الجمعة، 23 أغسطس 2024

مراجعة لرواية الأدب العالمي: موبي ديك

 مراجعة لرواية الأدب العالمي: موبي ديك

بقلم المختار بوخمسين

22/08/2024

(في حال نقل الموضوع الرجاء إضافة رابط إلى هذه الصفحة، شكراً)
Moby Dick – Herman Melville
موبي ديك - هيرمان ميلفل
موبي ديك بقلم هيرمان ميلفل
موبي ديك على Goodreads.com

الرائعة الأدبية العالمية والرواية الأشهر من أمريكا الشمالية، موبي ديك. هي عمل روائي ألهب خيال الفن والسينما طوال قرن من الزمان ويصفها أهلها أنها ذروة الإنتاج الأدبي للثقافة الأنجلوسكسونية غرب الأطلسي. وهي تستحق هذا اللقب بجدارة لما تتمتع به من محتوى ثقافي وروائي بل وفلسفي، يغرق في التأمل والتحليل لحال المكابدة والكفاح الإنساني في هذه الحياة، وما يخالطها من رقي أو سقوط في بلاءات الحياة اليومية وتفاصيلها. لكنها حسب كلام النقاد تحمل في رحمها نبوؤات لمشروع الهيمنة الأمريكية قبل عصره. فهي تستكشف بقلم كاتبها طرق التوسل بأدوات المادة والقوة الذرائعية لترسم التحديات في وسط المجهول اللامكاني وحالة الحيرة للوجهة المرتقبة لتسنم تلة المنتصر. الرواية تأليف الأمريكي هرمان ملفيل، وقد نشرت لأول مرة عام 1851، حيث اعتبرت رواية فاشلة حينئذ. ولم تحقق الشهرة إلا في عام 1907 أي بعد وفاة مؤلفها ب16 عاماً. لكنها غابت عن الأوساط النقدية والأدبية حتى اقتحمته في عشرينيات القرن الماضي لتحقق العالمية وتنافس أكبر الأعمال الأدبية حول العالم.

هي قصة مترفة بالمشاهد التفصيلية الجميلة بلغة تتذبذب بين الشاعرية والعمق الفلسفي. وقد يبدو لك ذلك لوهلة أنها تذبذب متصنّع، لكنك سرعان ما تفاجأ كل حين بالهبوط من ذاك التصنع إلى نوبة فكاهية متباينة، أو واقعية دنيوية مَهينة، فتدرك أن التصنع إنما هو تطبّع ومرونة في تقمص أدوار الوصف الأدبي فتنتهي إلى مشهد غني ينبض بالحياة والألوان، لكنك ترى خلفه مغزى ومعنى، لا يخلو من ذاك الذي في نفس يعقوب.

أما الكاتب فإنه لا يخفي موسوعيته في المجالات المعرفية المتنوعة وهو يطعم وصفه بمقتبسات بديعة من التاريخ والدين والأدب والفلسفة باقتدار. ولا يوفر في اقتباساته الاستعارات التوراتية والأشعار الهومرية والميثولوجيا والأديان. لكن أبرز ما يُذكر كإبداع أدبي في هذه الرواية هو أنه يتحدث بلسان الشخصية الرئيسية، ويسهب في التفاصيل الظاهرية ويستخدم القوالب الرمزية المستمدة من التراث الإنساني ثم يسترسل ليظهر براعة وموسوعية في سبر أغوار النفس واختلاجاتها وبواطنها. ويعيد تشكيل هذه الصيغة دون كلل، سواء كان مشهداً ثانوياً عابراً أو حدثاً مفصلياً في الحبكة الروائية.

  أما الترجمة فقد ترجمت عدة مرات، أولها -حسب ما تناهى إلينا- وأبرعها  هي للأستاذ المحقق الفلسطيني الكبير المرحوم إحسان عباس،  من منشورات دار المدى للثقافة - بيروت عام 1998 ضمن سلسلة "أعمال خالدة". العمل هو ترجمة كاملة غير مجتزأة أو مختصرة وهي بحد ذاتها تحفة أدبية لا تقل عن نظيرتها الإنجليزية. لكن المهم في أي ترجمة هي ما أضافته من مصطلحات، سواء من ناحية تأصيل أو تطبيق. فبما أن الرواية تعتبر مرجع موسوعي في فنون وتقنيات الإبحار والملاحة والصيد البحري في القرن التاسع عشر فإنها تعيد بعث المصطلحات أو تنقلها من محيطها الإثنوغرافي التخصصي لتحييها في مشاهد معرّبة حيّة أمامك في مزيج من المهارة الأدبية والوصفية وضلاعة في نقل الصور والمعاني عبر اللغتين. وللحق أن سمة نجاح الترجمة على يد قديرة، هو مدى غربتك أو ألفتك كقارئ للنص. وفي تقديري أنك لا تحس بأي غربة لغوية إلا بمقدار ما تصادفه من أسماء وأعلام وأماكن متعلقة بالإثنية والثقافة والجغرافيا المختزنة في المادة والنص الأجنبي. ولو تسنى لنا ذكر عيب واحد فيها فهو الفاقد الطبيعي في عبور الحاجز اللغوي على رأسها العناصر العامية الدارجة في المشاهد الروائية الأصلية، والتي تغمس القارئ في الأجواء والبيئة، وهي أجواء باردة، شاحبة رطبة لا تتنفسها إلا باللهجات المشبعة بالإنجليزية الأيرلندية والاسكوتلندية والأسبانية والألمانية وسائر الإنجلزيات المنتشرة في المستعمرات البريطانية المتداخلة. كل تلك اللهجات في رحلة العبور تتوحد في عربية سليمة بليغة غنية، ولا مجال للتذمر هنا.

تجربتي مع هذه الرواية أنني اقتنيت نسخة إنجليزية منها أثناء إحدى الأسفار، فرجعت لها مؤخراً لأفاجأ بلغتها العسرة وأسلوبها الفخم بلغتها الأصلية، فانتابني فضول بترجمة عربية لها فتفاجأت بسعادة أنها منقولة بالترجمة التي ذكرناها.

 قراءة جريئة ممتعة لمغامرة جريئة وممتعة.


هناك تعليق واحد:

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.