قال عز من قائل: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ
الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ
اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
فقه الأولويات هو باب جليل من أبواب الفقه
ولعله الأجل والأهم من بين كل أبواب الفقه، فهو كالأب الذي يوجه أبناءه ويهديهم
إلى بناء الأسس قبل بناء الجدران في منزل محكم متين يدوم لعقود بل لقرون طويلة.
مع الأسف، فقه الأولويات لا نرى له أثر في
حياتنا اليومية، بل ولا نرى له كثير الأثر حتى بين مناهجنا العلمية أيضاً.
من الآثار السلبية لغياب هذا الفقه عن حياتنا
هو إهمال المواضيع الضرورية والمقاصدية المهمة التي أولاها الدين الحنيف أهمية كبرى،
والتركيز -بدل ذلك- على مسائل جزئية "مختلف عليها" عند جمهور المسلمين،
سواء كان الاختلاف عليها في أصلها أو في بعض تمظهراتها.
ومن الآثار الأخرى هي إلهاء والتهاء الناس
بالسفاسف والقشريات والأوهام بدل رفع حالة المعاناة والحرمان والعوز عن المجتمع.
وخير مثال على فقه الأولويات هي الآية المباركة
المذكورة في مستهل المقال. الله جل وعلا ينكر على الذين ساووا بين السقاية والعمارة
(على أهميتهما) وبين من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله. فبالمقاييس
العامة، هذه المقارنة قد تمضي عند أكثر الناس، لكن الله أراد هنا أن يبيّن مفهوماً
تأسيسياً في الدين وهو مفهوم: المهم والأكثر أهمية. الأولى والأولى منه. فقه
الأولويات، يعرّف بأنه: وضع كل شيء في مرتبته. فلا يؤخَّر ما حقّه التقديم، ولا
يقدّم ما حقّه التأخير ولا يصغّر الأمر الكبير ولا يكبّر الأمر الصغير.
كثيراً ما نرى هذه الأيام انشغال وإشغال
البسطاء من الناس بسفاسف الأمور مثل الإنشغال بالعين والسحر والجن وتضييع الأوقات
والأموال في السعي وراء إيجاد "الحلول" و"الحروز" منها، في
حين أننا لا نرى الجهود لمحاربة ما هو أولى وأدهى، وهو الفقر والجهل و المرض.
أيضاً نرى أهل الخير يصرفون الجهد والوقت
والمال على أعمال خير منقطعة كالإطعام والسقاية (على عظم مثوبتهما) ويتركون
الأعمال الدائمة المتصلة مثل بناء وتشغيل دور الرعاية والتعليم والإصلاح.
أيضاً نرى من الوعاظ والدعاة من ينكرون بعض
المنكرات المختلف عليها كالغناء والاختلاط وألعاب اللهو واعتبارها من هوادم الدين
في حين أنهم لا يغلضون على المحرمات الصريحة المتفشية كالغيبة أو شهادة الزور أو
رمي المحصنات. والشواهد تطول لو أردنا الاسترسال.
كل ذلك بسبب غياب فقه الأولويات وثقافتها في
واقعنا المعاش، بل وفي البرامج العملية عند العوام والخواص، بل وحتى في الجامعات
والمراكز البحثية، ولا تستثنى منها المراكز الدرسية الدينية والحوزوية.
أما الذين توسلوا بفقه الأولويات ولو كان
بعنوان آخر هو "أم العلوم"، أي الفلسفة، فنرى أنهم أحسنوا استعمال أهم
دور من أدوارها (أي الفلسفة) وهي التعرف على تراتبية العلوم من حيث الأهمية والأثر،
للبدء بدراستها. فبدأوا بالعلوم الإنسانية والإلهية (لغة، أدب، فلسفة، دين، ماورائيات،
أخلاق، فنون)، ثم شرعوا في العلوم الطبيعية والتجريبية، ثم تأتي بعدها العلوم
الاجتماعية والاقتصادية. وصار لكل علم بابان: باب نظري بحثي وباب عملي تطبيقي.
أما أشباه العلوم أو العلوم الزائفة مثل
التنجيم، والشعوذة والسحر والعين وعلم الأرقام فقد أنزلوا من مقامها ووصموها
بـ"العلوم الزائفة" بعد أن كانت تحتل الصدارة في الكثير من الثقافات
والأمم الماضية.
وأما المفارقة العظمى فهي ما ترى من شعوبٍ،
يقال أنها تعلمت وتنورت بنورالعلوم التجريبية الحديثة وأبحرت بهدي العلوم الدينية
الأصيلة، لكنها تفضل التحرز من السحر والعين بحجة أن "العين حق"، ولا
تحب العمل بالمنطق لأن "من تمنطق فقد تزندق"!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.