من المشهور أن الموروث العربي موروث شفهي روائي انتقل من صدر إلى صدر عبر
الأجيال. ومن المعلوم أن العرب بطبيعتهم يغلب عليهم حياة الترحال، فهم في أغلبهم إما
بداة رحل أو تجار أو بحارة أو مقاتلين وقلة منهم من الحضر المقيمين. وعند كل هذه الفئات
وكسائر الأقوام، فهم لا يستغنون عن الجغرافيا ولكن في حالتهم، وبحكم طبيعة معاشهم
بقيت الجغرافيا من العلوم التي تجري عندهم بالسليقة دون الحاجة إلى الخرائط والأطالس.
فالحاجة الدائمة لها ليلاً ونهاراً، وطوال الفصول حفظتها من الضياع، وأبقتها حية
تتوارث وتحفظ كمهارة يومية مع سائر المهارات.
أما الجغرافيا بين الأقوام الأخرى، كالفراعنة وبلاد ما بين النهرين ولاحقاً
الإغريق ومن أتى بعدهم، فإن طبيعة حياتهم الحضرية وحصرية أسفارهم على بعض فئاتهم
الاجتماعية وفي بعض المواسم، فإن ذلك يعني أن علم الجغرافيا بحاجة فعلية إلى الحفط
من النسيان والزوال، لذا عمدوا إلى أدوات توثيق الجغرافيا. فبدأوا بتوثيقه في
النقوش ثم تطوروا إلى وضع الأشكال الهندسية لتحديد المعالم، وبعدها وضعوا الخرائط
المبسّطة التي تسهل حفظ المعلومة ونقلها من جيل إلى آخر. وتعتبر أولى الخرائط التي
نعرفها في التاريخ هي من صنع البابليين وترجع إلى عام 2300 قبل الميلاد. ويقال أن
الصروح العملاقة عند الحضارات المذكورة ما هي إلا مراصد الغرض منها قراءة النجوم
والاستعانة بها في تحديد الأوقات والأماكن من حولهم.
لكن السؤال هو، ما الذي جعل الشمال مقرون بأعلى الصفحة؟ في الحقيقة لا شيء.
فمثلما قدمنا العرب لم يكونوا يحتاجون إلى تمثيل عمودي للجغرافيا لأنها على مسطح أفقي
محفوظ في مخيلاتهم (أمام، خلف، يمين، يسار) وليس على مسطح عمودي (فوق، تحت، يمين،
يسار). أما سائر الأقوام الذين وثقوا وصوروا الخرائط على مسطحات عمودية، فكانوا
بحاجة إلى توحيد الاتجاه بينهم، وأحد هذه الاتجاهات سيكون إلى أعلى بطبيعة الحال.
وهنا يطرح السؤال مرة أخرى.
والحقيقة أن الأتجاه العلوي تغير بتغير الثقافات، فالبعض آثر الشرق وخصصه
للأعلى كما حدث في أوروبا في الفترة الصليبية لأنها اتجاه بيت المقدس عندهم،
والبعض تعوّد اتجاه الجنوب كما كان متبع في الصين دون سبب معروف. والبعض الآخر وضع
اتجاه الغرب كما حصل في القارة الأمريكية بعد الغزو الأوروبي لها بحكم أن الفتوحات
الجغرافية كانت دائماً ما تصوب نحو الغرب لمعرفة نهاية هذه القارة الجديدة. وأول
من عرف بربطه للشمال بأعلى الصفحة، هو الإغريقي كلوديوس الاسكندراني الذي عاش في
الاسكندرية في القرن الثاني الميلادي، ولكن لا نعرف لماذا اختار هذه الوضعية
بالضبط.
وكانت الآراء تحسم إما لصالح الشمال أو الجنوب أكثر وأكثر كلما أيقن العلماء
واطمأنوا لكروية الأرض، وأن الأرض تدور حول محورها الشمالي الجنوبي (والبوصلة تشير
إلى قطبين وليس لقطب واحد). هنا حدث الانقسام العلمي فكان البعض يفضل ربط الجنوب بالأعلى
والبعض فضل ربط الشمال بالأعلى، وكان المعيار هو الذوق وأساليب القياس الجغرافي والمرتكزات
والمعالم الجغرافية والفلكية.
تجدر الإشارة إلى الاسلام كان له الأثر الحاسم من تغيير موقف العرب من علم
الجغرافيا. فمع الحاجة لتحديد اتجاه القبلة وتحديد أوقات الصلاة، ومع اتساع رقعة
المساحة الإسلامية، كان للمسلمين الدور المؤثر والبالغ في كل شيء يتعلق بالجغرافيا،
ابتداء بالخرائط (بتوجيه الجنوب أعلى الصفحة) ومروراً بإصدار الأطالس المكتوبة
والمصورة أو ما عرف بمعاجم البلدان، وليس انتهاء بأدوات تحديد المواقع والاتجاهات
كالأسطرلابات والبوصلات.
المختار بوخمسين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.