مقالة: باول وارغن (01/01/2023)
ترجمة: المختار بوخمسين (22/10/2023)
المصدر: monthlyreview.org
لكن كيف لي أن آكل وأشرب إن كنتُ أنا قد سلبتُ ما آكل من الجياع وكأس الماء الذي عندي أخذته من الذي يموت عطشاً؟
ومع ذلك فإني سآكل وأشرب."
– روائي ألماني
محوران من الثورة المضادة
الناتو والجمجمة، عمل: شنيلاركلارت المصدر، المشاع الإبداعي، رابط.
باول واغنر هو منظم وباحث مقيم في برلين وهو المنسق العام لأمانة التقدم الدولية - secretariat of the Progressive International.
للمرة الأولى في تاريخ الرأسمالية الطويل، يتحول مركز ثقل الاقتصاد العالمي بشكل حاسم نحو الشرق. إن موازين التجارة اليوم ترجح لدى الصين وشركائها، ودول العالم الثالث يتحضرون لنهاية عهد الهيمنة الأمريكية، وهو عهد فُرضت فيه الموازين المختلة في النظام الرأسمالي العالمي من أجل تسريع تخلّف مجتمعات ما بعد الاستعمار. إن الحراك التكتوني الذي ولّد هذه الحالة يرسل هزات قويّة إلى كل أرجاء العالم. ,ما يسمى بـ "العالم الغربي" الذي تشكل خلال قرون من الزمن عبر طغيان رؤوس الأموال، لهو عاجز أمام كوارث الجوع والفقر والتغيّر المناخي التي تعصف به. وفي خضم امتناع القوى الاستعمارية القديمة عن حشد عظمتهم الاقتصادية للتنمية الاجتماعية –خوفاً من تبديد الثروات الشخصية للطبقات المتنفذة– فإنها تعمد إلى تبديد مواردها للحفاظ على الثروات الشخصية. وفيما تتنامى الفاشية وتطل برأسها القبيح، فإنها ترسم أهدافاً متجددة على الأمم الساعية لبدء درب التنمية السيادية. وبهذه الطريقة، فإن دوافع الثورة المضادة المنبثقة من أجواء الحرب الباردة تدخل إلى القرن الحادي والعشرين، وتبعث مجدداً بالوعود والمخاوف على حدّ سواء.
في القرن العشرين، لعبت الثورات المناهضة للاستعمار على محورين جغرافيين. فالأول كان حرب الدول الغربية ضد سلسلة من حركات التحرر الناهضة في الشرق. ففي عام 1917 قامت الجماهير الكادحة والمناضلة بالاستيلاء على السلطة في روسيا. إذ حققوا ما لم يتمكن أي من الشعوب من تحقيقه إلى ذلك الحين. فقد بنوا دولة صناعية، وبها، لم يتمكنوا من الدفاع عن حريتهم الغالية وحسب، بل دفعوا بها نحو الذين يرزحون تحت نير الاستعمار. وكانت صيحات الأبواق العالية تنذر بنداءات أوكتوبر، النداءات الشيوعية للتخلص من الفقر والبؤس، وقد سُمعت النداءات حول العالم. وكانت بالنسبة للقائد الفيتنامي هو تشي منه مثل "الشمس الباهرة التي تشرق على القارات الخمس. أما بالنسبة للقائد الصيني ماو تسي تونغ فقد "أتاحت الإمكانات الكبيرة لتحرير شعوب العالم وأتاحت الطرق الواقعية نحوها". وبعدها بسنوات، قال فيديل كاسترو: "بدون وجود الاتحاد السوفييتي، فإن ثورة كوبا الاشتراكية كانت مستحيلة." إن الحفاة والعراة والجهلة والجياع وكل من أثقلت كواهلهم محاريث السخرة عرفوا أن دورهم قد حان للنهوض ضد مهانات الاستعمار وتحقيق الفوز لو أصروا على ذلك.
وفي عام 1919 خطّ ليون تروتسكي بيان الشيوعية الدولية لعمال العالم: "يا عمال العالم اتحدوا"، وهو بيان تبناه واحد وخمسون منتدب في اليوم الأخير من المؤتمر الأول للشيوعية العالمية. وقد رأى البيان أن الحرب العالمية الأولى ما هي إلا معركة تقوم فيها الدول الاستعمارية بإحكام القبضة على البشرية:
لقد جُرّت الشعوب الأوروبية إلى خوض حرب أوروبا بمقاييس غير مسبوقة. حتى أُلحق بهم الهنود والسود والعرب والملغاس ليحاربوا على الأراضي الأوروبية – لصالح ماذا؟ لصالح أن يُكرَّسوا عبيداً لدى الأسياد البريطانيين والفرنسيين. ولم يسبق لعارات السطوة الرأسمالية في المستعمرات أن كانت أكثر وضوحاً وتحديداً من هذا؛ ولم يسبق لمشكلة العبودية الاستعمارية أن تجلّت بحدية كما هي متجلية اليوم.
ولو كانت تلك الحرب تعبيراً عن المنافسة الامبريالية من أجل تقسيم غنائم الاستعمار، فحينها سيكون الواجب الأول للتحركات الأممية هو ضرب الامبريالية. فتلك كانت الرسالة التي أتى بها الثائر الهندي منابندرا روي إلى المؤتمر الثاني للشيوعية العالمية. "إن الرأسمالية الأوروبية تستمد قوتها بشكل رئيس، ليس من الدول الصناعية في أوروبا، بل من حيازاتها الاستعمارية"، كما كتب في أطروحته التكميلية التي ألحقها بأطروحة لينين "المسألة الوطنية والاستعمارية". وبما أن الأرباح الطائلة التي جنتها الطبقة الإمبريالية الحاكمة كانت نتيجة النهب الممنهج للمستعمرات، فإن تحرير الشعوب المستعمرة ستأتي بنهاية للامبريالية – وهو تحدّ لا يمكن لعمال الدول الرأسمالية أن يحققوه، وهم يأكلون ويلبسون من النهب الامبريالي. وقد كتب روي: "إن الطبقة الأوروبية الكادحة ستنجح في الإطاحة بالنظام الرأسمالي فقط حين تنضب مصادر ربحه وفقط". وقد تسلحت الشيوعية الدولية بهذه السياسة، وأخذت على عاتقها تنظيم الجماهير من الطبقات المعدمة والبلوريتاريا العمالية في المستعمرات. وقد شكلت التيارات القومية المناهضة للإمبريالية وتيارات الوحدة الإسلامية، كلها شكلت طلائع الكفاح الثوري ضد المستعمر. و "سيقدّم الاتحاد السوفييتي اليد الداعمة لهذه الجماهير" كما قال فلاديمير لينين، و"ستهبّ رياح أوكتوبر الثورية على أشرعتهم الطويلة نحو الحرية".
إن تأسيس حالةٍ معاديةٍ للسيطرة الرأسمالية والاستعمارية كان شيئاً غير محتمل للقوى الامبريالية. ففي العقود الثلاثة الأولى لقيام الاتحاد السوفييتي، قُذف بالغازي تلو الغازي نحوها. وفي السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، أدى رضوخ ألمانيا الامبراطورية واستسلامها لقوات الحلفاء، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة منهم، إلى إفساح الطريق لدعم الجيوش القيصرية البيضاء التي سعت للحفاظ على السلطة البورجوازية على روسيا. بعدها جاء أدولف هتلر من ألمانيا. ولو كانت الحركة النازية بمثابة المفاجئة التي غافلت أوروبا، فإن جذورها المتقيحة لم تكن خفية على الشعوب المستعمَرة في العالم. ففي عام 1900، حذر وليام إدوارد بورغاردت دو بويز بأن الاستغلال الاستعماري سيكون قاتلاً لأوروبا ولـ"مُثُلها العليا في العدالة والحرية والثقافة". وبعدها بخمسين سنة، كان هذا التحذير قد تكرر صداه بصوت إيمي سيزير، حيث كتب: "قبل أن يكون الأوروبيون ضحايا النازية، فقد كانوا المتواطئين معها، لقد كانوا متسامحين معها... وبرّؤوا ساحتها، وغضوا الطرف عنها، ومنحوها الشرعية، فقط لأن فضائعها كانت على الشعوب من غير أوروبا".
إنه لمن المستحيل أن يتم عزل مهمة هتلر عن المشروع الطويل للاستعمار الأوروبي، وبالأخص عن تعبيراته التي وجدها في المشروع الاستعماري الاستيطاني الأمريكي. فقد أعرب هتلر بكل وضوح عن إعجابه الشديد بطريقة الولايات المتحدة في "إبادة ذوي البشرة الحمراء بالحديد والنار حتى تناقص عددهم إلى بضع مئات الآلاف، وحتى صارت الدولة تضع بقاياهم القليلة تحت المراقبة في الأقفاص". ولم تكن حرب الإبادة التي خاضها النظام النازي على أوروبا الشرقية بأقل من استعمار واستعباد لشعوبها، في سعي منها لاحتلال "الشرق الهمجي" كما فعل المستوطنون الأمريكان لاحتلال "الغرب الهمجي". وبهذه الطريقة فإن النازية وجّهت الموروث الاستعماري ضدّ وعود التحرّر التي أُعلنت في أوكتوبر من عام 1917 – ولهذا السبب، أطلق عليها الفيلسوف الإيطالي دومينيكو لوسوردو الثورة الأولى المناهضة للاستعمار. وصرح هتلر في عام 1935، أن "ألمانيا ستكون الحصن المنيع للغرب ضد الثورة البلشفية".
ولأن الفاشية، وللسبب المحدد هذا، وعدت بالحفاظ على بنوية المُلكية الرأسمالية، فقد بقي الغرب راضياً ومتخلياً عن المبادئ قبل الحرب وأثنائها وبعدها. ففي المملكة المتحدة، التي موّلت قيام بينيتو موسوليني من البداية، أعرب ونستون تشرتشل بصراحة عن تعاطفه للفاشية كأداة يستفاد منها ضد التهديدات الشيوعية. وفي الولايات المتحدة، لم يجهد رئيسها هاري ترومن نفسه كثيراً لإخفاء الانتهازية الخبيثة للمؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة التي تتصف بها حتى اليوم. ففي عشية عملية بارباروسا التي قتلت 27 مليون إنسان سوفييتي، صرح الرئيس ترومن –وكان مرشحاً رئاسياً حينئذ– بأننا "إن وجدنا أن ألمانيا تحقق الغلبة فيجب أن ندعم روسيا. وإن كانت روسياً هي التي تحقق الغلبة فيجب أن ندعم ألمانيا، وبهذه الطريقة نتركهم يقتلون أكبر عدد ممكن". وقد احتفت صحيفة النويورك تايمز بهذا "الموقف" باعتباره الموقف التأسيسي لـ ترومان و "سياسيته الحازمة" كرئيس. إن سياسة الحزم هذه كانت واحدة من أدواته العديدة هو الاستخدام الأول والوحيد للقنبلة النووية في التاريخ، وهي –أي القنبلة النووية–"مطرقة" ضد السوفييتيين كما وصفها ترومان. إن رماد هيروشيما وناغازاكي هو اللون الذي توشحت به الحرب الباردة لعقود تلت، لتُدخل مهندسيها في سكرة طربة من وعود العظمة المطلقة. وفي عام 1952، تباحث ترومن في إصدار إنذارٍ رسمي ضد الاتحاد السوفييتي والصين: إما الامتثال أو حرق كل مصنع في ستالنغراد وشنغهاي. وعبر المحيط الأطلسي، كان تشرتشل أيضاً يمنّي نفسه بدفئ الإشعاعات الذرية. وقد وثّق السير آلان بروك، وهو رئيس أركان الامبراطورية البريطانية، وثّق في مذكّراته أن تشرتشل اعتبر "أنه مؤهل وقادر على محو جميع مراكز الصناعة الروسية". وبظهور القنبلة النووية، تسنّم التفوق العنصري للرجل الأبيض سنامة العظمة المطلقة.
إن تهديد الإبادة التامّة دفع الاتحاد السوفييتي إلى تسريع برنامجها النووي الخاص بها، بكلفة مهولة على حساب برنامجها السياسي. إلا أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية عدّلت من ميزان القوة العسكري مع الولايات المتحد الأمريكية في نهاية المطاف، لكن سباق التسلح شكّل قيداً رهيباً على التنمية الاجتماعية، كما تراكمت الأعباء الاقتصادية والسياسية لهذه الدولة الفتية. هذه القيود جُمعت ووسعت من قبل السياسة التي خطّها السياسي الأمريكي جورج كينان في ما سمي بـ "سياسة الاحتواء" – وهي مجموعة واسعة من السياسات التي صُمّمت من أجل عزل الاتحاد السوفييتي والحدّ من "انتشار الشيوعية" حول العالم. وفي مواجهة مجموعة من التناقضات التي لم يكن ممكناً تسويتها عسكرياً، خوفاً من التدمير المتبادل، فقد هدفت الولايات المتحدة إلى "مفاقمة وتعظيم الضغوط" على الاتحاد السوفييتي من أجل أن "تتعزز الاحتمالات التي تفضي في النهاية إلى تفكيك القوة السوفيتية أو إضعافها التدريجي".
وفي نهاية الثمانينات من القرن العشرين، وبتسريع من التناقضات الداخلية في المنظومة الاشتراكية، أضحت الضغوط المادية والسياسية والأيدولوجية على الحكم السوفييتي لا تحتمل. ولعل المعتقد الساذج الذي كانت تحمله إدارة الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف تجاه الغرب من أن هناك احتمال راجح لانفراجة سياسية معهم، فقد عمدت إلى استحداث الاصلاحات التي همشت الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي فعُبّد الطريق أمام توحيد المعارضة تحت قيادة بوريس يلتسن، الذي فكك اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. إلا أن الشعوب السوفييتية هي التي دفعت الفاتورة الباهضة إثر ذلك – وهي أثمان تكلّفت روسيا بأبهضها. ففي تسعينات القرن العشرين، شهدت روسيا سقوطاً حاداً في المستويات المعيشية على إثر وقوع المؤسسات العامة في قبضة طبقة من البورجوازيين الذين سارعوا لمكافئة أنفسهم بالتعاون الفوري مع النظام المالي الغربي. فانهار الناتج القومي إلى 40 بالمئة فيما انخفضت مدخلاتها الاقتصادية إلى النصف، كما انخفضت الأجور الحقيقية إلى نصف ما كانت عليه في عام 1987. وزاد عدد الفقراء في البلاد من 2.2 مليون شخص في عامي 1987-1988 إلى 74.2 مليوناً أي ما يعادل قفزة من 2 بالمئة إلى 50 بالمئة في 15 عاماً تقريباً. وانخفض المتوسط العمري للفرد بخمس سنوات للرجال وثلاث سنوات للنساء، ومات الملايين من الناس تحت منظومة الخصخصة وصدمة الانهيار بين عامي 1989 و2002. في هذا الوقت من الانهيار والحرمان، تم اختطاف وتهريب أكثر من نصف مليون امرأة روسية لصالح الاسترقاق الجنسي. وفيما بدأت أدوات الغرب الاستعماري بالتغلغل من خلال كل صدع وشق ومسام، صرنا نسمع القصص المشابهة عبر كل كيانات ودول الاتحاد السوفييتي السابق. والعبرة التي يمكن استخلاصها من هذه الفترة أنها كانت الفترة الوحيدة التي وصفت بها روسيا بأنها صديقة للغرب!
إن الهجمة على الاتحاد السوفييتي كان محوراً واحداً في الحرب على حركات التحرر البشرية. أما المحور الآخر فقد كان في طور الشحذ والتجهيز فيما خرجت الولايات المتحدة كقوة هيمنة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية. الحرب الباردة التي لم تُخَض على الأراضي الأوروبية أبداً كانت إسمياً بين أمم الشرق والغرب، لكنها تبلورت واقعياً بهجمة تاريخية قامت بها دول الشمال العالمي على دول الجنوب العالمي. فمن كوريا إلى أندونيسيا، ومن أفغانستان إلى الكونغو ثم غواتيمالا فالبرازيل، قضى عشرات الملايين من البشر في معركة تخندقت فيها القوى الشعبية ضد امبريالية هلامية الشكل لا تتسامح بأي حال مع المناهضين لدوافعها الرامية لنهب الثروات. ولو لم يُكتب للولايات المتحدة وحلفاؤها أن تنتصر على الاتحاد السوفييتي في مواجهة عسكرية مباشرة، فإنهم سيتوسلون بالعنف المفرط لخدمة استراتيجية كبرى سعت، منذ عام 1952، أن لا تؤسس لشيء "أقل من قوة غالبة". وكما كتب المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم، إن العنف –بصورتيه الواقعية والتهديدية– الذي وقع خلال هذه الفترة "من المعقول جداً اعتباره حرباً عالميةً ثالثة، رغم أنها حرباً غير مألوفة أبداً"؛ فبظهور القنبلة النووية، صارت المناطق الباردة من هذه الحرب العالمية تهدد في بعض أوقاتها البشرية بالنيران النووية التي ستبيدها من هذا الوجود. وبين هاذين المحورين من الحرب الباردة، كنا نجد معارك تاريخية بين محركات تتنافس على التحرر أو التبعية.
لكن الكفاح لم ينتهي قط، فقد أٌرجئت بوادر مشروع التحرر البشري قليلاً، فوُضِعت كل آمال الكرامة قيد الانتظار. فمن أنغولا وحتى كوبا، تحتم على كل الشعوب التي اعتمدت على روابط التضامن مع الاتحاد السوفييتي أن تعاني أشد المعاناة بسقوطه. فحين كانت القوة السوفييتية تعتبر قوة ردع تكبح النزعة الحربية الأمريكية، فإن لحظة صعود القطبية الواحدة دشنت لعقلية الحصانة من الجزاء والعقاب. ووجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع يتيح لها التصرف بحرية تامة للتأثير على الحكومات المناوئة لها بل وإسقاطها؛ فتقريباً بعد عام 1946 فإن 80 بالمئة من التدخلات العسكرية التي قادتها جيوش الولايات المتحدة جاءت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. فمن أفغانستان إلى ليبيا، خدمت الحروب الأمريكية الرهيبة لأن تجدد المشروع العسكري الأمريكي، كما كان لها أثرٌ في إرسال الرسائل للجميع أن شق عصا الطاعة لن يتم التعامل معه بليونة أو تسامح. وبذلك، فقد ساهمت هذه الحروب في تعزيز واقع مرير في النظام العالمي الرأسمالي، ليُحكم على دول العالم الثالث بالبقاء الحتمي في التخلف التنموي القسري، وحماية الجشع اللامتناهي للاحتكاريات الغربية.
وهنا تكمن أهمية رؤى لينين الناقدة للامبريالية وتطبيقاتها لمشروع الدولية الثالثة. ففي مرحلة متقدمة ومبكرة، كتب لينين، أن الرأسمالية لن تصدّر البضائع وحسب، بل ستصدّر رؤوس الأموال المنتجة أيضاً؛ ليس السيارات والأقمشة وحسب، بل المصاهر والمصانع أيضاً، تنتقل إلى خارج حدودها للبحث عن القوى العاملة لاستغلال الجهود البشرية ونهب الموارد الطبيعة. فمن شأن هذه الخطوة أن تؤدّب العمال داخل الدول الرأسمالية المتطورة، الذين سيُلجمون نتيجة التهديد الدائم على وظائفهم، كما من شأنها تحييد اهتماماتهم نتيجة الرفاه العام الذي تنتجه سياية النهب الإمبريالي. فهذه الدول الرأسمالية المتقدمة تتطور باستغلال جهود شعوبها هي وشعوب وموارد الأراضي البعيدة. وهذه العلاقة ذات الطابع الطفيلي في صميمها، تؤمن الربحية والتوسّع المستمر للاحتكاريات الغربية، فيما يتم دعم المصالح الوطنية بالآلة الحربية. وفي خضم هذه القيود الاستغلالية العالمية فإن دول العالم الثالث لا يمكن لها بأي حال أن تتأمل من تحقيق أي مستوى معقول من التنمية الحقيقية. وبدوره فإن توقف عجلة التنمية الاقتصادية تؤدي إلى شلل في التنمية الاجتماعية. فالشعوب التي لا تجد ما تسد به رمقها، ولا تتوفر لها أدوات وسبل التعليم، ولا تتوفر لها خدمات الطبابة والعلاج، ولا تتوفر لها أجواء الأمن والأمان، لن تتقدم نحو الحرية أو الإبداع. وهذا التخلف التنموي، ينعكس بجلاء في شخصية تلك الدول، ويؤثر على قدرتها في التعاون وإقامة العلاقات البينية مع الدول الآخرى والدفاع عن التهديدات الخارجية. وبهذه الصورة، فإن القوة الشمولية للامبريالية تشوه العمليات الاجتماعية والاقتصادية سواء داخل الكتلة الامبريالية أو عند الدول التي تسعى في درب السيادة الوطنية. وهذا هو السبب الذي يحتّم علينا أن نفهم الصراع بين الامبريالية ومناهضة الاستعمار بأنها تناقض مبدأي – وبأنها المعركة المصيرية الحاسمة لأجل مستقبل البشرية.
فأين نجد هذه الإمبريالية اليوم؟ إننا نجدها وسط مليوني إنسان يعيشون معاناة سدّ جوعهم. وسنجده في الهشاشة الأمنية، والصراعات الدموية والعنف المتوحش الذي سيواجهه ثلثا البشرية في العقود القادمة. وسنجده في الأرزاق التي ستُدمّر بفعل الأزمات المتواصلة من الجفاف البيئي وزحف التصفحر وارتفاع مناسيب سطح البحر. وسنجده وسط مليارات البشر الذين لا يملكون حتى زوج من الأحذية. وسنجده في الزحف الشاق والمضني لعشرات الملايين من البشر الذين لا يمكنهم تأمين قوت يومهم بعد أن هُجّروا من أراضيهم كل سنة نتيجة العنف والبؤس – وهو تهجير افتعلته الرأسمالية، تهجير يقلّ نظيره ولا يُقارن في الحجم والشكل بين "المناهضين" أو "الهاربين" من الأنظمة الشيوعية. نجده في الذهب والكوبولت والماس والقصدير والفوسفات والنفط والزنك والمنغنيس واليورانيوم والأراضي التي تصادر لصالح الشركات الكبرى والمؤسسات المالية الغربية التي تحقق النمو المطرّد بمقاييس تبهر الناظرين. إن تطوّر العالم الغربي الذي تؤمّنه سياسته العالمية لوأد الثورة، هو مرآة لبؤس العالم الثالث.
الناتو ووأد الثورات
على غرار المشروع الفاشي، فإن الناتو تشكل لمناهضة الشيوعية. إن رماد الحرب العالمية الثانية لم يكن قد ركد بعد، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تُشغل نفسها بإعادة تأهيل الدكتاتورية الفاشية، من قبيل فرانسيسكو فرانكو في أسبانيا و أنتونيو سالازار في البرتغال. (وقد أصبح الأخير عضواً مؤسساً في حلف شمال الأطلسي لاحقاً). وقد استوعبت الولايات المتحدة مع أوروبا الغربية آلاف الفاشيين وضمتهم إلى مؤسسات السلطة عبر قضايا العفو التي تنتهك اتفاقيات الحلفاء التي منعت عودة مجرمي الحرب دون محاكمة. ومن الأمثلة على هؤلاء الفاشيين أدولف هوسينجر، وهو ضابط نازي أعلى ويعتبر من شركاء هتلر. وكان هوسينجر على قائمة المطلوبين للاتحاد السوفييتي كمجرم حرب، لكن الغرب كان له آراء مختلفة. فعيّن هوسينجر كقائداً للقوات العسكرية لألمانيا الغربية في عام 1957 وخدم بعد ذلك كرئيس للجنة العسكرية لحلف الناتو. وبدأت عبر أوروبا كلها، العمليات الاستخبارية السرية بعنوان "البقاء في الخلف" بتجنيد جيل جديد من المتطرفين اليمينيين لإحباط المشاريع السياسية اليسارية – وقد بدأت على أقل تقدير منذ عام 1948، حين سرّبت وكالة الاستخبارات الأمريكية الملايين من الدولارات المختلسة من ميزانيتها بشكل سنوي، لجماعات يمينية متطرفة في إيطاليا وحدها، وأعلنتها صراحة أنها "مستعدّة للتدخل العسكري" إن استولى الحزب الشيوعي على السلطة في البلاد. وقد لقي المئات مصرعهم على يد هذه الجماعات المتطرّفة، وأغلبهم كانوا متمترسين في الأحزاب اليسارية – كجزء من " استراتيجية التوتر" التي انتهجتها لإرهاب الناس في الأوساط اليسارية وحدّهم على ترك ولاءاتهم للحركات الشيوعية والاشتراكية التي تلقى قبولاً متجدداً في الشارع. وكانت قرارات الناتو المأخوذة مباشرة من "التهديدات الجسيمة الذي يشكله الاتحاد السوفييتي"، والصعود المطرد للشيوعية خارج حدود الاتحاد السوفييتي تتشكل من هذا النطاق. وهكذا، أقدم الناتو على تقنين الخيارات الديموقراطية، كما عمد إلى التهديد الأمني للدول الأعضاء، ليحل التناقضات السياسية لصالح النظام الرأسمالي دوماً ولصالح خدّامه في الأجنحة اليمينية.
إلا أن القرارات السوداوية للناتو لم تقف عند هذا الحد. فحين كان ليون تروتسكي شاهداً على المخططات الخبيثة في الحرب العالمية الأولى حين اقتيدت الدول المستعمَرة إلى مشاريع عبثية أدّت في النهاية إلى أسرها في الفخ، فإن والتر رودني استطاع تمييز ذات القوى التي نظمت مشاريعها الدموية من داخل أروقة الناتوعلى القارة الأفريقية حيث قال: "لقد تحولت كامل دول الشمال الأفريقي تقريباً إلى مدار لعمليات الناتو، بهدف أن يتم استهداف الاتحاد السوفييتي من خلالها... فمرة تلو الأخرى، تشير الأدلة إلى الاستغلال الخبيث لأفريقيا لدعم الرأسمالية اقتصادياً وعسكرياً، وبذلك تُجبَر أفريقيا عملياً على أن تسهم في تعزيز الاستغلال الواقع عليها".
وبواسطة مشاريع مثل مشروع الاتحاد الأوروبي، فقد نقل الناتو النظام الامبريالي إلى العصر الحديث. فلو كان النصف الأول من القرن العشرين مقدّراً كما بدا لنا أن يضيع في دوامة الصراعات الامبريالية على الغنائم الاستعمارية، فإن خمسينيات القرن العشرين شهدت تشكل حلف أمبريالي جمعي. تضاعفت معه الاتفاقيات التجارية الدولية، ومعها تضاعفت البنى التحتية للإقراض وفق تصور وضعته القوى الاستمعارية لتتأكد من إحكامها السيطرة على غنائم النهب الامبريالي فيما بينهم. ففي عام 1965، وصف الثائر الغيني أميلكار كابرال كيف أن التوحّش الجمعي للغرب تدفق إلى أفريقيا عبر الناتو، إذ دعمت حروب نظام سالازار ضد مستعمرات البرتغال في أنغولا، والموزمبيق وغينيا وجزر "الكابو فيردي" بقوله:
إن الناتو هي الولايات المتحدة الأمريكية. لقد غنمنا في بلادنا الكثير من الأسلحة الأمريكية. إن الناتو هي جمهورية ألمانية الفدرالية. لقد غنمنا الكثير من بندقيات الماوزر من الجنود البرتغاليين. إن الناتو، في وقتنا الحالي على الأقل، هي فرنسا. ففي بلدنا الكثير من الحوامات من طراز ألوويتي. الناتو هي أيضا، لدرجة ما، حكومة ذلك الشعب البطل الذي أعطانا الكثير من الأمثلة لحب الحرية، وهو الشعب الإيطالي. نعم، لقد غنمنا من البرتغاليين الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية التي صُنعت في إيطاليا.
أما اليوم، فإن الأسلحة التي تخاض بها الحروب تعكس التنوع العام لـ "العالم الحر"، فهي توبئ المشهد العام لجبهات القتال الإمبريالية، من أوكرانيا وحتى المغرب، ومن إسرائيل حتى تايوان. وهذا العنف يجد محركه الدافع في النواة المركزية للإمبريالية، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عُلّقت كل آمالها على الهيمنة المطلقة – وهو طموح لا يقاوم في النفسية الأمريكية مع سقوط الاتحاد السوفييتي. ففي 7 مارس من عام 1992، نشرت صحيفة النويورك تايمز، وثيقة مسربة تحتوي على المخططات التأسيسية لهيمنة الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي. وفيها تنص توجيهات خطط وزارة الدفاع بأن: "هدفنا الأول، هو أن نمنع إعادة ظهور خصم جديد، سواء على أراضي الاتحاد السوفيتي السابق أو غير ذلك". هذه الوثيقة، التي صارت تعرف لاحقاً بعقيدة ولفووِتز السياسية، تيمناً بوكيل وزارة الدفاع الأمريكية الذي شارك في صياغة هذه السياسة، أكدت على أولوية وأهمّية التفوّق الأمريكي في النظام العالمي. وقد أكدّت على دور "القيادة الضرورية لتأسيس وحماية نظام جديد" لمنع "المنافسين المحتملين" الساعين لحيازة دور أكبر في المشهد العالمي. وفي أعقاب التسريب، تم مراجعة عقيدة ولفووتز السياسية من قبل ديك تشيني وكولن باول، لتصبح عقيدة جورج بوش الإبن، وكان من نتائجها أنهار الدم والأسى عبر الشرق الأوسط.
في ذلك الوقت، كانت الملامح الاستراتيجية للامبريالية الأمريكية توصف بحدية من قبل زبغنيو بريجينسكي، وهو أحد أكبر صناع السياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين. ففي عام 1997 قام بنشر كتاب بعنوان "رقعة الشطرنج الكبرى-The Grand Chessboard: التفوّق الأمريكي وضروراتها الجيوستراتيجية". وقد كتب فيه أن سقوط الاتحاد السوفييتي، تمخّض عنه بزوغ نجم الولايات المتحدة: "ليس كمحكّم بين علاقات القوى الأوراسية وحسب، بل كأعظم قوّة في العالم... القوّة الوحيدة، بل القوّة العالمية الحقيقية الأولى". وابتداء من عام 1991، سعت الاستراتيجية الأمريكية أن تحشد من هذا الموقف، ب\تجميد العملية التكاملية التاريخية للقوى الأوراسية. وبالنسبة لبريجينسكي، فإن أوكرانيا كانت "مساحة مهمة على رقعة الشطرنج الأوراسية"– وهي مهمة لتطويع الروس من ناحية "تأصل رغبتهم في احتلال دور أوراسي مهم". وأمضى بريجينسكي كاتباً: أن الولايات المتحدة لن تسعى لتحقيق أهدافها الجيوستراتيجية في الاتحاد السوفييتي السابق وحسب، لكنها ستمثّل "مصالحها الاقتصادية المتنامية... بإشراع هذه المنطقة على مصراعيها بعد أن كانت للساعة ممنوعة عليها".
هذا المشروع أصبح واقعاً معاشاً عبر الناتو ولو بشكل جزئي. فتوسّع هذا الحلف تصادف مع الانتشار الخفي لليبرالية الجديدة، التي ساعدت على تأمين سيطرة رؤوس الأموال الأمريكية وتحقيق الاستدامة المالية للمجمع الصناعي العسكري بكل جشعه الذي يقوّم شوكة الاقتصاد والمجتمع الأمريكي. إن الحبل السري الذي يربط بين أعضاء الناتو والليبرالية الجديدة، تُرجمت على أرض الواقع عبر قيادة الحشود الأطلسية تحت راية الحلف زحفاً نحو الشرق. ففي 25 مارس من عام 1997، وفي مؤتمر الجمعية الأوروبية الأطلسية التي عقدت في جامعة وارسو، استعرض جو بايدن، الذي كان سيناتوراً، شروط التحاق بولندا بحلف الناتو، حيث قال: "جميع الدول الأعضاء في الناتو يملكون اقتصاديات السوق الحرة، حيث يلعب القطاع الخاص دوراً قيادياً فيه"،
ثم يكمل القول بأن خطة الخصخصة الشاملة تمثل خطوة كبرى نحو منح الشعب البولندي مصلحة مباشرة في مستقبل اقتصاد دولتهم. وليس الآن هو الوقت المناسب للتوقف. أعتقد أن المؤسسات العامة المملوكة للدولة يجب أن توضع بين أيدي القطاع الخاص، لكي تدار وفق المصلحة الاقتصادية بدلاً من أن تدار وفق المصالح السياسية... فالمؤسسات كالبنوك وقطاع الطاقة وشركات الطيران الحكومية ومنتجي النحاس واحتكاريات الاتصالات، كلها ينبغي لها أن تخصخص.
إن العضوية في هذا الحلف الامبريالي يعيّن على الدول أن تسلّم الشيء الذي يشكل نواة سيادتها الوطنية–وهي عملية نراها تتكرر بدقة متناهية عبر مسارها التدميري. وفي مقترح قُدّم مؤخّراً لإعادة إعمار أوكرانيا ما-بعد-الحرب، على سبيل المثال، قامت شركة RAND بوضع الخطط التي لا يصحّ إلا أن تسمّى أجندة الاستعمار الجديد. ففي مقترحها أوردت: "إنشاء سوق فاعلة للأراضي الخاصة" لكي "تسرّع من عملية الخصخصة... في 3300 شركة مملوكة للدولة". وتضيف بنود المقترح قائمة طويلة من السياسات الليبرالية التي ستطبّق لتعزيز النفوذ الأجنبي تحت ظلّ الحرب، وهي تشمل تشريعات تحرم أغلب العمّال الأوكرانيين من التفاوض على حقوقهم عبر التنظيمات والنقابات العمّالية. وبهذه الطريقة، فإن مهمّة توسّع الناتو لا تنفك عن الانتشار السرطاني لنموذج الليبرالية الجديدة عبر العولمة، وهي بدورها ترسّخ في الدول الأعضاء في الناتو حالة الاستغلال الأبديّة تجاه الغير. إن الدول في هذا الحلف مطلوب منها أن تختلس جزءً كبيراً من فوائضها الاجتماعية المخصصة للإسكان وخلق فرص العمل الجديدة وتطوير البنية التحتية العامة لتحويلها نحو الاحتكاريات العسكرية المكلفة، حيث نجد أكبرها تستقر في الولايات المتحدة. وبهذه العملية، فإنهم يقوّون الطبقة المحلية الحاكمة، حيث أنهم الفئة الرئيسة التي تشجع على إلحاق الدول، مثل السويد وفنلندا، إلى الناتو لتبقى هي المستفيد الأول من كل شيء. جميع هذه العوامل ترتهن تدريجياً الخيارات السياسية المناهضة للرأسمالية والعسكرة. والخلاصة: أن أي سياسات اشتراكية هي من الممنوعات في الناتو.
أما ما وراء الخراب الاقتصادي، فإن ضم الدول للناتو يحمل العار الأخلاقي لعنف الغرب الجمعي. فعندما أُعطيتْ بلادي بولندا مقعدها الوضيع على الطاولة الامبريالية، أصبحت ألعوبة وأصبحت متواطئة باتباعها لنموذج حكومة فيتشي الفرنسية (الحكومة الفرنسية التي نصبتها النازية بعد احتلالها). فنحن تحت الحكم الاشتراكي، كنا أمة وجّهت خبراتها لإعادة إعمار العالم الثالث بعد الحرب. فمهندسونا، ومخططو المدن، ومعماريونا ساعدوا على تصور وبناء مشاريع الإسكان الضخمة والمستشفيات في العراق. وبعد عقود من الزمن، أرسلنا الجنود لحصار وتدمير ذات المدن التي ساهمنا في بنائها. وفي قاعدة ستير كايجكوتي الاستخباراتية في شمال شرق بولندا، بنينا سجناً سرياً لصالح الأمريكيين، حيث يتم تعذيب السجناء بوحشية–وهو انتهاك واضح لدستورنا الوطني. أما بوديمكس Budimex، فهي شركة صمّمت في يوم ما مخططات لتطوير بغداد. أما اليوم فقد انتهت من بناء جدار يمتد على طول الحدود البولندية مع بيلاروسيا–وهي منطقة عزل ضد اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط الذين يوبئون وطننا، كما تصفها الطبقة الحاكمة في بولندا، وهم: "طفيليون وكائنات بدائية". ولو كانت الفاشية أداة تحمي الرأسمالية المتوحشة من الديمقراطية، فإن الناتو هي حاضنة الفاشية.
روسيا والعالم الثالث
في عام 1987، قدم ميخائيل غورباتشوف رؤيته الأمنية حول "الوطن الأوروبي المشترك" ليصفها بأنها عقيدة لضبط النفس عوض عن عقيدة للردع المتبادل، ثم يضيف عليها بالقول أنها عقيدة تجعل الصراعات المسلحة في الداخل الأوروبي مستحيلاً. لقد وعد غورباتشوف بذلك بتأسيس نظام أمني جديد في أوروبا، وبعد ثلاث سنوات فقط، بدأت الوعود ترى النور. وقد بدت لبرهة من الوقت، أمر في المتناول. فميثاق باريس لأوروبا الجديدة، الذي تبنته الدول المشاركة في مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي في نوفمبر 1990، قد احتوى على نواة لمنظومة أمنية مشتركة متجذرة في مبادئ من "الاحترام والتعاون"، وهو منبثق من ميثاق الأمم المتحدة. هذا النموذج الجديد من التعاون الأمني المشترك كان سيشمل دول الاتحاد السوفييتي كلها السابق ومنهم روسيا.
وفي العلن، دعمت الدول الأعضاء في الناتو العملية وأكدت على الالتزامات التي تعهد بها جيمس بيكر لغورباتشوف في عام 1990 بأن الناتو "لن تتوسع بوصةً واحدة" نحو الشرق. وخلال الفترة الماضية، قامت صحيفة در شبيغل الألمانية، باستخراج السجلات البريطانية من عام 1991 وفيها تعهد مسؤولون أمريكيون وبريطانيون وفرنسيون وألمان بكل جلاء: "أننا، لا يمكننا أن... نعرض على بولندا أو آخرين عضوية في الناتو". وفي السر، كانت حكومة الولايات المتحدة منشغلة بوضع المخططات لعهد هيمنتها. وقتها قال جورج بوش الإبن لـ هلموت كوهل في فبراير من عام 1990 "نحن انتصرنا وهم لم ينتصروا"، وهو نفس الشهر الذي أعطت فيه الولايات المتحدة الضوء الأخضر لعملية الأمن والتعاون الأوروبي. وفي أبريل من نفس السنة، قال بوش للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيرون: "لا يمكننا أن نسمح للسوفييتيين أن ينتشلوا النصر من بين فكي الهزيمة" ولا وجود لمنظمة "يمكن لها أن تستبدل الناتو في ضمان الأمن والاستقرار للغرب"، وكان دون شك يقصد المباحثات التي كانت تتبلور في أوروبا. وقد تتالت الموجات للتوسع التدريجي للناتو ما أدى إلى تآكل فكرة ظهور قارة أوروبية متوافقة–خارج النفوذ والسيطرة الأمريكية.
رغم ذلك، ففي أواخر عام 2006، تحدث وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن المشاركة في "ناتو متحول" يتجذر في نزع السلاح والتعاون المشترك كما خُطّ في ميثاق باريس من عام 1990. لكن الناتو عمد إلى التوسّع نحو الحدود الروسية – لا بقصد الصداقة بل بقصد إظهار العداء. هذه السياسة التوسعية هدفت إلى زعزعة عمليات التكامل الإقليمي التي كان تكسب زخماً كبيراً. فبعد الأزمة المالية لعامي 2007-2008، بدأت كل من روسيا والصين بتسريع إقامة مشاريع التعاون الإقليمي. فبالتوازي، قامت الصين بإصلاحات ضخمة لتعزيز الاستقلال من أسواق الولايات المتحدة.، لتضع البرامج التنموية والمؤسسات المالية التي تعمل خارج نفوذ الولايات المتحدة. وبشراكة مع كل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وروسيا والصين تم تأسيس مجموعة البريكس ودخلت حيز التنفيذ في عام 2009. وتم تدشين مبادرة الحزام والطريق بعدها بأربع سنوات فقط. تصادفت هذه العمليتان مع زيادة بيع الطاقة الروسية لكل من الصين وأوروبا، ومساهمة الكثير من الدول الأوروبية في مبادرة الحزام والطريق. أما إصرار سياسة التقشف المتوحشة في الاتحاد الأوروبي، فقد ألجأت الدول الأعضاء للتوجه نحو الصين، فيما انهارت مشاريع البنى التحتية الخاصة بها بعد سنوات من الإهمال وقصور التمويل. هذه التطورات شهدت سابقة منذ قرون بأن تحولت التجارة في المنطقة الأوراسية إلى خارج سياق الخصومة، لترتكز على أساس من التعاون بدلاً من التسلّط والهيمنة.
إن هذا الشيء يهدد أساس ما يسمى النظام الدولي القائم على القوانين أو الأعراف التي تقوّم هيمنة أمريكا الاقتصادية والسياسية. ومنذ الحقبة السوفييتية، مُيّزت السياسة الأمريكية على نحو خاص التهديد الذي مثله التبادل التجاري الأوروبي الروسي للطاقة على المصالح الأمريكية – وقد عمدت كل إدارة أمريكية على ترديد التحذيرات بشأنها من بوش وحتى بايدن. والتوجّه الواضح، آنذاك، هو أن يتم تعثير هذه العملية، وتفاصيل هذه الاستراتيجية أصبحت واضحة للعيان فيما استمر تحرك الغرب نحو المحيط الشرقي لأوروبا. وقد صاغت تقارير نشرت في عام 2019 بعنوان: "توسّع روسيا: التنافس من موقع الأفضلية - Extending Russia: Competing from Advantageous Ground" من قبل شركة راند RAND، صاغت هذه التقارير تعريفات جديدة لتوجّهات استراتيجية وضعها بريجنسكي منذ أكثر من عقدين من الآن. إن هذا التقرير بالذات يرسم حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تمزيق روسيا من أطرافها، فمن إيقاف صادرات روسيا الغازية إلى تسليح أوكرانيا من قبل أوروبا، وحتى تأييد تغيير النظام في بيلاروسيا ومفاقمة التوترات في جنوب القوقاز. ولو لم تنحني روسيا لمصالح الغرب طواعيةً، فإنها ستُجبر إلى ذلك عنوةً، حتى لو كان ثمن ذلك أوراسيا قاطبةً. إن الاستعمار الجديد على أوكرانيا –وهو هدف تضمن إنفاق 5 مليار دولار قبل عام 2014– مثّل، كما تنبأ بريجنسكي، تحرك حيوي على رقعة الشطرنج الأوراسية.
إن التهديد الواضح لهذه السياسات التي شكلتها على الأمن الروسي كانت وضحة لكل القادة الأمريكيين منذ عام 2008. فقد كتب المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية ويلييام برنز إلى السفير الأمريكي في موسكو: "إن الخبراء يفيدونا أن روسيا تبدي قلقاً مخصوصاً بأن الانقسامات الحادة في أوكرانيا حول العضوية في الناتو، مع المعارضة الشديدة للمجتمعات ذات الأصول العرقية الروسية، قد تؤدي إلى تقسيم جسيم يصحبه أعمال عنف أو، في أسوأ الاحتمالات حرب أهلية." ثم يكمل برنز قائلاً: "ولو وصلت المآلات إلى ذلك، فإن على روسيا أن تقرّر التدخل من عدمه؛ وهو قرار تتجنب روسيا مواجهته."
سيتعين على روسيا أن تشخّص طريقين أمامها لا غير: إما الاقرار بوضع الحدود التي فرضت منذ تسعينيات القرن العشرين أو تعميق التشبيك والتكامل مع الدول الأخرى في الجغرافيا الأوراسية. مفترق الطرق هذا يعبّر عن نزعتين موجودتين داخل صفوف الطبقة الحاكمة في روسيا. فالأولى تتأمل الوصول إلى انفتاح أكبر على رأس المال الغربي بالتوازي مع النموذج المرسوم في التسعينيات، والتي أسفرت عن تضخم ثروات قلة من النخب الروسية لمستويات غير عادية. هذه النزعة تأصلت بين شخصيات مؤيدة للغرب مثل ألكسي نفالني، والذي قام شريكه في الموقف ليونيد فولفوك، بوضع استراتيجية سياسية تهمش اليسارفي مشروع إسقاط للنظام واستعادة الطبقة المؤيدة للغرب بتأييد واسع من طبقة المهنيين المزدهرة في المدن الروسية الكبرى. أما النزعة الأخرى فقد تمثّلت في حصر الرأسمالية للدولة وتهدف إلى تعزيز المركزية الاقتصادية، وقد يؤول بها الحال إلى إيجاد حوكمة اقتصادية ذات طوابع اشتراكية. ولمدة طويلة من الزمن، تمكنت حكومة فلاديمير بوتن من إدارة تفاصيل التجاذب السياسي بين النزعتين، وهو تجاذب محفوف بالمخاطر بين نيوليبرالية عنيفة وبين السعي لتحقيق السيادة الاقتصادية. وفيما تعاظمت التناقضات التي حرّكها وأطلقها هذا الغرب العدائي، فإن مسارات التنمية الروسية وجدت أن المصلحة كلها مع النزعة الثانية–حيث نرى الشواهد على ذلك اليوم بالطريقة المدهشة التي يتعامل بها الغرب من فرض عقوبات ارتدت عليه. أما اليوم، فإن روسيا تعيد حساباتها على نحو مستمر بتعزيز النموذج الاشتراكي الصيني كنموذج اقتصادي متبّع للبلاد.
وملامح هذا التوجه يمكن ملاحظته في عام 2007. وهي السنة التي ألقى فيها بوتن خطابه في مؤتمر ميونخ الأمني. حيث ذكر أن تآكل القانون الدولي، واستعراض القوة الأمريكية والـ"الاستخدام غير المرشّد للقوة المفرطة" كما عبر، كانت تشكّل حالة متأزمة من عدم الأمان حول العالم. وقد ربط هذه التطورات بديناميكيات عدم المساواة العالمية ومسألة الفقر، مسلطاً الضوء على واحدة من المبادئ المحركة للإمبريالية حيث قال: "تقوم الدول المتقدّمة بإبقاء الدعم على إنتاجها الزراعي وتقوم في نفس الوقت بالحدّ من مقدرة بعض الدول من الحصول على المنتجات ذات التقنية المتقدمة"، وهي سياسة لا تفضي إلا إلى تراجع حاد في التنمية في دول العالم الثالث. وبالنسبة لبوتن، فإن سياسة استعراض القوة من جانب أحادي، والتي لا تتجسد في الناتو وحسب، بل بتشكيلات أخرى في القوة العسكرية الأمريكية حول العالم، تهدف إلى توسيع الرضوخ السياسي حول العالم.
ولو كان العدوان الغربي قد دفع روسيا نحو وضع الأولوية لتطوير الاقتصاد السيادي، فإن هذا السياق قد دفعها أيضاً إلى تقييم تحالفاتها واصطفافها مع مشاريع العالم الثالث عامةً. وما كان يعتبر "عودة إلى سياسة التسعينيات" بالنسبة لروسيا، ما هو إلا الخطر المتمثل في تفكيك الشروط المكوّنة لسيادتها الاقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى ذلك النوع من الإهانات التي تعاني منها أغلب دول العالم؟ ومن ثمة، فإن ذلك سيشد من أزر الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة، ليزعزع من الفوائد المرجوة من التعددية الدولية في النظام العالمي. وما كان من روسيا، كردة فعل على ذلك، إلا أن تسرّع من عملية التكامل الأوراسية –ساعية إلى عقود الشراكة الوثيقة مع الصين والهند وهم جيرانها الإقليميين– بينما تعمد إلى توسعة شبكة تحالفاتها مع إيران وكوبا وفينزويلا والدول الأخرى التي تختنق تحت أقدام الامبريالية الأمريكية. فمن أفريقيا الجنوبية إلى آسيا، عمدت الكثير من الدول إلى ردة الفعل هذه. ولو كانت هوية الدولة الروسية عبر التاريخ تتذبذب بين نزعاتها الشرقية والغربية –حيث ينظر صقرها الوطني بشكل غامض نحو الجهتين– فإن روسيا اليوم ستعيد تموضع ماضيها ومستقبلها معاً بين دول العالم الثالث بكل ثبات. ففي عام 2022 قال بوتن: "إن الغرب على أتم استعداد لأن يتجاوز كل الخطوط الحمراء للمحافظة على النظام الاستعماري الجديد الذي يتيح له أن يعتاش على مقدرات العالم". ويكمل قائلاً أنه (أي الاستعمار الجديد) على أتم استعداد لـ: "أن ينهب العالم بفضل هيمنة الدولار وقدراته التقنية، وأن يجمع الجزية من الإنسانية جمعاء، وأن يمتص من الإنسانية مصادر رخائه غير المستحقة له، وهو الأجور المدفوعة للمهيمن نظير هيمنته لا غير."
إن الضرورات المتجسدة التي تشاطرها روسيا مع العالم الثالث تفسر عزلة القوى الغربية في حرب الإدانة والحصار الاقتصادي ضد روسيا. وفيما بشر القادة الغربيين بتشكل جبهة عالمية موحّدة ضد الغزو الروسي –حين قال أولوف سكوغ: "الاتحاد الأوروبي والعالم يقف في صف الشعب الأوكراني" وهو الممثل المنتدب للإتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة– فإن الأرقام في الجمعية العامة للأمم المتحدة قد صورت قصة مختلفة تماماً. ففي الجلسة الطارئة الهادفة إلى التصويت لقرار ضد "العدوان الروسي على أوكرانيا" في مارس من عام 2022، قامت 141 دول بالتصويت لصالح القرارا وامتنعت خمس وثلاثون دولة عن التصويت وصوتت خمس دول ضد القرار –من ضمنهم الهند والصين– وهم في المجمل يشكلون الأكثرية من سكان العالم. ونصف هذه الدول كانوا من القارة الأفريقية.
ولو كانت دول العالم مقسمة بناء على لفتات الإدانة، فإنهم سيبقون متحدين في رفضهم للمساهمة العملية في الحرب الاقتصادية ضد روسيا. ومن هنا، تجد دول الغرب القديم نفسها في عزلة تامة. فمن بين القوى المئة والواحدة والأربعين التي أدانت أفعال روسيا في أوكرانيا، لم تقدم سوى سبع وثلاثون دولة من التكتل الامبريالي وأذياله بفرض العقوبات ضدها: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، كوريا الجنوبية، سويسرا، اليابان، أستراليا، نيوزيلندة، تايوان، سنغافورة وسبع وعشرون دولة من الاتحاد الأوروبي. وكما قال وزير الخارجية الأرجنتيني: "إن العقوبات ليست آلية لتعميم السلام والانسجام" فيما قال الرئيس المكسيكي: "نحن لن نتخذ أية مواقف فيها انتقام اقتصادي ضد أحد لأننا نريد أن نقيم علاقات طيبة مع كل الحكومات". ومع حلول أكتوبر، امتنعت ثمانية وسبعون دولة من التصويت ضد قرار يدعو روسيا لأن يقدم التعويضات لأوكرانيا. لنستنتج أن العالم الثالث لا يريد أي علاقة بالمؤامرات المحاكة في محور حلف شمال الأطلسي.
مع العزل والتجاهل الذي يشهدها الغرب، فإنه يلجأ مجدداً إلى الإكراه والجبر، فيتملق تارة ويستحث تارة أخرى الدول الأفقر في العالم للمشاركة في جوقة فارغة من الإدانة الأخلاقية والحرب الاقتصادية ضد روسيا. وفي أوقح المواقف للغرب، تتضمن مطالباتهم جزاءات الانتقام لمن لا يؤيدهم. فقد هددت الولايات المتحدة بالعقوبات ضد الهند والصين والدول الأخرى التي تستمر في التعامل مع روسيا، حتى حين سعت مؤقتاً لفتح خطوط التواصل مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في أحبولة لها لتخفيف حدة ارتفاع أسعار النفط. فما هذا، إلا محاولة بائسة لابتزاز دول العالم لتأييد من اضطهدهم مرة أخرى؟
في هذه الحرب الباردة، كما هو الحال في الحروب الاستعمارية من القرن الماضي، يسعى شرفاء العالم أن يبنوا مستقبل يؤمن لهم حياة كريمة بطموحات تعبر حدود المعتقدات والأيدولوجيا. فالعلاقات التي تربط بين دول العالم الثالث، اليوم، تتوثق في مواجهة التهديدات الامبريالية. فالصين بقيادة شي جيبينغ والهند بقيادة ناريندرا مودي، اللتان تعتبران عالمان بعيدان كل البعد عن بعض من ناحية المشاريع والمعتقدات السياسية، ترفضان "عقلية الحرب الباردة". وهو ذات الموقف الذي تتخذه دول أمريكا الجنوبية. فعندما عقدت الولايات المتحدة قمة الأمريكيتين –واستثنت منها كوبا وفينزويلا ونيكاراغوا– قام رئيسا المكسيك وبوليفيا بمقاطعة الحدث. بينما عبر المقاطعون عن استيائهم لاستثنائهم من هذا الحدث. وقال لوبيز أوبرادور: "أن إدماج وترابط كامل الأمريكيتين هو الطريق الوحيد لمواجهة المخاطر الجيوسياسية التي تهدد العالم نتيجة التراجع الاقتصادي للولايات المتحدة".
إن الإصرار في مقاومة أغنية الموت التي تعزفها طبول "الحرب الباردة الجديدة"، لتؤكد على ضرورة التعددية القطبية. وهو الترياق الأمثل لاختلال التوازن المفروض بالقوة القهرية للرأسمالية العالمية التي وسمت غالبية فترة الخمسة قرون الماضية، والتي أمنها النظام الأحادي في الفترة الأخيرة. ولو تسنى للبشرية أن تحل عُقد الأزمة الحضارية التي نعيشها الآن –من أوبئة الفقر، وحتى النكبات البيئية– فلابد بد أن تُعمّم سياسة خارجية على أساس تطوير الاقتصاد السيادي والتعاون ضد الدوافع الاستعبادية للإمبريالية. هذا التعاون، بحسب ما يتجسد فعلياً على أرض الواقع، سيصبح الأساس الصلب الذي سيقوّض وسائل الهيمنة التي بذرتها القوى الامبريالية والاستعمارية لقرون خلت. وهو يجري على خلاف منطق النظام العالمي النيوليبرالي، ليحدّ من مجال حركته ويضعف قبضتته على اقتصاديات الدول الأفقر في العالم. وبكلمات أخرى، فإن الأحادية القطبية هي خطوة نحو صياغة مشاريع سياسية بديلة خارج مدار الدوافع التراكمية للاحتكاريات الرأسمالية. ولذات السبب، فإنها التهديد الأكثر عمقا الذي قد يواجهه الغرب بتعدد أطيافه على الإطلاق. وقد كتب بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى-The Grand Chessboard: "إن أخطر السيناريوهات تقع في حلف موحد مناهض للهيمنة، لا توحدها عقيدة وحسب بل مظالم متكاملة". وكان بريجنسكي يفكر من الناحية الجيوسياسية، بالطبع، وليس من ناحية الاقتصاد السياسي. لكن المظالم المتكاملة التي تتشكل على أرض الواقع اليوم هي من الصميم المادي والاقتصادي. وهي مظالم مرتبطة بمسائل أساسية من تحقيق الكرامة الإنسانية وحق البقاء. ولذلك، فإن التكتلات الدولية من قبيل وحدة أفريقيا أو التكامل الأوراسي، هي مشاريع شراكة إقليمية تصبح أولى الأهداف التي تصوّب نحوها النقمة الامبريالية.
ثلاث أطروحات لليسار
في عام 1960، ألقى الثوري الغاني كوامي نكروما خطاباً في الأمم المتحدة، قال فيها: "إن الموج التاريخي العارم يضربنا الآن، وبينما هو يضرب، فإنه يحمل معه نحو شواطئ الواقع، حقائق حياتية عنيدة، وعلاقات إنسانية مشتركة". فما هو المعنى الذي تبوح به عبارة حقائق حياتية عنيدة بالنسبة للأممية السياسية ومريديها؟ وما هو نوع العلاقات، بين الشعوب والأمم، التي بإمكانها أن تقدم لنا الحلول على الأزمات الكبرى لزماننا؟
إن هذه المسائل ترجعني مرة تلو الأخرى إلى النقاشات والمناظرات المتعلقة بالدولية الثالثة. فلا شك أن الظروف قد تغيرت في عالم اليوم. فالقوى الاستعمارية القديمة، التي لم تعد مشتبكة في حروب لا تنتهي ضد بعضها، تعمل اليوم عبر أدوات الامبريالية الجمعية. ولديهم الاستراتيجيات لاستنزاف موارد الشعوب والأمم. وفي السلاح النووي والأزمة البيئية، نرى شبح الإبادة الكلية للبشرية يحوم على رؤوس مجتمعاتنا. إلا أن عبرة واحدة تشخص أمامنا بعناد: لا يمكن نتغلب على الرأسمالية ما لم تُقطّع أوردة الامبريالية المتظافرة على مستوى عالمي شامل. فكما ناقش منابندرا روي، منذ أكثر من قرن مضى، وكما أوضح لنا التاريخ بإسهاب، طالما أن القوى الغربية متمكنة من امتصاص جهود وثروات العالم الثالث، فإن الرأسمالية ستواصل زحفها المدمر. وطريق الزحف هذا تؤمنه اليوم الجيوش القوية المتأهبة لسحق البشر وتدمير الأمم.
فما الذي يعنيه ذلك لأولئك الذين يعيشون في قلب العالم الإمبريالي من أمثالنا؟ أود أن أستعرض ثلاث أطروحات موجزة استنتجها من التحليل السابق:
- إن الثورة بدأت بمسيرتها فعلاً. فمنذ انطلاقة أولى الكفاحات المناهضة للاستعمار، فإن مناهضة الامبريالية –أو الرأسمالية في بعدها الدولي– كانت قد بدأت بالتقدم في طريق عاصف عبر مشروع العالم الثالث. ومع قدرة شعوب العالم الثالث على شلّ وإيقاف قدرات الامبريالية على نهب الموارد، والتي شكلت عالمنا اليوم، فإنها (أي الشعوب)، ستكون المحرك الدافع نحو تطور البشرية.
- القاطنون في الغرب ليسوا العدو الأول للثورة. لقد تم سحق الثورة الأوروبية بشكل وحشي على يد طبقة حاكمة تستند على النهب الإمبريالي. واليسار في الدول الامبريالية، الذي يفتقر إلى سلطة الدولة، لا يمكن له أن يفرض شروط الحراك التكتوني الذي يحصل، ولا ينبغي له أن يوجهها بطرق يوفر غطاءً أيديولوجياً ويوفر الحماية للطبقتنا الحاكمة. لقد خسرت الثورة الكثير من المساحة لصالح الإمبرياليين ضمن مساعينا –في اليسار– لتقليص المكاسب الانتخابية والمنافسة البرلمانية. ولا يمكن لأي قوة أن تبنى من طريق استهداف قدراتنا السياسية المحدودة ضد العدو الرسمي المتمثل في طبقتنا الحاكمة.
- اليسار المناهض للامبريالية في الغرب يعمل داخل الوحش. فضعف اليسار الغربي هو صورة معاكسة لقوة الطبقة الحاكمة. ففي اللحظة التي تواجِه فيها البورجوازية الغربية التحدي التاريخي لهيمنته، فإن المهمة ليست بإعادة الاعتبار لقوته عبر الاصلاحات الضعيفة التي تحمي الرأسمالية ضد تناقضاتها المدوية، بل النضال نحو دمارها النهائي. إنه عدو نشاطره مع الأغلبية من سكان العالم وهو عدو نشاطره مع كوكبنا الذي نعيش عليه.
إن أهم مهمة، بعدئذ، هو أن نستعيد الاشتراكية المناهضة للإمبريالية باعتبارها مذهب فكري وعملي، يعمل بمفهوم التغيير الثوري لا ضد التغيير الثوري. وهذا لا يتطلب شيئاً أقل من استعادة الجسارة السياسية التي فقدناها في الفترة المسماة بنهاية التاريخ، فترة تراجع دور الاشتراكية العالمية وإعلان الأيديلوجية الإمبريالية أنها والأوكسيجين على حد سواء من الأهمية. وللعلم فإن التاريخ لم ينتهي في أي يوم من الأيام. إن التاريخ ينادينا اليوم لإظهار معارضتنا وانتقادنا للامبريالية. ينادينا لأن نكافح ضدها بلا هوادة. ينادينا لأن نرسم الأحلام العريضة التي ستكون البديل للرأسمالية، البديل الذي يقدم الإجابات الشافية لصراخات الطبقة الكادحة في مجتمعاتنا، تلك الصرخات التي تواجه مرة أخرى بأغنية الموت التي تعزفها طبول اليمين المتطرف.
إن الرهانات لم يسبق لها أن كانت أعلى من رهانات اليوم. فهل سينهض العالم الثالث ويفك قبضة القوى الاستعمارية التي أحكمت السيطرة لقرون على غالبية شعوب العالم، ليفتح، على أقل تقدير، الاحتمالات والإمكانيات لمسار سياسي مختلف على الصعيد العالمي؟ أم أن القوة الجمعية الامبريالية ستستمر في جرّنا نحو طريق تملؤه الحروب والانهيارات البيئية؟ إن الإجابة على هذا السؤال يعتمد على عزيمتنا وإصرارنا على الاصطفاف خلف أحد هذين الطريقين، اللذين يقفان على تضاد ديالكتيكي من بعضهما البعض. الإجابة تعتمد علينا لأن ندرس قصة الموروث الغربي الدموي، لنتعلم من القوى التي قاومته وناهضته ونأخذ من كفاحها العبر. وحين نستقي العبر لتأسيس كفاحنا، فإنها ستعطينا المفاتيح لبناء عالمنا الجديد. وستمكننا من مشاركة العالم الثالث بالبناء معهم والسير في خطاهم المفعمة بالحيوية والإقدام وتأييد كفاحاتهم ومقاومتهم ضد القبضة المتراخية للطبقة الحاكمة في الغرب الجمعي. ولا يمكن لنا أن نستجيب لصراخات البشرية المعذبة إن كنا سنخطف قوتنا من الجوعى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.