هذه مشاركة لي في منتدى الحلقة المعرفية والتي كانت بعنوان "إشكالية الترجمة في الوطن العربي" دعيت فيها لكي أقدم مداخلة وتعقيب لكلمة الأستاذ أمين الغافلي قبل أن يفتح النقاش مع الجمهور. وكانت مشاركة الأستاذ أمين مشاركة تنظيرية في هذا المجال، أما مشاركتي جاءت من باب تجربة عملية في الترجمة لمترجم ناشئ. اللقاء كان بتاريخ 12/05/2017.
أشكر الأستاذ أمين الغافلي الذي قدم ورقة غنية جداً بالأفكار المهمة لكن المحور الأول الذي تفضل بتناوله وهو إشكالية ترجمة المفاهيم الأدبية رأيت فيه محوراً يعنى بالنقد وأدواته أكثر من علاقة النقد بالترجمة وهي العلاقة التي تهمني، حيث أنه يتكلم عن إشكاليات الترجمة لا في المخرجات النهائية وخصائصها الفنية والنقدية بل في الأدوات النقدية ذاتها التي عانت ما عانته في رحلة العبور من مدارس النقد الغربية إلى التجربة العربية الحديثة.
نعم صحيح أن الأستاذ أمين تعمق في دراسة آراء نقدية ثلاثة بقيادة روادها وكانت في مقارناته فائدة للمستمع المتخصص في النقد الأدبي الحديث وكيف أن إشكاليات الترجمة فيها تسببت في اضطراب المفاهيم والمنهجيات وربما أثر على المخرجات الأدبية نفسها، لكنه استرسل في مقارنات رأيت فيها النخبوية والحصر لأهل هذا الفن -فن النقد الأدبي- أو لا أقلّ المهتمين به. إلا أنني لا أظنه يستهوي غيرهم خصوصاً المترجمين الشباب الذين يفضلون العمل على التنظير.
طبعاً في مقدمته سرد الأستاذ أمين قائمة شيقة تعنى باهتمام أي مترجم (التطويع والتغريب، الهواية والاحتراف، الخيانة بالمطلق والخيانة الخلاقة،، إلخ) وهي حقيقةً عناوين الترجمة الجديرة بالاهتمام، لكني لم أرى أثراً لها في نقاش الأستاذ أمين، حيث أنه سرعان ما شرع في مقارنة التوجهات النقدية في الأدب عامة. وفيما عدا تناوله موضوع الخيانة الحقيقية، كنت أتمنى أن تكون بضعة عناصر من تلك القائمة من محاور الورقة.
وبالإشارة إلى إشكالية فوضى النظريات والمفاهيم والمصطلحات في مدارس النقد العربي أود القول أنها ظاهرة توبئ المشهد العام لحركة الترجمة إلى العربية، فهي ظاهرة تجدها في كافة التخصصات وهي ليست محصورة في مجال النقد الأدبي. ولا شك أنها ظاهرة خطيرة جداً تنبئ عن حال الفوضى والتمزق الذي هو سمة الوطن العربي اليوم. وخير ما يستحضرني من ذلك، لو أخذنا نموذجاً من القطاع العسكري مثلاً، يذكر اللواء الركن محمود شيث خطاب، أن هزائم الجيوش العربية أمام جيش الكيان الصهيوني من الـ48 وحتى 67 كان أحد أهم أسبابها هو سوء التواصل والتعاون بين الجيوش العربية بسبب فوضى تعريب المصطلحات والفوضى التي تسببت بها تركة الاستعمار في كل بلد بمفاهيمه ومدرسته العسكرية. وقد ظهر ذلك الاضطراب جلياً في العمليات واللوجستيات والأسلحة والتعبئة والرتب والتشكيلات وغيرها في مسارح العمليات القتالية. وكانت كوارث تلك الحقبة من أهم دوافع تأسيس لجان الدراسات والتعاون والتعريب وإصدار القواميس الموحدة بين الجيوش، ومع ذلك بقيت الفوضى هي المهيمنة على القطاع العسكري.
شخصياً بدأت أنسجم مع الخطبة حين بدأ الأستاذ المتكلم في مقارنة خاصية اللغة العربية من جانب والإنجليزية والفرنسية من جانب آخر، من حيث الاشتقاق في قبالة التركيب. وهي نقطة جوهرية لفهم المعاني وإتقان القدرة على إرجاع الدلائل إلى مدلولاتها الأعم والأوسع. وقد وفق الأستاذ أمين إلى الإشارة إلى أهمية هذه النقطة ولو على عجالة. وكنت أتمنى أن أستمع إلى مزيد من التوسع والاستزادة فيها لأني شخصياً أعمد إلى الحيل الاشتقاقية والحيل التركيبية في حالتين هي: فهم الكلمات الغامضة ومحاولة فهم معناها في سياق النص الأصلي. واستحضار مفردات تناسب سياق وثقافة اللغة المترجم إليها.
بخصوص مفاهيم الشعرية بتعدد مصطلحاتها وأشكالها المذكورة، فأعتقد أنها بحق مثرية وذات علاقة رغم طابعها النقدي. وكنت أجد أنها هي أكثر المواضيع النقدية صلة بالترجمة عبر أبواب الفلسفة لو اعتبرنا أن الاشتغال بالترجمة من الناحية الفلسفية هو واحدة من تطبيقات نظرية المعرفة.
أما عن المحور الثاني (الذي ربما لم نوفق للاستماع له كاملاً) فأعتقد أنه صميم هذه الأمسية بالنسبة لي وقد حقق الأستاذ أمين الكثير من الفائدة والمتعة والإثراء لي شخصياً حيث غطى مفهوم الترجمة التي تليق بالمترجم البشري الذي لا يمكن لآلة أن تحل محله. وإن كنا سنذكر الآلة المترجمة، فأود القول، إن كانت الآلة قد بدأت بتسلق سنامات الترجمة الأولى اليوم، فإنها لم ولن تقتحم مجال ترجمة الأدب والشعر لا اليوم ولا في أي زمن آخر. ذلك أن الأدب شرطه الابتدائي هو الإبداع و"الشاعرية" والإلمام بسائر المقدمات والشروط الفنية الأخرى المشار إليها في الورقة، والتي لا توفر على المترجم عديد ما يمر به من كُرب ومحن فيما يسميه المنظر والمؤرخ الفرنسي أنطوان بيرمان بـ "محنة الغريب". هي محنة باعتبارها معاناة مستديمة وامتحان صعب لغريب يريد أن يعوض خسارة تكاد أن تقع. فالمحنة هي للمترجم الذي يحاول أن يربط بين النص الأصلي والقارئ المتلقي باللغة الثانية في وساطة تجعل منه خائناً تلقائياً مع استحالة نقل كافة معاني النص الأصلي بكل تداعياته الذهنية والنفسية والثقافية، لكنه يسعى بأدواته الإبداعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خسائر.
نقطة أخيرة وأرجو أن لا أطيل وهو التساؤل الذي أثاره الأستاذ عماد (قبل الأمسية أو أثناء) وهو لماذا تكون الكتب العربية عادة أكثر طولاً من الأصل الأجنبي؟ وهنا أود أن استأذن السادة الحضور للمحاولة عن الإجابة من خلال تجربة شخصية في ثلاثة احتمالات:
- أن تكون الترجمة سيئة والمترجم طاقاته المعرفية ضيقة بنوع ومجال المادة المتناولة. هكذا بكل بساطة.
- الأعراف الفنية لخصائص الطباعة العربية في بيوت الطباعة ودور النشر لها تفضيلات في رسم الخطوط العربية وأحجامها وأنواعها، وهي تكون بالعادة أكبر من مقابلاتها الأجنبية، لذلك نرى النص العربي يسيح على السطور والصفحات أكثر من الأجنبي. ولكن لو قارنا فقرة عربية وأجنبية متطابقة فيما نعتبره ترجمة "موفقة"، وأحصينا عدد الكلمات لرأينا في 90% من الحالات أن النص العربي أقل عدداً في الكلمات، وفارق الكلمات يكون كبيراً في بعض الأحيان.
- في حال أن الموضوع المترجم ينتمي إلى علم غير متجذر ومتأصل في اللغة الثانية فإن ذلك سيستدعي من المترجم أن يؤصل للعلم الجديد بتوسعات وشروح وهوامش إيضاحية وتعليلات في استخدام العبارات والمفردات وأساليب التعبير لطرح الفكرة بما يتوافق مع مزاج اللغة الثانية ثقافياً واجتماعياً وبنيوياً.
طبعاً في الحالة الأخيرة، أعتقد أن هذا الدور ليس دور المترجم إلا بقدر ما يبادر به كناشط علمي بإشارته إلى هذا العلم بنقله إلى اللغة الثانية. وإلا فالأصل -وكما أشار له الأستاذ أمين- إنه دور يناط إلى المؤسسات الأكاديمية والبحثية ، والتي تعمل في لجان تخصصية تغطي المساحة الجغرافية للغة كما تغطي المجالات العلمية الأخرى ذات العلاقة. والتي غالباً لا تجد سبل النجاح إلا بالرعاية الرسمية من أرفع المستويات.
مما تقدم، يدور في ذهني مجموعة من التساؤلات المترابطة والمرتبطة بورقة الأستاذ أمين والتي أطمع في إجابة عنها في المستقبل من أستاذنا الكريم وهي كما يلي:
- هل كل من حاول خوض تجارب الترجمة، جادة كانت أو هواية يجب أن يحيط بأساسيات النقد الأدبي حين يريد ترجمة نصوص أدبية رفيعة لكي يحكم على أعماله بالنجاح؟ وأظن أن إجابة هذا السؤال من سنخ إجابة سؤال هل الشاعر أو القاص يجب أن يحيط بأسس النقد الأدبي لإنجاز أعماله؟
- ألا تكفي السليقة والحس والذوق في تناول هذه النصوص وترجتمها؟
- ما هي المعايير التي يحكم على نجاح ترجمة النص الأدبي، وهل للنص ما بين النخبوية والجماهيرية أي دور في تلقي وقبول النص المهاجر؟
- وأخيراً، في اعتقاد الأستاذ أمين، هل الترجمة فن يعتمد على المهارات الذوقية والجمالية أم علم يعتمد الأسس العلمية والمنهجية وما مدى غلبة أحد الطرفين على الآخر إن كانت الإجابة الإثنان معاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.