إيلاف قريش بقلم فكتور سحابتقييمي: 5 من 5 نجوم
طرق التجارة الشرقية في العالم القديم وصراع الامبراطوريات عليها وبروز مكة قريش كلاعب عالمي فيها. هذا هو ملخص البحث الذي تحمله طيات هذا الكتاب الزاخر.
ذلك الصراع الذي استمر لقرون بين قوتين عالميتين، أوروبية غربية مقابل آسيوية شرقية، حتى زاد صراعهما على الألف سنة واختزن في جنباته أهدافاً اقتصادية أكثر من أي هدف آخر. لقد كانت كلتا هاتان القوتان تجيّران وتجيّشان الأمم والشعوب من حولهما لوصل خطوط التجارة سعياً لنفائس الشرق القادمة من الصين والهند والبنجاب وجزيرة العرب. نفائس من حرير ولؤلؤ وعطريات وتوابل وأعشاب وأصباغ وكل ما تهف إليه الأنفس وترجف لها القلوب. هذه النفائس لم يعتبرها أهل زمانها من كمال المعيشة بل من أساساتها. فليس بوسع عطار أو طبيب أن ينقذ الأرواح، وليس بمقدور ملك أن يسكن القلوب، وليس بإمكان كاهن أن يحكم النفوذ، بغنىً عنها أو عافية منها.
ولمّا كانت السنّة في الدهر التقلب الدائم والتبدل، فيوم هنا ويوم هناك. وكان التحكم بطرق التجارة يتذبذب بين الشرق والغرب. فيوم يكون الغلبة للفرس فإن جادة التجارة القادمة من المحيط الهادي وبحر العرب تتجه عبر الخليج ثم أرض السواد وما يليها من بادية الشام. وساعة ما تكون للأباطرة اليونان-الرومان، فالمسلك حينها يعبر موانئ اليمن ثم البحر الأحمر ففلسطين، أو من اليمن ثم بر الساحل العربي المطل على البحر الأحمر لينتهي الى سيناء ففلسطين. وهنا بيت القصيد: وهو صعود قوّة مكة بلعبها الورقة الرابحة، ورقة الإيلافات والتجارة الدولية.
فبخط الحجاز البري التجاري (طريق البخور)، يرى الكاتب أن قريشاً تحت رؤية نخبة من قادتها الأفذاذ هي أوّل العرب طرحاً لمشروع قومي وحدوي تحت راية اقتصادية -مرّة أخرى- عبر إيلافاتها الذي خلدته سورة الإيلاف في القرآن الكريم، والتي لا تنفكّ أبداً عن أهم وأخطر الحوادث المفصلية خلال نهضة مكة في عشية الإسلام، ألا وهي واقعة الفيل. بهذه الإيلافات تمكنت قريش من بناء الامبراطورية التجارية وتوحيد قبائل العرب -حتى قبل الاسلام- من خلال إشراكهم في هذه الامبراطورية وسن السنن ووضع المؤسسات رفعة وخدمة لها. فكانت نتيجة هذه الوحدة، هو سلم وازدهار وأسواق وأدب وقوة وبلاغة وتفاهم على طول الطريق التجاري، فضلاً عن ربط أسواق المحيط الهندي بأسواق البحر المتوسط، ما مهّد وأسّس لنهضة سياسية دينية أشمل تمثّلت بظهور الدين الجديد على يد النبي العربي محمد (ص).
الكتاب يقدم نظرة استراتيجية شاملة لأهمية الإيلافات القرشية بأسلوب لم يُطرق من قبل كما يزعم كاتبه. وقد نال الكاتب درجة الدكتوراه من خلال هذا البحث الرصين الشامل الذي نشر عام 1992. ولو كان هنالك أي مأخذ على البحث -ولا مأخذ هنا- فهو صرامة الجو الأكاديمي الذي يقيّد الكاتب من أن يطرح نظرية أو أن يستقل برأي إلا من خلال المنهج العلمي المعتمد على المصادر الأولية.
ولكن خلافاً للبحوث الأحدث التي جاءت بعده، والتي تمتعت بشجاعة وثقة لتصحيح تاريخ العرب وتأصيل روايته وإرجاعه الى مركزيته العربية بعد أن اختطفتها مدارس الاستشراق. ومن أمثلة هؤلاء البحاثة التأصيليين د كمال صليبي وجورجي كنعان وفاضل الربيعي و د جواد علي. وخلافاً لهم، فإن هذا البحث ينقاد في كثير من المواضع تحت المركزية الغربية والاسرائيليات لرواية تاريخ وأحداث منطقتنا. وإن كان لم يفرط فيها إذ اعتمد كثيراً على المؤرخ العراقي الكبير د. جواد علي. لكننا سرعان ما نلاحظ بعد مضي نصف البحث تقريباً أن د. فكتور لم يقصّر في مناقشة آراء الإخباريين العرب (الآخذين بالاسرائيليات) الذين دونوا التاريخ الاسلامي وما قبله والمستشرقين الذين رادوا البحوث الحديثة في هذا المجال، فهو للحق كان يخطّئ غلوهم أو تفريطهم مهتدياً بإطاره الثقافي العربي ومخزون التراث الاسلامي، مستنيراً باحترامه الجم لعقله وتاريخه وعروبته، معتمداً على رؤيته الشاملة والمركبة في البحث.
وانتهاءً عند هذه الملاحظة فقد أثبت د فكتور سحاب أن المستشرقين يقدمون خدمات جليلة في البحوث الميدانية والتنقيبية وقراءة الآثار والنقوش وحفظها وأرشفتها إلا أن البحوث التحليلية والنظرية لتاريخنا من قبيل هذا البحث تحتاج الى أبناء هذا التاريخ لوصل ما انقطع فيها وجبر ما انكسر منها.
صفحتي على موقع Good Reads
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.