كريس هيجز
26/07/2021
ترجمة: المختار بوخمسين
الانهيار في أفغانستان، والذي سيسفر عن فوضى عارمة تنتشر بسرعة البرق خلال الأسابيع القليلة القادمة وسيؤكد رجعة طالبان للسلطة، هي إشارة إضافية شاخصة أمامنا على نهاية الامبراطورية الأمريكية. إن عقدين من القتال والتريليون من الدولارات التي أنفقناها والمئة ألف مقاتل الذين أرسلناهم لإخضاع أفغانستان، والأدوات التقنية الحديثة، والذكاء الصناعي، والحرب السيبرانية، ومسيّرات "ملك الموت" المزوّدة بأفتك الصواريخ وقنابل طراز "GBU-30 ، ومسيّرات الصقر العالمي المزودة بأدق الكاميرات، وفرق الكوماندوز المتخصصة المؤلفة من نخبة جنود السباحين والمظليين، والغرف السوداء، والتعذيب، والتنصت الإلكتروني، والأقمار الصناعية، والمقاتلات الجوية، وجيوش المرتزقة، وضخ ملايين الدولارات لشراء ذمم علية القوم من الأفغان ولتدريب جيش من الأفغان قوامه 350 ألف مقاتل، لم يبدوا يوماً أي استعداد لخوض قتال،،، إلخ،، كل ذلك لم يكن كافياً لهزيمة جيش غير نظامي من المقاتلين لا يتجاوز تعدادهم الـ60 ألف مقاتل، موّلوا أنفسهم من صناعة الأفيون والابتزاز في واحدة من أفقر الدول على وجه الأرض.
ومثل أية امبراطوير في طور التتحلل ووالاحتضار، فإن أي شخص لن يتحمل مسؤولية الانهيار الأفغاني، أو أي من الانهيارات الأخرى في العراق أو سوريا أو ليبيا أو الصومال أو اليمن أو في أي مكان آخر. فلا الجنرالات سيتحملون المسؤولية، ولا السياسيين ولا وكالة الاستخبارات المركزية CIA أو الوكالات الأخرى. ولا حتى الدبلوماسيين ولا أولائك الخانعين الانبطاحيين في الإعلام الذين كان لهم دور التشجيع الرخيص للحرب. ولا حتى الأكاديميين المسايرين والمتخصصين في مجالات الحدث. ولا حتى أولائك في قطاع الصناعة الدفاعية. لأن الامبراطوريات في نهاية عمرها هي آلات انتحارية جمعية. والجيوش تتحول في الأيام الأخيرة للامبراطورية غير قابلة للإمساك، وغير قابلة للمحاسبة، ولا يهمها شيء سوى إطالة عمرها بغض النظر عن الإخفاقات والسقطات والهزائم التي تنزلها على جثة البلد الأم، ولا يهمها حجم الأموال التي تنهبها ولا عدد المواطنين الذين تكبدوا من مصاريفها ويلات الفقر، ضاربين بعرض الحائط (أي الجيوش) مؤسسات الدولة المتحللة والبنى التحتية المتهالكة.
إن المأساة الإنسانية -المتمثلة في ما لا يقل عن 800 ألف إنسان قتلوا نتيجة العنف الحربي المباشر في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان والـ 37 مليون إنسان الذين نزحول من وإلى أفغانستان والعراق وباكستان واليمن والصوما والفيلبين وليبيا وسوريا حسبما صرح به معهد واطسون في جامعة براون- هذه المأساة، لا تعدو الآن إلا ملحوظة هامشية لا يلتفت إليها أحد.
تقريباً كل الامبراطوريات الـ70 التي ظهرت خلال الأربعة الآلاف سنة التي مضت، بما فيها الإمبراطوريات اليونانية والرومانية والصينية والعثمانية والهابسبورغية الألمانية، وألمانيا الامبراطورية، واليابان الامبراطورية، والبريطانيين والفرنسيين والهولنديين والبرتغاليين والسوفييت، كلها انهارت أولاً جراء حماقاتها العسكرية. فالامبراطورية الرومانية في أوجها لم تدم أكثر من قرنين. ونحن هُيّء لتفككنا في فترة متشابهة تقريباً. وهذا هو السبب الذي حث عالم السياسة والاجتماع الألماني كارل ليبنخت على وصف الجيش الألماني مع بداية الحرب العالمية الأولى بـ "عدو الداخل".
أما الكاتب والروائي الأمريكي مارك توين، والذي كان مناهضاً عنيفاً للجهود الرامية لزرع بذور الامبراطورية الأمريكية في كوبا والفيلبين وغوام وهاواي وبورتو ريكو، فقد كتب تاريخاً متخيّلاً لأمريكا في القرن العشرين، بيّن فيها أن "شهوة الغزو" ستدمر "الجمهورية الأمريكية العظيمة لأن اللامبالاة بظلم المساكين خارج الوطن قد علّمها وزرع فيها، كنتيجة طبيعية لعملها، أن تحمل ذات اللامبالاة إلى مواطنيها داخل أراضيها. وعليه فإن كل هذه الحشود التي أيّدت وصفّقت لسحق حريات وحقوق الآخرين، سيعيشون نتيجة خطأهم داخل وطنهم."
لقد علم مارك توين أن الاحتلال الأجنبي، تم تصميمه لإثراء الفئات المتنفذة والحاكمة. كما تم تصميمه لاستخدام الشعوب المحتلة كفئران تجارب لتحسين وتطوير أساليب السيطرة والاستبداد عليها، وهي أساليب سترجع إلى الوطن يوماً ما. إنها ذات الممارسات الاستعمارية البوليسية المتوحشة التي طُوّرت في الفليبين، والتي شملت شبكة كبرى من الجواسيس، وإجراءات روتينية من الضرب والتعذيب والإعدام، وهي ما أصبحت النموذج المحتذى به من البوليسية المركزية والاستطلاع الاستخباراتي داخل الولايات المتحدة فيما بعد. وهي ما أصبحت عند إسرائيل اختبار وتجريب منتجات صناعات الأسلحة والرقابة التجسسية والمسيّرات القاتلة على الفلسطينيين.
إنها واحدة من المفارقات السوداء الساخرة، بأن تكون الامبراطورية الأمريكية، بقيادة مستشار الرئيس جيمي كارتر لشئون الأمن القومي زبيغنيو برتزازنسكي، هي التي أورثت هذه الفوضى في أفغانستان. فقد أشرف برتزازنسكي على عملية سرية لوكالة الاستخبارات المركزية CIA كلّفت عدة مليارات من الدولارات، لتسليح وتدريب وتجهيز طالبان لقتال السوفييت. هذه الجهود السرية همّشت وعزلت المعارضة الديمقراطية العلمانية وضمنت هيمنة طالبان في أفغانستان، ومعها انتشار الاسلام الراديكالي في آسيا الوسطى في العهد السوفييتي بعد انسحاب القوات السوفييتية. فوجدت الامبراطورية الأمريكية نفسها تسعى بيأس أن تدمر صنيعة يدها. وفي أبريل من عام 2017، في مثال صارخ لهذا النوع الهزلي من "ارتد كيده في نحره"، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لأن تستخدم أقوى القنابل التقليدية في ترسانتها أو ما يعرف باسم "أم القنابل"، لقصف وتدمير سلسلة أنفاق تابعة للدولة الإسلامية في أفغانستان، وهي ذات الأنفاق التي أنفقت الـ CIA الملايين لإنشائها وتحصينها.
إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عام 2001 لم تكن تهديداً وجودياً للولايات المتحدة. ولم تكن ذات أهمية سياسية. ولم تخلّ بتوازنات القوى العالمية، ولم تكن عملاً حربياً حتى. لقد كانت مجرد عمل ارهابيّ عدميّ.
إن الطريقة الوحيدة لمواجهة الإرهابيين هي بعزلهم داخل مجتمعاتهم. لقد كنت في الشرق الأوسط لصالح صحيفة النيويورك تايمز بعد الهجمات. وكان معظم العالم الإسلامي فزع مشمئز من هذه الجريمة ضد الإنسانية والتي نفذت باسم الإسلام. ولو كنّا نملك الشجاعة للاعتراف بأننا تعرضنا للهجوم كحال أي دولة أخرى، نملك الشجاعة لفهم أن هذه كانت حرباً استخباراتية وليست حرباً تقليدية، لكنا اليوم أكثر أمناً وأماناً. فحروب الظل هذه، وكما برهن لنا الإسرائيليون حينما تعقبوا قتلة رياضييهم في أولمبياد ميونخ عام 1972، تستغرق شهوراً بل سنوات لتحقيق الأهداف المنشودة منها.
لكن الهجمات أعطت الطبقة الحاكمة الممتلئة شهوة للسيطرة على الشرق الأوسط والعراق بالخصوص التي لم يكن لها أي ارتباط بالهجمات، أعطتها الذريعة لتنفيذ أعظم خطأ استراتيجي في تاريخ أمريكا، وهو احتلال أفغانستان والعراق. إن مهندسي الحرب، بمن فيهم السيناتور جو بايدن آنذاك، لم يعلموا الكثير عن البلدين اللذين سيغزونهما، ولم يستوعبوا حدود الحرب الصناعية التكنوقراطية، ولم يستوعبوا الأثر العكسي المحتوم المتمثل في كره أمريكا عبر العالم الإسلامية. فقد اعتقدوا أنهم قادرين على زرع أنظمة عميلة بالقوة في مناطق احتلالهم، والاستفادة من عائدات النفط العراقية، بما أن الحرب في أفغانستان ستنتهي في غضون أسابيع، لتمويل إعادة الإعمار، وبذلك تنتيه عملية تأصيل الهيمنة الأمريكية العالمية بطريقة سحرية. لكن الذي حصل هو العكس.
إن احتلال العراق وأفغانستان، وقصف القرى والمدن بالقنابل العنقودية، والخطف والتعذيب والسجن لعشرات الآلاف من الناس، واستخدام الطائرات المسيّرة لبث الرعب من السماء، وإعادة بعث الجهاديين والراديكاليين الفاقدين للمصداقية أصلاً،،، كل ذلك كانت أسباب حقيقية وفعالة لحشد وتجنيد الناس في القتال ضد القوات الأمريكية وقوات الناتو. لقد كانت سياساتنا الخاطئة هي أفضل هدية يمكن تقديمها لطالبان والقاعدة.
لم يكن هناك سوى معارضة خفيفة وسط هياكل السلطة للبلدان المحتلة. فقد كانت نتائج التصويت في الكونغرس هو 518 صوت مقابل صوت واحد لصالح تمكين الرئيس جورج بوش الابن لشن الحرب، وكان الصوت الوحيد المناهض يعود للنائبة الديمقراطية باربرا لي. أما نحن وكل الذين أعلنوا معارضتهم وتكلموا ضد قرار الحرب، فقد شهّر بهم، وأبعدوا عن المنصات الإعلامية، وأبعدوا إلى العراء، حيث ما زلنا نعيش. أما الذين روّجوا لنا الحرب، فقد احتفظوا بميكروفوناتهم ومكبرات الصوت. وهي مكافأتهم نظير خدمتهم للامبراطورية ولشركات الصناعة العسكرية. ولم يكن مهم لأحد مدى حماقتهم أو سخفهم.
المؤرخون يطلقون اسم "العسكرية المجهرية، micro-militarism" على ظاهرة تشيع في الامبراطوريات المحتضرة، والمقصود بهذه العبارة أن جيوش الامبراطورية المحتضرة تميل إلى خوض مغامرات سطحية نزقة تنتهي بانهزامها المذل. في حروب الامبراطورية الأثينية (ما يعرف بالحروب البيلوبونسية 431-404 قبل الميلاد). قام الأثينيون باحتلال جزيرة سقلية، وخسروا 200 سفينة والآلاف من الجنود، وهذه الخسائر تسببت باستنهاض الثورات عبر الامبراطورية وسقوطها. وفي عام 1956، قامت بريطانيا بمهاجمة مصر على إثر تأميم قناة السويس، وكانت النتيجة هو إذلالها عندما أرغمت على سحب قواتها، فكانت نتيجة تلك الحماقة هو تعزيز مكانة القومية العربية في مصر الناصرية وسحب كل قدرات بريطانيا على المبادرة الهجومية في تاريخها.
"فيما تقوم الامبراطوريات الناشئة غالباً بالتروي بل بالتعقل في استعمال قوة السلاح لغرض الغزو أو السيطرة على الأراضي النائية، فإن الامبراطوريات الهالكة تميل إلى إظهار القوة بطرق حمقاء غير نافعة، بهدف استعراض البطولات وتحقيق ضربة معلّم، تعيد بها أمجاد ضاعت وسلطان أهدر"، هذا مما كتبه المؤرخ ألفرد ماكوي في كتابة "في ظلال القرن الأمريكي: نهضة وسقوط القوة الأمريكية العالمية" (In the Shadows of the American Century: The Rise and Decline of US Global Power). ويكمل قوله: "هذه العسكرية المجهرية، المنافية للعقل، حتى من وجهة النظر الامبريالية،لا ينتج عنها إلا نزف في النفقات أو هزائم مذلة لتسريع الانهيار القادم."
يكتب ماكوي: "أن الضربة القاضية للامبراطورية الأمريكية ستكون خسارة الدولار كعملة احتياطية للعالم. وهذه الخسارة ستقذف بالولايات المتحدة في كساد مطوّل يشل اقتصادها. وسيجبر القطاع العسكري على مستوى العالم على تقليص حجم موجوداته قسراً".
إن الوجه القبيح والقذر للامبراطورية، مع خسارتنا للدولار كعملة احتياطية، سيصبح مألوفاً جداً في الوطن. فالمنظر الاقتصادي الكئيب بكل انحلاله ومأساويته، سيسرع من مجموعة كبيرة من الأمراض الاجتماعية كانتشار حوادث اطلاق النار العشوائي، وجرائم الكراهية، وإفراط جرعات المخدرات، والسمنة الوبائية، والانتحار، والمقامرة، وإدمان الخمر. وستميل الدولة إلى الاستغناء عن وهم سيادة القانون بشكل متزايد، وستلجأ إلى أجهزة الشرطة المعسكرة، وهي في حقيقتها جيوش احتلال للداخل الأمريكي. أما السجون فهي من الآن تأوي ربع مساجين العالم، رغم أن سكان الولايات المتحدة لا يتجاوز الـ5% من سكان العالم.
إن نهايتنا على الأرجح ستكون أسرع مما نتخيل. عندما تنحسر الإيرادات أو تنهار كلياً، يشير ماكوي لنا أن الامبراطوريات تصبح "هشة". فالاقتصاد الذي يعتمد كثيراً على الإعانات الحكومية لانتاج السلاح والذخيرة بشكل رئيس، ولتمويل "المغامراتية العسكرية"، سيهوي إلى فوضى الدولار البخس، دولار لا يتعدى ثلث قيمته الأصلية. وسترتفع الأسعار بشكل كبير نظراً للارتفاع الحاد في كلفة الاستيراد. والأجور بالقيمة الحقيقة ستتراجع. وتراجع القيمة الحقيقية للسندات الحكومية سيجمع من دفع العجوزات السنوية الهائلة شيء مرهق بل مستحيل. وسترتفع معدلات البطالة إلى مستويات الكساد العظيم المعروفة. وستقلص كل أنواع برامج الإعانة الاجتماعية إن لم تختفي كلية. إن هذا المستقبل الديستوبي المأساوي سيغذي شعور الغضب والقومية المتعصبة التي جاءت بـ دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وسيولد كل ذلك دولة متسلطة أو بالأحرى فاشية مسيحية لفرض الأمن والنظام.
إن أدوات التسلط العاملة على هوامش الامبراطورية، وهو جزء لا يتجزأ من وجودنا، سيشيع انتشاره إلى كل مكان. إن أدوات المراقبة الأمنية "بالجملة"، وإلغاء أبسط الحريات المدنية، والشرطة المعسكرة المصرح لها استخدام القوة المميتة من غير تمييز، واستخدام المسيّرات الطائرة والأقمار الصناعية لمراقبتنا وتخويفنا، ومعها مقص الرقيب على الإعلام التقليدي والإعلام الحديث (التواصل الاجتماعي) والذي يألفه العراقيين والأفغانيين جيداً، كل ذلك سيكون أداة التعريف لأمريكا. لسنا أول امبراطورية سنعاني من هذا المصير، فهو مصير مألوف. إن الابريالية والعسكرة هما سمان يأتيان لإطفاء شعلة الديموقراطية ولاستئصال فصل السلطات، فصل السلطات الذي صمم لمنع طغيان أجهزة الدولة واستبدادها. وإن لم يحمل أولئك الذين نفذوا كل تلك الجرائم المسئولية، يحملوا المسئولية بطريقة تنظيم حركات شعبية مناهضة كبرى وطويلة، فإننا سندفع الثمن، وقد ندفع الثمن قريباً، ثمن عجرفاتهم وأطماعهم.
*المقال الأصلي*:https://bit.ly/3CTfdL7
*كريس هيجز*
هو صحفي حائز على جائزة بولتزر الشهيرة في عالم الصحافة والأدب. كان الصحفي الأجنبي لصحيفة نيويورك تايمز لمدة 15 سنة، حيث خدم في مكتب الصحيفة في الشرق الأوسط والبلقان. وقد عمل قبلها كمسؤول في صحيفة دالاس الإخبارية وصحيفة كيرستان ساينس مونيتر وإذاعة NPR. هو الآن يستضيف برنامج مرشح لجائزة إيمي الشهيرة على قناة "روسيا اليوم-أمريكا"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.