المختار بوخمسين
02/10/2023
من الشائع في السجالات المستعرة بين المحافظين من مؤيدي التدين وبين مناصري الحداثة أن يشكل الطرف الأول على الثاني قبولهم للتمظهرات والنتاجات السلبية التي أفرزتها "الليبرالية والحداثة"، والتي دخلت بلداننا دون استئذان من الغرب. وتتنوع الأسئلة وتتبدل تبعاً للمتحاورين ولكن هذه الأسئلة لا تتعدى نموذج "هل ترضاها لأختك؟". أما ما يفاقم الأمر فهو رد الاتهام بالدفاع، في إقرار عجيب وسخيف بالتهمة الموجهة.
ومن الاستشكالات والأسئلة الشائعة التي تثار ضد الليبرالي والتي قد تستوقف المراقب فإن هذه الأسئلة المقولبة بقوالب الاتهام تستفهم عن:
- التعامل مع الملحدين ومطالباتهم الثقافية والإعلامية من بث مرئي وإذاعي وصحفي.
- التعامل مع المتحررين بدعوى تنشيط التنوع الاقتصادي والسماح لمظاهر الحياة الليلية والخدمات المتعلقة بها.
- شرعنة الشذوذ الجنسي والاعتراف بعقود الزواج المثلي.
- توفير المرافق السياحة المنفتحة التي تستقطب فئة خاصة من السياحة الغربية تسمح لفعاليات "الأجواء الدافئة" ؟
ولكن هناك إشكالية تكمن في مثلث الاتهام: السائل والمسؤول والسؤال معاً . فأما السائل فهو يُسقط أسوأ تصورات الليبرالية على أي حداثي سواء كان ليبرالي أم لا. وأما المسؤول فهو قد قبل بعنوان الليبرالي غافلاً عن المستجدات الخطيرة في هذا العنوان. وأما الأسئلة فهي تستعمل مصطلح ليبرالية بفضفاضية حين وجب تقييد الاستخدام، قبل أن يصاغ في مثلث الاتهام.
ومن الحكمة أولاً لأي مهتم أو متحاور تهيئة أرضية النقاش بتعريف المصطلح المؤطر للمفاهيم التي هي محل الاستفهام والحوار أي الليبرالية، من دون الاكتفاء أو الوقوف عند ذلك. إذ على المهتم أن يكمل البحث باستعراض أشمل وأوسع لـ "رحلة التنوير الأوربي" على مدى أكثر من 6 قرون، لكي يعرف ما الذي وفد علينا ومن أي زمان وأي مكان، خشية أن يتحول النقاش إلى شيء أقرب ما يكون إلى أكلة الهريسة منه إلى نقاش علمي يرجع الأشياء إلى أسانيدها.
نقدم هنا محاولة تختصرعلينا الرجوع إلى المتون والمراجع، لكي نحاول أن نفهم الكلمة من "مصادرهم" الرشيقة والمختصرة مع العلم أنها لا تقل عراقة عن غيرها.
يقول قاموس كامبرج في الليبرالية: هي توجه فكري وسلوكي يقضي باحترام المعتقدات والسلوكيات المختلفة والتسامح معها. كما أنها معتقد سياسي يقضي بضرورة التجارة الحرة وضرورة السماح للناس بالمزيد من الحرية الفردية، وضرورة عدم استحداث التغييرات في المجتمع بصورة حادة ومفرطة.
يقول قاموس التراث الأمريكي في الليبرالي(ـة): أ) أن يكون المرء متحرراً أو يمتلك خصال تحررية. ب) هي نظرية سياسية مبنية على نبل الطبيعة البشرية والحرية الذاتية المستقلة للفرد، ومبدأ تفضيل الحريات المدنية والسياسية وحكم القانون بتأييد المحكومين وحمايتهم من السلطات التعسفية. ج) هي مباني فكر الأحزاب الليبرالية. د) نظرية اقتصادية تشجع التعاملات الثنائية المستقلة في التجارة (laissez-faire) باعتماد السوق الحرة وعيار الذهب كأساس للعملة. هـ) حركة بروتستنتية من القرن التاسع عشر تشجع التساؤل الفكري الحر، وتشدد على ضرورة المحتوى الأخلاقي والإنساني في النصوص الدينية المسيحية وتهمش المعتقدات اللاهوتية المتشدّدة. ز) حركة كاثوليكية رومانية من القرن التاسع عشر تشجع السياسة الديمقراطية والإصلاح الديني داخل الكنيسة مع إبقاء المعتقدات اللاهوتية دون مساس.
تقول ويكيبيديا الإنجليزية في مقال يعتبر مستوفٍ للشروط بمقاييس ويكيبيديا إلى تاريخ المقال، عن الليبرالية: هي فلسفة سياسية وأخلاقية مبنية على الحرية والحقوق المتساوية. ويتبنى الليبراليون وجهات نظر مختلفة اعتماداً على فهوماتهم لهذه المبادئ، لكنهم يتفقون في تأييدهم لهذه المبادئ وهي: تحديد سلطات الحكومة، وحقوق الفرد بشقّيه الحقوق المدنية والحقوق الإنسانية، والأسواق الحرة (أو الرأسمالية)، والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة (العلمانية)، والمساواة بين الجنسين، والمساواة بين الأعراق البشرية، ومبدأ تعزيز الصداقات الدولية (الدولانية)، وكفالة حرية التعبير والصحافة والدين.
من خلال كل التعريفات السابقة، يتبين لنا أن مبادئ الليبرالية هي المفاهيم والمبادئ العملية التي تحكم العالم المعاصر. ومن خلال كل مبدأ نرى مجموعة من الأنظمة والقوانين والهيئات والمنظمات الدولية التي أنشأت لدعم هذه المبادئ على مستوى الدول والحكومات والشعوب والأفراد. وهي لم توضع وتنتشر وتقبل بين أمم العالم لأنها المنظومة العقائدية الأحسن والأجدر، بل لأن العالم شخص أنها مبنية على مجموعة من القيم الإنسانية المشتركة التي تعمل على تقارب الناس. وهنا لا نغفل ولا نبرئ الأجندة السياسية لبعض الدول في الغرب لفرض هذه الأيدولوجية والتوسل بها لتكريس هيمنتهم، فهي أعظم من أن تخفى على أي مراقب.
بالرجوع إلى الأسئلة الأربعة ، فإننا لانجد تعريف من التعاريف أو الشروح التي تناولناها وقرأناها تدعم بالحرف القاطع العدمية الوجودية أو الانحلال الأخلاقي أو التعري أو الشذوذ الجنسي أو غيرها مما تحمله الأسئلة المشحونة. وإنما لاستطراد الفكرة فإن الغرب مرّ بمراحل سابقة ولاحقة في رحلة "التنوير". ومن هنا لا بأس باستعراض بعض المراحل الزمنية في مسيرة ما يسمى بـ "التنوير الغربي" علّنا نكتشف جديد!
- عصر التنوير الأوروبي أو الرنيسانس الذي امتد من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر واشتهرت بحركة العلوم والفنون وانتقالها من الشرق إلى الغرب. تولدت الشرارة الفعلية التي ولدت الزخم لهذا العصر في النصف الثاني من القرن الخامس عشر بسقوط القسطنطينية عام 1452 وسقوط آخر ممالك الأندلس مقابل مملكتي ليون وقشتالة عام 1492. هاذان الحدثان تسببا في هجرة واسعة للأدمغة والنفائس التقنية والعلمية والفنية من بيزنطة المنهارة إلى امبراطورية البندقية التجارية وسائر المدن الدول الإيطالية، كما أوقع الموارد العلمية والبشرية والإبداعية الأندلسية في قبضة الأسبان الكاثوليك.
- العصر الرومانسي حوالي القرن الثامن عشر، وقد اتسم هذا العصر بأمرين رئيسين أولهما محاولة انتحال وتقمص التاريخ الإغريقي الروماني القديم باعتباره التاريخ المؤسس للقيم والفنون والعقلانية الغربية، ويمكن القول هنا أن تاريخ الغرب وتاريخ الشرق معاً -لا سيما التاريخ الكتابي- ، تعرض لأكبر سرقة وتزوير في تاريخ البشرية سعياً لترسيخ أحقية الرجل الأبيض على سائر البشرية. وثانيهما قيام الامبراطوريات الغربية الحديثة (البرتغاليين، الأسبان، الهولنديين، الفرنسيين، الإنجليز وغيرهم) فيما يعرف أيضاً بالعصر الامبريالي والتي استلهمت من الامبراطوريات التاريخية للإغريق والرومان (الإسكندر المقدوني ويوليوس قيصر الرومان).
- الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية وهي من أهم انتاجات وإنجازات الثورة الفرنسية التي أثرت على الفكر والوجدان الغربي في هذه المرحلة وكانت بمثابة الوقود الذي حرك الثورة الصناعية في أوروبا. وكانت هذه الفترة تعرف بعصر المنطق والعقل لما تميزت به من محاولة لتوسل العلم والمنهج العلمي في جميع مناحي الحياة.
- الحداثوية في بداية القرن العشرين وهي حركة فلسفية نشأت عن إفرازات الثورة الصناعية والأثر العميق الذي أحدثته في المجتمعات الغربية. كان لها تأثير قوي في الفكر والأدب والفن وسائر مناحي الحياة. وقد تأثرت بحركة الإنتاج الصناعي وانتشار التعليم ونمو شريحة الطبقة الوسطى واتساع المدن وانتشار الآلات وتعزيز الهوية الفردية على حساب هوية الجماعات، والأهوال التي تمخضت عنها الحرب العالمية الأولى. وكان نيتشية هو نجم هذه المرحلة بالعمل الفلسفي الذي وضعه وهي إرادة القوة وغيرها من أعماله.
- ما بعد الحداثوية ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويقال أنها ما زالت قائمة إلى اليوم. ويطغى على هذه الحركة الفكرية طابعاً سلبياً من الشك والسخرية والتهكم بالحضارة البشرية وكل ما قدمته من إنجازات. وهنا تبلغ أهمية مبدأ الفردانية ذروتها وتقدمها على سائر المبادئ الأخرى، إذ تعزز ظواهر مثل مركزية الذات الفردية في تقرير الأحكام وتؤكد على نسبية الأفكار والقيم الأخلاقية لا إطلاقها، مع ضرورة قبول التعددية وضرورة قبول مختلف المعايير الأخلاقية. وقد تتقدم بعض تمظهرات هذه الحركة إلى أن تبلغ حد العدمية والعبثية الوجودية - Nihilism وهو ما يفسر بعض الظواهر في الغرب والتي لم تبق في الغرب، مثل ظواهر الانتحار الفردي والانتحار الجماعي، وعبادة الشيطان، والانحلال والشذوذ الجنسي وما يورثه من ضعف في بنية العائلة والمجتمع، والتطرف النسوي، واستفحال الرأسمالية والاستهلاكية.
- الليبرالية المتطرفة بدأت بالتشكل في ستينيات القرن الماضي متأثرة بحراك الشارع الغربي، والليبرالية المتطرفة هي تطور واستطراد عن الليبرالية ما بعد الحداثوية وهي متركزة في الدول الغربية المنتصرة في الحرب أكثر من غيرها. وكانت تتشكّل بتأثير من ثلاث حركات مختلفة من الشارع. فالأولى، كانت حركات التحرر الجنسي في أوروبا وأمريكا. والثانية، ، حركة مطالبات الحقوق المدنية للأقليات والسود. أما الأخيرة فهي حركات السلام المناهضة للحروب لا سيما حرب الفيتنام. ولا ننسى ذكر مطالبات نشطاء البيئة واحتجاجات الشواذ جنسياً. هذه التحركات، بغض النظر عن خيرها وشرها، شكلّت تحدياً كبيراً للمجتمعات الغربية التقليدية وحولت الكثير من المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية إلى مفاهيم نسبية مائعة، وساهمت أكثر في تراجع الدين في المؤسسات وفي الحياة العامة.
نلاحظ بعد تعداد هذه المراحل في "التنوير الغربي" كيف تطورت المذاهب الفكرية الليبرالية بتطور المجتمعات الغربية وما مرت به من ظروف. ومع تنوع الأحكام والقناعات فيمكننا تقسيم الليبرالية إلى: ليبرالية كلاسيكية توافق المراحل الثلاثة الأولى، وليبرالية حديثة بدأت في المرحلة الرابعة وتمظهرت بتمظهرات خطرة جداً في المرحلة الأخيرة توصف بالعدمية الوجودية لتشهد سقوطا حادا وشاملا في المعايير الأخلاقية والنظرة الكونية للإنسان الغربي.
رغم ذلك فإن المراحل الأربعة الأولى لا تخفى على الوعي الثقافي العربي وهي محل تداول في أوساطها، ولكن المرحلتين الأخيرتين بقيت مجهولة المعالم تقريباً، ولم تُبرز على حقيقتها إلا مؤخراً، وهي مرحلة مهمة وخطيرة جداً خصوصاً لبلداننا. هذه الأهمية نابعة من أن أوطاننا في الغالب بدأت مشوار الحداثة والتحديث بعد الحرب العالمية الثانية، ومعظم عمليات التحديث وإعادة التحديث التي بدأت في العالم العربي والإسلامي كانت باستيراد نموذج ما بعد الحداثوية بصورة ملمعة، وفرضت فرضاً ضمن قوالب التحديث التنموي والفكري. وهذا الجهل المركب هو ما يوقع مثلث الاتهام في الإشكال وهو ما يوقع المتجادلين فريسة للاستقطاب والاصطفاف، فإما ليبرالي متعصب أو نقيضه.
التحدي الأكبر هو أن المرحلة السادسة كما أشرنا آنفاً، حين بدأت تنتشر في الإعلام التقليدي والحديث بيننا خلال السنوات الأخيرة، شكلت صدمة على المجتمع المحلي بأطيافه، وخصوصاً مع عدم وضوح منشأ هذه الهجمة. وتفاقم الأمر حين صرنا نرى بعض المظاهر تنتشر على أرض الواقع وبين أبنائنا، وهو أمر يستدعي التنبه والاستنفار والدراسة لإيجاد الحلول وسبل المعالجة. وقد بدأت بالفعل كثير من الدول المحافظة حول العالم، والتي لا توافق هذا التوجه المسعور للغرب الحديث، بدأت باتخاذ الخطوات والاجراءات حتى صارت عنواناً تخاض من أجلها الحروب اليوم.
خلاصة القول أن ما نراه اليوم من شرعنة للانحلال والانحراف الأخلاقي والاجتماعي والديني مرجعها بشكل أساسي هو مذهب ما بعد الحداثوية الذي طور نسخة متطرفة من الليبرالية، ولعل الليبرالية الكلاسيكية منها بريئة. إلا أن الظريف هو أن هذا التحول في أشكال الليبرالية لم يكن بريئاً بالكلية. فلو قبلنا أن أسباب القوة تنقسم إلى قوة خشنة وقوة ناعمة، فإننا نلاحظ أن الغرب حين كان يتوسل قوة الجيوش العسكرية -القوة الخشنة- لفرض سيطرته على العالم، فإن ليبراليته كانت أداة بناء داخلي تتوشح بأوشحة الإصلاح والتقدم. أما حين رأى الغرب الكلفة العالية للقوة الخشنة وقرر التحول للقوة الناعمة، فإنه حول ليبراليته إلى أداة هدم سعى بها لفرض أجنداته بالغزو الثقافي تحت منظومة العولمة التي قادها خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. لكن السحر سرعان ما انقلب على الساحر فها نحن نرى اليوم كيف أن ليبرالية الغرب المتطرفة تهدم العالم دون تمييز للجبهات أو المعسكرات ساعية لجرّه نحو الظلمات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.