ترجمة من كتاب: موت المال - الانهيار القادم للنظام المالي الدولي
لمؤلفه: جيمز ريكاردز
ترجمة: المختار بوخمسين
(في حال نقل الموضوع الرجاء ذكر المترجم وإضافة رابط إلى هذه الصفحة، شكراً)
المقدمة
جيمز ريكاردز، مستشار التهديد المالي والمخاطر الاقتصادية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، له العديد من المناصب في البنوك والشركات الاستثمارية الكبرى التي تدير محافظ استثمارية عالية في المخاطر. عمل في وول ستريت لمدة زادت على 35 سنة. في عام 2009 قام بإدلاء شهادته أمام مجلس النواب الأمريكي عن النماذج المالية والقيمة المعرضة للمخاطر وانهيار 2008 المالي.
إن كتاب "موت المال" هو كتاب عن نهاية عصر الدولار. ومن ذلك، فهو قصة الانهيار المرتقب للنظام المالي العالمي لأن الدولار، إذا فقدت الثقة فيه، فإننا لن نجد عملة أخرى جاهزة لتحل محله كعملة احتياطية عالمية. فالدولار هو محور العجلة، وإذا فرط المحور، فإن النظام كله سيفرط، لأن الدولار والنظام المالي هو شيء واحد متماثل. ولا يقابل هذا الاستشراف المخيف في انهيار ثنائي الدولار ونظامه المالي، الذي بات أمراً لا مفر منه، إلا الأسباب العديدة التي سيجدها القارئ في الصفحات التي تلي.
ولكن من مقتضى الحال أن نقوم بزيارة للماضي أولاً.
إن قلة من الأمريكيين في زماننا هذا يتذكرون أن الدولار كاد أن يفقد دوره كعملة للاحتياط العالمي في عام 1978. ففي هذه السنة تراجع مؤشر النقد إلى مستويات مقلقة، ما أجبر الخزينة الأمريكية على أن تصدر السندات الحكومية بعملة الفرنك السويرسري. ولم يعد المقرضين الأجانب يثقون بالدولار الأمريكي كعملة ذات قيمة مستودعة. وصار الدولار يفقد قوته الشرائية، بعد أن سقط سعره إلى النصف من عام 1977 إلى عام 1981. وبلغت معدلات التضحم الأمريكية أكثر من 50 بالمئة خلال السنوات الخمس تلك. ومع بداية عام 1979، لم يكن أمام صندوق النقد الدولي من خيار إلا أن يعبئ كل موارده لإصدار عملة النقد الدولي (المسماة حقوق السحب الخاصة - special drawing rights وتختصر بالحروف اللاتينية SDRـ)
1. وقامت بإغراق السوق بـ 2.1 مليار عملة نقدية عالمية من السيدورات لتسهم في تعزيز السيولة مع تراجع الثقة بالدولار.
ويجدر بنا أن نستذكر تلك الأيام السوداء، حيث ارتفعت قيمة الذهب 500 بالمئة من عام 1977 إلى 1980. وما بدأ كعملية مقننة لتخفيض قيمة الدولارفي عام 1971، في عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقراره العازم على ترك سياسة استبدال الدولار بالذهب، أفضى مع حلول نهاية العقد إلى انهيار كلي، حتى أن انكسارة الدولار هذه تسربت إلى الثقافة الشعبية. فأنتجت السينما فيلم الانقلاب – Rollover في عام 1981، بطولة جين فوندا، وفيه يحكى أن هناك خطة سرية مدبرة من الدول المنتجة للنفط للتخلص من الدولار وشراء الذهب. وينتهي الفيلم بانهيار النظام المصرفي، والهلع المالي، والاضطرابات الشعبية على مستوى العالم. ولعل هذا مجرد خيال سينمائي، لكنه خيال متبصر، يكاد يطلع على غيوب المستقبل.
وفيما بلغ الهلع المحيط بالدولار ذروته في نهاية السبعينيات، فإن تراجع الثقة بدأ باكراً منذ شهر أغسطس عام 1971، مباشرة بعد أن أعلن الرئيس نيكسون ترك سياسة الدولار المدعوم بالذهب. فقامت الكاتبة جانيت تاواكولي بوصف حال الأمريكي المسافر إلى الخارج في الأيام التي بدأت فيها تتضح سكرات موت الدولار للجميع:
فجأة وجد الأمريكي المسافر للخارج أن المطاعم والفنادق والمتاجر لم تكن تريد قبول سعر الصرف العائم الذي بات يحمل خطورة كبيرة. وفي عطلة الفيراغوستا (مناسبة إيطالية في منتصف شهر أغسطس)، كانت المصارف في روما مغلقة، والأمريكيون الذين احتاجوا للنقد وجدوا أنفسهم مكبلين.
قال مدير الفندق للنزلاء المغادرين: "هل تملكون الذهب؟ أنظروا ماذا فعل رئيسكم الأمريكي بكم..." وقد كان جاداً بشأن الذهب، فقد كان عازماً على تقاضيه كدفعة لقاء نزولهم عنده...
فطلبت مباشرة أن أدفع مقدماً الثمن بالليرة... فصفق المدير يديه فرحاً. فقام وخلفه طاقم الفندق على خدمتي خدمةَ ملكية. لم أكن مثل أولائك الأمريكيين الآخرين الذين يسيحون بدولارتهم الغبية. ولبقية إقامتي، لم يكن أي تاجر أو مطعم يبدي لي الترحيب إلا حين أثبت له أني سأدفع بالليرة.