -أنت- إن نظرت إلى كل منها بشكل علمي رصين.
والمفاجئ أن أي منها لا يقف على قدم راسخة أمام هذه التساؤلات. إن ما سأقوم به أولاً هو أنني سأذكر هذه الدوغمائيات أو العصبيات العشر، ثم سأخصص بعض الوقت لمناقشة واحدة أو اثنتين منها بشيء من التفصيل.
إن العصبيات العشر التي تشكل النظرة الشائعة لفهم العالم عند أكثر الناس تعليماً وثقافة حول العالم هي:
أولاً: إن الطبيعة ميكانيكية في صميمها أي أن عملها يشبه عمل الميكانيكا، والكون أشبه ما يكون للآلة، والحيوان والنبات تشبه الآلات أيضاً، بل إن الإنسان بنفسه يشبه الآلة من خلال آلية عمله. وفي الواقع، نحن لسنا إلا آلات تمشي على اثنتين. "نحن لسنا سوى روبوتات تحتطب طريقها عبر هذه الحياة"، كما تقول عبارة ريتشارد دوكنز الزاهية، بعقولنا التي برمجت جينياً كما يبرمج الحاسوب.
ثانياً: إن المادة غير واعية، وقد صُنع الكون كله من مادة غير واعية. ولا وجود للوعي في النجوم والمجرات والكواكب، بل ولا وجود لها في الحيوانات والنباتات، وحريّ أن لا يكون هناك أي وعي فينا نحن بني البشر، إن كانت هذه النظرية صحيحة. إذاً، فكل الفلسفات العقلية التي ظهرت خلال السنوات المئة الماضية إنما جاءت لمحاولة إثبات أننا فارغون من الوعي تماماً!!!
إذاً، فبما أن المادة غير واعية، فإن قوانين الطبيعة ثابتة. وهي العصبية الثالثة. إن قوانين الطبيعة هي ذاتها اليوم وهي كما كانت منذ لحظة الانفجار العظيم وستبقى على حالها إلى أبد الآبدين. والحال لا ينطبق على القوانين وحسب، بل إن ذلك يتعدى إلى الثوابت الطبيعية وهو السبب الذي سميت به هذه الثوابت ثوابت.
العصبية الرابعة: إن المجموع الكلي للمادة والطاقة هي ثابتة دائماً. وهي لم تتغير في مجموعها الكلي إلا لحظة وقوع الانفجار العظيم، وهي لحظة ظهورها المفاجئ للوجود من اللامكان في لحظة يتيمة.
العصبية الخامسة: هي أن الطبيعة غير ذات هدف، ولا يوجد أي هدف في الطبيعة مطلقاً. والعملية التطورية غير ذات وجهة أو هدف.
العصبية السادسة: إن الوراثة الحيوية مادية الطابع، وكل ما ورثته أنت، هو إما من جيناتك أو من تعديل البيئة على قوامك الحيوي، أو من مورثاتك السيتوبلازمية. وهي لا تعدو كونها مادية.
العصبية السابعة: الذكريات مختزنة داخل دماغك على شكل آثار مادية. وبطريقة ما، فإن كل شيء تتذكره هو من دماغك، باستحداث بروتينات فوسفاتية داخل نهايات عصبية تتقلب تقلبات لا حصر ولا نهاية لها. ولا أحد يعلم كيف تعمل، إلا أنها رغم ذلك، مؤكدة الوجود داخل الدماغ كما يعتقد كل من ينتمي إلى المجتمع العلمي حول العالم تقريباً.
العصبية الثامنة: إن عقلك داخل رأسك. وكل وعيك لا يعدو كونه تلك الأنشطة التي تتولد داخل دماغك لا أكثر ولا أقل.
العصبية التاسعة، وهي تالية للعصبية الثامنة: الظواهر العقلية مثل التخاطر الذهني هي من المستحيلات. فأفكارك وضوامر نفسك لا يمكن لها أن تترك أثراً، لا على القاصي ولا الداني، لأن عقلك داخل رأسك.
ومن ذلك فإن كل ما يظهر من الأدلة على وجود التخاطر الذهني والظواهر العقلية الخارقة الأخرى ليست سوى أوهام وأخاديع. ويعتقد الناس أن هذه الأشياء تحدث، إلا أنهم غير ملمين بحقيقة الإحصائات التي ترصد هذه الظواهر أو أنهم ينخدعون بأنها صدفة صرفة أو أنهم ينساقون مع أهوائهم وأمانيهم.
وأخيراً العصبية العاشرة: العلاج الميكانيكي هو العلاج الناجع الوحيد دون سواه. ولذلك فإن الحكومات لا تمول إلا البحوث في العلاجات والأدوية الميكانيكية متجاهلين بذلك العلاجات التكميلية و العلاجات البديلة. وهم يعتقدون أن تلك الأنواع العلاجية لا يمكن لها أن تعمل لأنها ليست ميكانيكية. ويظهر أنها تعمل فقط لأن الناس تبدأ في التماثل للشفاء على كل حال أو بسبب تأثير الإيحاء الذاتي. ولا شك ولا ريب بأن الدواء الوحيد الذي يعمل بحق هو الدواء الميكانيكي.
هذه هي النظرة الشائعة للعالم الذي ينطوي عليها كل المتعلمين والمثقفين في العالم تقريباً، وهو الأساس الذي بنيت عليه أنظمة التعليم، والخدمات الصحية، ومستشاريات البحوث الطبية، والحكومات، وهي ببساطة طريقة الفهم التقليدية للمتعلمين والمثقفين حول العالم.
ولكنني أعتقد أن كل عصبية من العصبيات العشر، متهافتة جداً، ولو قمت بتقليبها وفحصها فإنها سرعان ما ستنهار بين يديك. وسآخذ أولاً فكرة أن قوانين الطبيعة ثابتة. وهي ليست إلا بعض عوالق النظرة القديمة للعالم في حقبة ستينات القرن الماضي قبل انتشار نظرية الانفجار العظيم.
وقد اعتقد الناس في ذلك الوقت بخلود الكون بأكمله، وقد قُنّن بقوانين الخلود الرياضية. وعندما ظهرت نظرية الانفجار العظيم، تتابعت الفرضيات برغم ما أسست له نظرية الإنفجار العظيم بأن هذا الكون هو كون متطور في صميمه وما فتئ على ذلك منذ عمره الذي ناهز 14 مليار سنة.
إنه كون ينمو ويتطور ويترقى منذ 14 مليار عام. ينمو ويبرد فتظهر بنىً وأنماط في داخله. إن الفكرة الرائجة كانت تزعم أن قوانين الطبيعة ثابتة بالكامل وهي ما برحت على ما كانت عليه لحظة الانفجار العظيم، كما لو أنها منظومة القوانين النابليونية ولكن في إصدار خاص بالكون.
وكما كان صديقي تيرانس مكّينا يقول، "يستند العلم الحديث على مبدأ واحد: أعطني معجزة مجانية واحدة وسنقوم نحن بشرح الباقي"
والمعجزة المجانية الواحدة هي ظهور كل أنواع المادة والطاقة في الكون وكل القوانين التي تحكمها. كلها ظهرت من لا شيء في لحظة زمنية متناهية في الصغر.
والحقيقة، إن كنا في كون متطوّر، فلم لا تكون قوانينه تتطور أيضاً؟ أفلا تتطور قوانين البشر؟ أوليست فكرة أن للطبيعة قوانين مستعارة من فكرة قوانين البشر وناشئة عنها؟
هذه الاستعارة هي استعارة مغرقة في الناسوتية: أي أن الناس وحدهم من يصنعون القوانين، بل الواقع يملي علينا أن الحضارة وحدها هي من تصنع القوانين.
وكما قال الروائي الأيرلندي الشهير كلايف لويس ذات يوم: "أن تقول عن حجر ما يسقط نحو الأرض بأنه يتبع قانوناً ما، فإن ذلك يجعل منه بشراً بل يجعله مواطناً."
وهي استعارة تعوّدنا على سماعها، فنسينا أنها مجرد استعارة وتشبيه. ففي الكون المتطور أعتقد أن البديل الأحسن لفكرة القوانين هي فكرة الطباع. وأعتقد أن طباع الطبيعة هي التي تتطور، أي أن نظاميات الطبيعة خاضعة للعادة.
هذه الفكرة وضعت في بداية القرن العشرين على يد الفيلسوف الأمريكي شارلز بيرس. وهي فكرة اهتم بها العديد من الفلاسفة غيره،
وهي فكرة أخذتها أنا وطورتها إلى فرضية علمية، وهي فرضية الرنين التشكيلي "Morphic Resonance"، وهي أساس هذه العادات المتطورة.
ووفقاً لهذه الفرضية، فإن كل شيء في الطبيعة يمتلك ذاكرة جمعية. والرنين يحدث على أساس التشابه. وفيما ينمو جنين الزرافة في رحم أمه، فإنه ينسجم مع الرنين التشكيلي لأسلافه الرزاف، ويعتمد على الذاكرة الجمعية، لينمو كما ينمو أي فرد من جنس الزراف، ويتصرف كما يتصرف الزراف لأنه يعتمد على هذه الذاكرة الجمعية.
ولا بد أن يتكون من الجينات المناسبة للزراف ليصنع البروتينات المناسبة لها، إلا أن وظيفة الجينات، حسب ما أعتقد، قد أعطيت دوراً فوق دورها الطبيعي. إن دور الجينات ينحصر في إنتاج أنواع البروتينات ولا يشمل الأعضاء التي تتكون، ولا الشكل ولا الهيئة ولا السلوك.
وكل كائن له نوع من أنواع الذاكرة الجمعية. حتى أن البلورات لها هذه الذاكرة. هذه النظرية تتنبأ أنك لو صنعت نوعاً جديداً من البلورات للمرة الأولى، فإنك في المرة الأولى لصناعتك لها فإنها لن تملك سلوكاً موجوداً قط. وما إن تتبلور للمرة الأولى فإنك في المرة اللاحقة التي تصنع بلورة أخرى فإن البلورات الأولى سيكون لها تأثير على كل البلورات الثانية عبر العالم كله، وبتأثير ظاهرة الرنين التشكيلي فإنها ستتبلور بشكل أسهل.
وفي المرة الثالثة، سيكون هناك تأثير من البلورات الأولى والثانية. وهناك كمية جيدة من الأدلة تشير إلى أن المركبات الجديدة المبتكرة حديثاً تتبلور تبلوراً أكثر سهولة كل مرة تصنع حول العالم، كما تتنبأ بها هذه النظرية.
كما أنها تتنبأ بأنك إن علّمت حيواناً ما خدعة جديدة، على سبيل المثال لو علمت فأراً خدعة ما في لندن، فإن كل فئران العالم من نفس الفصيلة ستتعلم ذات الخدعة أسرع من الأول فقط لأن فأر لندن تعلمها.
ولكني أريد أن أقضي بضعة دقائق على الثوابت الطبيعية أيضاً. لأن هذه الثوابت نقول مفترضين أنها ثوابت. إن أشياء مثل ثابت الجاذبية، وسرعة الضوء تسمى ثوابت أولية. فهل هي ثوابت حقاً؟
عندما أثارني الفضول بهذا السؤال حاولت إيجاد الجواب الشافي له. تحتفظ الكتيبات العملية للفيزياء بقوائم تحتوي على قيم هذه الثوابت حسب ما اقتضت حاجة الدارسين. وأغلب كتبت الفيزياء تسرد الثوابت الأولية المعروفة وتعطيك قيمتها أيضاً.
ولكني كنت أريد أن أرى إن كانت هذه الثوابت قد تغيّرت، فذهبت إلى الإصدارات القديمة من الكتيبات العملية للفيزياء. وذهبت إلى مكتبة دائرة براءات الاختراعات هنا في لندن، وهو المكان الوحيد الذي عرفت أنهم يحتفظون فيها بالإصدارات القديمة، فليس من المستغرب أن الناس يرمونها. فعندما تصدر القيم الجديدة فإن الناس ترمي القيم القديمة في سلة المهملات.
وعندما قمت بذلك، وجدت أن سرعة الضوء انخفضت ما بين عامي 1928 و 1945 بمقدار 20 كيلو متر في الثانية. وهذا الانخفاض كبير جداً لأنها سجلت بالخطأ الناتج عن الكسور والفواصل العشرية المقيدة. رغم ذلك، فإن هذا الانخفاض سُجّل في كل أنحاء العالم
وكانوا كلهم يسجلون قيماً متقاربة من بعضهم بأخطاء ضئيلة جداً، ثم فجأة في عام (1945) 1948 عادت للارتفاع مرة أخرى، وبدأ الناس بالحصول على قيم متشابهة مرة أخرى.
وقد تعجبت من ذلك، ولم أستطع إيجاد أي تفسير عليه، فقررت أن أزور رئيس هيئة علم القياس، في مختبر الفيزياء الوطني في مدينة تدينغتون. وعلم القياس هو ذلك العلم الذي يتخصص في الناس لقياس الثوابت. فسألته عن هذا الموضوع بقولي: ما هو تفسيرك لهذا الانخفاض في سرعة الضوء ما بين عامي 1928 و 1945؟
فقال، "يا إلهي، لقد كشفت عن أكثر الفترات إحراجاً في تاريخنا العلمي."
فقلت له حسناً، هل بإمكان سرعة الضوء أن تنخفض فعلاً، وبأن ذلك سيفضي إلى عواقب عجيبة لو أنها فعلاً انخفضت.
فرد عليّ قائلاً: " لا بالطبع لا، لا يمكن أن تكون قد انخفضت فعلاً، فهو ثابت!"
- حسناً، فكيف تفسر ما وقع بالفعل، بأن الجميع تقريباً كانوا يسجلون الانخفاض خلال تلك الفترة؟ هل من الممكن أن يكون أنهم يتلاعبون بالنتائج ليحصلوا على ما يظنوه الرقم الذي سيحصل عليه سائر الناس؟ وأن الأمر برمته كان ناتجاً عن عقول الفيزيائيين في تلك الفترة؟
- إننا لا نفضل استخدام كلمة "تلاعب".
فقلت فماذا تفضلون تسميته إذاً؟
فقال، "إننا نفضل أن نسمي تلك الظاهرة ارتهان فكري لحظي"
- فإن كان هذا ما هو حاصل، فكيف لنا أن نتأكد أن هذا الحال لا يتكرر اليوم، وأن النتائج التي نعرفها اليوم ما هي إلا نتاج ظاهرة الارتهان الفكري اللحظي؟
فقال، "لا نحن على يقين أنها ليست كذلك."
فقلت، كيف نعرف ذلك؟
قال، " لقد أوجدنا حلاً المشكلة".
فأجبته كيف؟
فقال، "لقد ثبتنا سرعة الضوء من خلال تعريف الضوء في عام 1972".
- ومع ذلك ربما يتغير بالفعل.
فقال، "نعم، ولكننا لن نعرف أبداً لأننا عرّفنا المقياس من حيث سرعة الضوء، لذلك فإن الوحدات تتغير معها".
وقد بدت عليه علامات الرضا، فقد وجدوا حلاً لمشكلتهم.
لكني قلت له، حسناً ماذا عن جيم الكبرى؟
وهي ثابت الجاذبية المعروف بين أهل الفيزياء بجيم الكبرى، وهي تكتب بالحرف اللاتيني الكبير G.
وهو ثابت الجاذبية الكوني الذي ذكره نيوتن. وقد اختلف خلال السنوات الأخيرة بمقدار 1.3 بالمئة.
ويبدو أنه يختلف باختلاف المكان وباختلاف الزمان.
فقال، "حسناً، إن هناك احتمال لا بأس به للخطأ، ولسوء الحظ فإن هناك أخطاء كبرى فيما يخص جيم الكبرى."
فقلت، ماذا لو كانت تتغير بحق، لعلها تتغير حقيقة.
ثم نظرت في كيفية توصلهم لنتائجهم: إن ما يحدث بالفعل هو أنهم يقيسونها في مختبرات مختلفة، ويحصلون على نتائج مختلفة باختلاف الأيام، ثم يقومون بتسجيل المتوسط الحسابي لكل القراءات. ثم تقوم المختبرات المنتشرة حول العالم باتباع نفس الطريقة
فيتوصلون في نهاية المطاف إلى متوسط حسابي مختلف جداً.
ثم تلتفي الجمعية الدولية لعلم القياس كل عشر سنوات تقريباً، وتقوم هي بدورها بحساب المتوسط الحسابي لكل القراءات المجموعة من مختبرات العالم لتخرج لنا بقيمة جيم الكبرى.
ولكن ماذا لو كانت قيمة ج في الحقيقة متذبذبة؟ ماذا لو كانت تتغير؟ فهناك أدلة بحوزتنا تشير إلى أنها تتغير طوال النهار وطوال أيام السنة. ماذا لو كانت الأرض أثناء تحركها في المحيط الكوني، ومرورها عبر بقع المادة المظلمة أو عبر عوامل محيطية أخرى تغير قيمتها؟ ولعل كل القراءات تتغير برمتها. ماذا لو كانت تلك الأخطاء الحسابية ترتفع كلها في آن واحد أو تنخفض في آن واحد؟
مضت أكثر من 10 سنوات وما فتئت أحاول أقنع علماء القياس لأن يفحصوا البيانات الأولية المسجلة تلك. وفي الواقع، أنا الآن أحاول أن أقنعهم بأن يضعوا تلك البيانات على الشبكة العنكبوتية، ويرفقوا معها تواريخ القياس الفعلي، لنرَ إن كانت هناك علاقة بين القراءات وتواريخها، لكي نرَ إن كانت فعلاً ترتفع معاً في زمان ما وتنخفض معاً في زمان آخر.
وإن كانت كذلك، فقد يكون تذبذبها مترابط ببعضها البعض، وهو ما سيخبرنا عن شيء مهم ومثير جداً. إلا أن أحداً لم يقدم على ذلك، والسبب هو رسوخ القناعة بأن جيم ما هو إلا ثابت. ولا جدوى في البحث عن تغييرات فيه لأنه ثابت. هل ترون معي؟ هذا هو مثال بسيط يظهر كيف أن افتراض عصبي ما بإمكانه أن يحد من التحقق البحثي.
وأنا بنفسي أعتقد أن الثوابت بإمكانها أن تتفاوت في القيمة بشكل لافت. صحيح أنها ستكون في حدود ضيقة، إلا أنها جميعاً قد تكون متفاوتة. وأعتقد أننا ما زلنا بانتظار اليوم الذي ستحتوي صفحات الدوريات العلمية مثل مجلة "Nature" على تقرير يظهر القيم الأسبوعية للثوابت كما يحصل تماماً مع تقارير سوق الأسهم في الجرائد.
لقد ارتفعت قيمة ثابت الجاذبية قليلاً هذا الأسبوع، وقيمة شحنة الإلكترون انخفضت قليلاً، أما سرعة الضوء فقد استقرت على قيمتها،
ونحو ذلك.
إذاً، فهذا جانب واحد، جانب واحد لا غير حيث يمكّننا من أن نجزم بأن التقليل من العقلية الدوغمائية العصبية ستفتح أمامنا آفاق المستقبل. وإحدى أكبر المجالات التي ستُفتح هي البحوث في طبيعة العقل، وهي أكثر المعاضل التي لم تُحلّ كما أسلف مضيفنا السيد غراهام قبل قليل.
إن العلم الحديث لا يمكن أن يتعامل أبداً مع حقيقة أننا كائنات واعية. ولا يمكن للعلم الحديث أن يتعامل مع حقيقة أن أفكارنا لا تنحصر داخل أدمغتنا كما يبدو لنا. كما أن تجاربنا الشخصية ليست كلها حبيسة جماجمنا وأدمغتنا. إن الصورة الذهنية التي تمتلكها عن الشجرة لا يبدو أنها داخل دماغك. مع ذلك، فإن الانطباع الرسمي هو أن الشجرة لا تبرح كونها داخل رأسك. وكل شيء في المكان الذي تجلس فيه داخل رأسك أيضاً.
إن تجاربك هي داخل دماغك. وما أحاول الإشارة إليه في واقع الأمر أن البصر متعلق بإسقاط خارجي للصور، وإن ما تراه هو داخل عقلك لكنه ليس داخل رأسك. إن عقولنا تمتد إلى ما هو أبعد من أدمغتنا حينما ندرك. أعتقد أننا نسقط الصور إلى الخارج عندما نبصر وهذه الصور تلامس ما نشاهده.
فإن نظرتُ إليك من الخلف وأنت غير عالم بوجودي، فهل بإمكاني أن أؤثر فيك؟ هل تشعر بتحديقي فيك؟ إن هناك الكثير من الأدلة على وجود هذا الشعور عند الناس. إن الشعور بأنك مراقب من قبل الآخرين هو من أكثر الخبرات شيوعاً، وتشير بعض التجارب الحديثة إلى أن هذا الشعور يستند على حقيقة ما. ويظهر أن الحيوانات تتمتع بهذا الشعور أيضاً.
وأعتقد أن هذا الشعور تطور في سياق العلاقة القائمة بين الفريسة والمفترس. فالفرائس التي تتمتع بالشعور بمراقبة المفترس ستتمكن من النجاة بدرجة أفضل من التي لا تتمتع بهذا الشعور وهذا سيقود إلى طريقة جديد كلياً من التفكير عن العلاقة البيئية بين الفريسة والمفترس، كما ستطلعنا على مستوىً جديد من قدرات عقولنا.
عندما نتطلع إلى النجوم البعيدة، أعتقد أن عقولنا تمد أهدابها بداعِ ملامسة هذه النجوم، وهي تحاول مطاولة عنان السماء (فعلاً لا مجازاً) للوصول إلى تلك المسافات الفلكية المتباعدة.
إن تلك الخبرات ليست داخل رؤوسنا. وقد يبدو من المذهل أن مثل هذه المواضيع تطرح للجدل في القرن الحادي والعشرين.
فنحن لا نعرف إلا الشيء اليسير عن عقولنا إلى درجة أننا نختلف على طبيعة الصور البصرية التي نراها لتظهر المسألة كموضوع ساخن تغزو النقاشات القائمة في دراسات الوعي هذه الأيام.
ولا أملك وقتاً كافياً للتعامل مع المزيد من هذه الدوغمائيات، ولكن كل واحدة منها هي عرضة لمساءلة طويلة. وإن تجرأ الفرد على استنطاق الحقيقة منها، فإن أنواع جديدة من البحوث وأنواع جديدة من الإمكانات ستخرج من رحمها.
وأعتقد أننا مع إقدامنا على مساءلة هذه الدوغمائيات التي كبحت جماح التقدم العلمي لكل هذا الزمن، فإن العلم الحديث سيمر بمرحلة ازدهار جديد وسيكون عصر تنوير جديد.
أنا أعتبر نفسي من المؤمنين إيمانا كلياً بأهمية العلم. وقد أفنيت عمري كباحث علمي، طوال حياتي المهنية. ولكني أعتقد أننا بتجاوزنا لهذه الدوغمائيات، فإن العلم سينبعث من جديد. ومرة أخرى سيرجع العلم مثار لاهتمام العالم، وسيرجع العلم كما آمل ليؤكد على ضرورة الحياة.
شكراً لكم.
ملاحظة: في حال النقل يرجى حفظ جهد الترجمة... مع الشكر الجزيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.