الأربعاء، 8 يونيو 2016

الماهية والوجود

سأل سائل، هل الماهية تسبق الوجود أم الوجود يسبق الماهية مع ذكرالفلاسفة المسلمين القائلين بأصالة الماهية والقائلين بأصالة الوجود؟

لمراجعة هذا التساؤل، فإننا لا نجاوز كتاب الله جل وعلا، فقد أورد القرآن المجيد في غير موضع مصطلحان هما الخلق والتصوير. ومن هذه الأيات المباركة قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ)  الأعراف -11.

يقال أن الخلق المذكور في الآية هو ما يعبر عنه بالماهية في السؤال، والتصوير هو ما عبر عنه السائل بالوجود. فمن منطلق قرآني وبما أن الخلق يسبق التصوير فإن الماهية تسبق الوجود... والله أعلم.

الخلق يكون في عالم الخيال وهو مرتبط بالعقل والماهية. أما التصوير، فهو مرتبط بعالم الحس وهو من الوجود.


 وعند مراجعة مادة "خَلَقَ" في معاجم اللغة فمعظمها تفعّله (خَلَقَ يَخْلُقُ خلقاً) دون أن تذكر معناه باعتبار أن المعنى واضح وبسيط. ومن يذكر المعنى يذكر أنه الإيجاد من العدم ومنهم من يشتبه بأنه التصوير. إلا أن القرآن فصل المعنيين بكل صراحة ووضوح، فلا يصح أن نخالف القرآن بتفسير الواحد بالآخر. فما هو الخلق في اللغة؟ في تهذيب اللغة للأزهري: الخلق: ابتداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه. أي أنه وضع تصميم لشيء لم يسبق إليه أحد. إذاً فمرحلة الخلق هو وضع التصوّر والخطة والتصميم والماهية. فالله خلق الماهيات قبل الوجود، ثم أوجد الوجود فصار الخلق تصويراً وتكويناً.

إن أبرز ما يحفز خيال المتخيل هو الكلمة التي بنتها الأحرف. ومن الخيال وبه، يكون ابتداع الأفكار وتصميمها. ولا يترجم التصميم إلى الوجود حتى يتحول إلى صورة ماثلة أمامنا نتناولها بوجودنا وحواسنا الخمس. وبهذا القياس فكما أن الله خلق الإنسان من كلمة في عالم الخيال، فإن الإنسان أيضاً يبدع إبداعاته من الكلمة عبر عالم الخيال.

ولو نضرب مثالاً على ذلك من الواقع المعاش، فإن صانع السيارة، لا يبدأ صنعه بوضع التصميم والماهية ولا يبدأ بالبناء مباشرة. بل يبدأ أولاً عن حاجة، أو عن سؤال، أو عن طلب. يأتيه هذا الطلب أو التساؤل بالكلمات، وبالكلمات يتحفز خياله ويبدأ بابتداع الأفكار واكتشاف المشاكل وإيجاد الحلول لها. وهنا ندخل في التصميم من أبوابه الواسعة. وحين تستقيم لنا الخطة والتصميم نشرع بالتصوير والتكوين والصنعة فننتهي بسيارة نستعملها وننتفع بها في حياتنا ووجودنا.

أعتقد أن من يغلب الوجود على الماهية هو من يقول بأصالة المادة وصدفية الوجود. أي أنه يفترض أن الإنسان والعقل والإدراك والخيال هو الطارئ بينما المادة هي الأساس. وبما أن مصدر الماهية هي العقل والعقل مرتبط بالإنسان وخياله، فاستنتاجه يقوده إلى أن الوجود هو السابق والماهية هي اللاحقة. وأعتقدة أنه مبنىً متهافت جداً لأنه منشأ لعبثية الوجود.

أما ذكرالفلاسفة المسلمين القائلين بأصالة الماهية والقائلين بأصالة الوجود... فأعتقد أن الإجابة على هذا السؤال سيحيل السياق من مبحث فكري إلى مبحث تاريخي وهو ما يسهل مناله.

أخيراً أجد تساؤلاً تحصل عندي من خلال هذه السطور ومن وحي الآية المباركة (وعلم آدم الأسماء كلها):  هل الاسم يسبق المسمى أم المسمى يسبق الاسم؟
---------
تحياتي
المختار شيخ موسى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.