الأحد، 22 أغسطس 2021

مستقبل القوة الأمريكية

مستقبل القوة الأمريكية
فرانسيس فوكوياما: عن نهاية الهيمنة الأمريكية

ترجمة: المختار بوخمسين

 "إن أفغانستان لا تعد نهاية العهد الأمريكي، فالتحدي لمكانتها العالمية -حسب راي الكاتب الخبيرفي السياسات الخارجية- هو الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة"

18 أغسطس 2021

الصور المرعبة للأفغان الذين حاولوا مغادرة كابول بكل يأس هذا الأسبوع، بعد انهيار الحكومة الأفغانية المدعومة من قبل الولايات المتحدة قد أحدثت نقطة مفصلية في تاريخ العالم، بينما بدت الولايات المتحدة بأنها تدير ظهرها للعالم. وحقيقة الأمر أن نهاية العهد الأمريكي قد حان في وقت أبكر بكثير من الآن. إن مصدر الضعف الأمريكي هذا، ولمدة طويلة مضت، هي الداخل الأمريكي وليست نتيجة التحديات الدولية الحالية. فهذه الدولة ستبقى دولة عظمى لسنوات عديدة، إلا أن مقدرتها على التأثير والنفوذ حول العالم سيعتمد على مقدرتها في إصلاح مشاكلها الداخلية وليس سياساتها الخارجية.

لم تدم ذروة الهيمنة الأمريكية العالمية لأكثر من 20 سنة، منذ سقوط جدار برلين في 1989 وحتى الأزمة المالية العالمية في 2007-2009، حيث كانت أمريكا مسيطرة في الكثير من الميادين آنذاك، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً. وكانت ذروة العجرفة الأمريكية هي احتلال العراق في 2003، عندما كان الأمل يحدوها، لا أن تعيد تشكيل واقع العراق وأفغانستان (الذي احتلته قبلها بسنتين) وحسب، بل إعادة تشكيل واقع الشرق الأوسط برمته.

لقد بالغت أمريكا في تقدير فعالية القوة العسكرية لإحداث تغيير سياسي جذري في الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت قللت من تقدير الأثر المدمر لنموذجها الإقتصادي المبني على السوق الحرة وأثره على الأسواق المالية العالمية. فانتهى ذلك العقد لتجد أمريكا نفسها وقد كبلت قواتها في حربين لمواجهة متمردي الدول المحتلة، وأزمة مالية دولية خانقة فاقمت من مظاهر اللامساواة التي أنتجتها العولمة الأمريكية.

إن الدرجة الحادة للقطبية الأحادية في تلك الفترة تعتبر ظاهرة نادرة في التاريخ، وقد تدرّج العالم في الرجوع إلى الحالة الطبيعية من القطبية المتعددة منذ ذلك الحين، مع نهوض كل من الصين وروسيا والهند وأوروبا ودوائر قرار أخرى مقابل الهيمنة الأمريكية. أما المحصلة النهائية لأفغانستان على الجغرافيا السياسية للمنطقة والعالم فمن المرجّح أن تكون ذات أثر بسيط جداً. فقد نجت أمريكا قبلها من هزيمة مذلّة حينما انسحبت من الفيتنام في عام 1975، إلا أنها استعادت سيطرتها في غضون عقد ونيف، وهي اليوم تعمل مع الفيتنام لكبح السياسة التوسعية الصينية. وما زالت الولايات المتحدة تمتلك الكثير من المزايا الاقتصادية والثقافية. مزايا ما زالت الكثير من الدول تعجز أن تضاهيها.

إن التحدي الكبير لمكانة امريكا العالمية نابعة من الداخل: فالمجتمع الأمريكي يعاني من انقسام واستقطاب حاد، وهو اليوم يجد صعوبة بالغة على الإجماع على أي شيء تقريباً. هذا الاستقطاب بدأ عند قضايا تشريعية تقليدية مثل الضرائب وحقوق الإجهاض، ولكنها منذئذ، تنقلت إلى صراعات مريرة على الهوية الثقافية العامة. فمن أبرز الظواهر الشائكة في الديموقراطيات الحديثة والتي تعتبر نقطة ضعف قاتلة فيها، هي المطالبات بحق الاعتراف الوجودي لشرائح اجتماعية طالما اعتبرت نفسها مهمشة من قبل طبقة النخبة، وهي ظاهرة لم أتعرف عليها سوى خلال السنوات الثلاثين الماضية. في الوضع الطبيعي، فإن خطراً داهماً مثل الجائحة العالمية، كان سيكون الرد الاجتماعي الطبيعي عليه هو تكاتف وتعاون كل أطياف المجتمع لمواجهته. لكن أزمة كوفيد-19 ساعدت على ترسيخ الفرقة، خصوصاً في فترة اعتبرت سياسات التباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامات وأخذ التطعيم بأنها موضع جدل كبير في صناعة السياسة المحلية.

هذه النزاعات امتدت إلى جميع الصعد الحياتية، فمن الرياضة وحتى العلامات التجارية للمنتجات الاستهلاكية التي يبتاعها أتباع الحزب الأحمر (الجمهوريين) والحزب الأزرق (الديموقراطيين). والهويات المدنية التي كانت أمريكا تفاخر بها بصفتها ديموقراطية متعددة الإثنيات والثقافات في أعقاب حركة الحقوق المدنية في الستينات. لكنها انتهت اليوم إلى سياقات سردية متحاربة تنقسم ما بين عامي 1619 (تأسيس أولى المستعمرات الأمريكية بامتلاك وتشغيل الأفريقيين المستعبدين) و 1776 (أعلان استقلال أمريكا من التاج البريطاني). والسؤال الشائك المطروح: هل أن أمريكا أُسّست على العبودية أم أُسّست على حركة تحرّر من الاستبداد. وهذا النزاع يدخل في كل التفاصيل الواقعية التي تفصل بين كل مجموعة ومعتقداتها، تفاصيل تقسّم المجتمع الأمريكي بين من يعتقد ان انتخابات نوفمبر 2020 هي إما أكثر الانتخابات نزاهة في التاريخ الأمريكي أو لا تعدو من كونها عملية احتيال كبرى أنتجت رئيساً غير شرعي للبلاد.

خلال كل فترة الحرب الباردة وحتى بدايات القرن الحالي، كان هنالك اجماع بين النخب الأمريكية لصالح ضرورة إبقاء الولايات المتحدة في صدارة القيادة السياسية العالمية. إلا أن الحروب الطاحنة التي بدت أنها غير منهية في أفغانستان والعراق أثار امتعاض الأمريكيين ليس حيال صعوبة ووعورة المشهد في الشرق الأوسط وحسب، بل حيال المشاركة في المشهد الدولي بشكل عام.

إذا فالاستقطاب أثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية. فخلال سنوات حكم أوباما، اتخذ الجمهوريون وضعية هجومية متشددة ضد الديموقراطيين حيال إعادة تقييم العلاقة مع روسيا، واتهموهم بالسذاجة بخصوص تقييم الرئيس بوتن.أما الرئيس السابق فقد قلب الطاولة كليةَ باحتضان الرئيس بوتن على الملأ، واليوم، نصف الجمهوريين تقريباً يعتبرون الديموقراطيين يشكلون تهديداً أكبر لـ "الطريقة الأمريكية" من روسيا. وفي ظاهرة أعلامية ساخرة، سافر مقدم الأخبار التلفزيونية المحافظ، تاكر كارلسون، إلى بودابست للاحتفال بحفل تنصيب الديكتاتور الهنغاري فيكتور أوربان وأعطاه لقب "قاهر الليبراليين" (وهي عبارة استعدائية معروفة من يمينيي الداخل ضد يسارييهم). وبدا أن هذه الظاهرة كانت أكبر أهمية لهم من إعلاء القيم الديموقراطية.

إلا أن هناك أجماعاً أكثر وضوحاً بخصوص الصين: فكلا الفريقين، جمهوريين وديموقراطيين، يتفقون بخصوص كونها تهديداً للقيم الديموقراطية. لكن اتفاقهم هذا لا يوصل أمريكا إلى بر الأمان. فالاختبار الحقيقي للسياسية الخارجية الأمريكية الذي يفوق التحدي الأفغاني هو مسألة تايوان، في حال تعرضها لهجمات صينية. فهل ستكون الولايات المتحدة على استعداد للتضحية بأبنائها وبناتها نيابة عن استقلال هذه الجزيرة؟ بل، واقعاً، هل ستخوض الولايات المتحدة مواجهة عسكرية مع روسيا لو احتلت الأخيرة أوكرانيا؟ هذه أسئلة جادة لا نرى لها إجابات سهلة، لكن محاولات الإجابة بعين المصالح الأمريكية في هذه النزاعات، لن تتم إلا من خلال عدسات مجاذبات الصراع الحزبي.

لقد أضرّ الاستقطاب الداخلي فعلياً النفوذ الأمريكي العالمي كثيراً، لكن ضرره لن يبلغ ما ستحققه التحديات المذكورة من ضرر. إن فعالية النفوذ الأمريكي يعتمد على ما أسماه عالم السياسيات الخارجية، جوزيف ناي بـ "القوة الناعمة"، وهي جاذبية المؤسسات الأمريكية والمتجمع الأمريكي على الناس حول العالم. وقد خبت هذه الجاذبية كثيراً: فمن الصعب لأي كان أن يزعم أن المؤسسات الديموقراطية الأمريكية أدت الدور المرجو منها خلال السنوات الأخيرة، أو بأن الدول عليها أن تقلد السياسة الأمريكية المختلة التي لا تحمل إلا صفات "العشائرية". إن السمة الأبرز لأي ديموقراطية ناضجة هي مقدرتها على أن تدير عملية انتقال السلطة بسلام بعد الانتخابات، وهو اختبار فشلت فيه البلاد بامتياز في السادس من يناير الماضي.

إن أعظم الكوارث لإدارة جو بايدن بعد استلامه لمنصبه منذ 7 أشهر، كان فشله في التخطيط المتأني لإنقاذ أفغانستان من انهيارها السريع. ومهما كان ذلك غير لائق لأمريكا، فإنه لا يحاكي المقصد والحكمة من قرار الانسحاب من أفغانستان، وهو قرار قد يكون صائباً في نهاية المطاف. وقد أشار السيد بايدن أن الانسحاب كان ضرورياً لكي يتسنى التركيز على التحديات الأكبر المتمثلة في روسيا والصين في المستقبل القريب، وأنا أتأمل أن يكون جاداً حيال ذلك. ولم يتمكن باراك أوباما من النجاح في إنشاء نقطة ارتكاز في آسيا لأن أمريكا بقيت في مكافحة التمردات في الشرق الأوسط. لذا فإن الإدارة الحالية تحتاج لإعادة نشر مواردها وانتباه صناع قرارها بغرض ثني الخصوم والتعاون مع الحلفاء في مناطق الاشتباك.

وعلى الأرجح، فإن الولايات المتحدة لن تستعيد هيمنتها السابقة، ولا ينبغي لها أن تطمح لذلك. وما يمكنها أن ترجو وتأمل هو أن تهيئ الأجواء مع الدول المتوافقة معها فكرياً، لكي تنشئ نظاماً عالمياً متسامحاً مع القيم الديموقراطية. وما سيحدد إمكانيتها في ذلك، ليس قراراتها في الأمد القصير في كابول، بل باستعادة فحوى غاياتها وهويتها الوطنية في الداخل.

فرانسيس فوكوياما هو كبير أعضاء معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية التابع لجامعة ستانفورد، وهو عميد مركز الديموقراطية والتنمسية وحكم القانون في نفس المعهد.

الرابط الأصلي:
https://www.economist.com/by-invitation/2021/08/18/francis-fukuyama-on-the-end-of-american-hegemony

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.