سؤال يطرحه علماء السلوك والتربية علينا بعد أبحاثهم في أثر التعليم الأكاديمي الحديث على المجتمعات قبل وبعد تعميمه وإنتشاره. ورغم أن الكثير منا يعتبر التعليم أمراً مسلّماً ولا نفكر كثيراً به فإن الأبحاث تثبت أن الأثر الذي تركه التعليم على مستوى العالم غير بسيط على معدل ذكاء الفرد، رغم تعودنا على هذه النعمة واعتبرانا إياها أمراً "اعتيادياً". هذه الأبحاث التي كانت نتيجة عقود طويلة وممتدة من المقابلات الشخصية والتسجيل والملاحظة، بالاستعانة بالاستبانات وأدوات القياس العقلية والنفسية والسلوكية التي تقيس ملكات المشاركين في مختلف مراحل انتشار التعليم، كانت نتائجها مذهلة بحق.
ولكن قبل ذلك، يجدر أن نتساءل عن السبب الحقيقي الذي دعا حكومات العالم إلى نشر التعليم والمدارس؟ الحقيقة أن التعليم الأساسي والمتوسط كان ضرورياً لدمج أكبر قدر ممكن من الشرائح الاجتماعية في الاقتصاد الصناعي وما بعد الصناعي. فبعد دخول الآلة في جميع مناحي الصناعة وشؤون الحياة، وبعد أن صارت المنتجات تُصنّع بكميات ضخمة، انتعشت الأسواق وأُغرِقت بالمنتجات الاستهلاكية، فكانت الخطوة المهمة هو تعميم التعليم الأساسي والمتوسط لكي تتمكن المجتمعات من إدارة هذا الثراء المستجد، ويتمتع أفراد المجتمع بدخل إضافي يمكّنهم من اقتناء هذه الاستهلاكيات المتوفرة في الأسواق.
نرجع إلى سؤالنا المعنون لنقارن بيننا كمعاصرين وبين نظرائنا الذين عاشوا قبل أربعة أجيال في ظروف تلك الفترة قبل وجود أي نوع من أنواع التعليم الحديث. فهل كنا بنفس العقلية والفكر أم أن تعليمنا الأساسي أثّر فيه؟
خلُص هؤلاء الباحثون خلال دراسات حديثة راجعوا فيها سجلات تعليمية وبحثية ترجع إلى أكثر من قرن، أن المؤسسة التعليمية الحديثة وانتشارها العالمي الواسع في مطلع القرن العشرين أحدثت بالفعل نقلة نوعية في الملكات الفكرية عند الأفراد وتلخّصت في التطوّر الملحوظ لوعي أفراد المجتمع، من قبل تفعيل مؤسسات التعليم العامة ومن بعدها، حيث لاحظوا من خلال مقارنات أجريت على تجمعات سكانية لم تشهد أي تعليم، وتجمعات مّر عليها جيل واحد على الأقل من المتعلمين، والنتيجة كانت مذهلة لهم.
المتعلمون الذين درسوا خلال تسعة أعوام أو إثني عشر عاماً، الرياضيات والعلوم والاجتماعيات، تأسّس فكرهم وتهذب -لا أقل- على الحد الأدنى من الأسس المنطقية، واطلع الدارس على سنن الطبيعة وطبائع الأحياء وديناميكيات المجتمع، فتميّزوا بذلك، عن غير المتعلمين، بتطوّر قدرتهم على استقراء الظواهر واستنتاج الخلاصات وتمييز الأشياء. أما أهم الملكات العقلية وأبسطها، فهي القدرة على "التصنيف". وبالتصنيف تمكن الفرد من وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، وهو ما مكّنه (مع الأدوات العقلية الأخرى) من التشخيص العلمي البعيد عن الخرافة والأوهام. كل القدرات العقلية المكتسبة هذه حفزت في الفرد إمكانياته التحليلية وإعمال الفكر لتجاوز العقبات وحل التحديات بل وحتى ابتكار الأساليب الجديدة وتطويرها بشكل فعال وسليم.
أما غير المتعلمين فقد كانت قدرتهم التصنيفية بدائية، فلم يكن بإمكانهم تصنيف الأشياء إلا على وجهين. الوجه الأول هو وجه الانتفاع. أي أني أنتفع من لحم الطير، فالطير جيد، ولا أنتفع من لحم الفأر، إذاً الفأر خبيث. وأنتفع من الحصان فهو جيد، ولا أنتفع من الدب فلا بأس من محوه من الوجود. الوجه الثاني هو القدرة على تفسير الظواهر بالأسباب والعلل. فما عرفنا سببه فهو واقع مفهوم، وما خفي عنا فهو إما سحر غامض تحركه الجنّ والشياطين وعيون الحسّاد، وإما كرامات أسبغت على الأولياء والصالحين، ولا يوجد لها تفسير آخر.
السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل تمكنّا من ملاحظة التغييرات التي أوجدها التعليم، مهما قل أو كثر في حياتنا؟ أم أننا حافظنا على نسقنا الفكري الذي ورثناه من الأجيال السابقة على علّاته، وأهملنا نعمة العلم والتعليم، وإن بلغنا الشهادات التخصصية العليا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.