الأربعاء، 24 أبريل 2019

الليبرالية: متهم من غير جريمة؟

المختار بوخمسين
24/04/2019


من الشائع في السجالات المستعرة بين المحافظين من مؤيدي التدين والموروث الديني وبين مناصري الحداثة أن يشكل الطرف الأول على الثاني قبولهم للتمظهرات والنتاجات السلبية التي أفرزتها "الليبرالية والحداثة"، والتي دخلت بلداننا دون استئذان من الغرب. وتتنوع الأسئلة وتتبدل تبعاً للمتحاورين ولكن هذه الأسئلة لا تتعدى نموذج "هل ترضاها لأختك؟".

ومن الأمثلة اللطيفة على هذه الأسئلة التي مرت مروراً بين يدي واستوقفتني وهي موجهة إلى مؤيدي الليبرالية أنقل للقارئ المجموعة التالية بتصرف:
1.      ما قولك في فعل الرسول حين كسر أصنام الكعبة هل عندك دفاع أو تبرير أمام أصحابك الليبراليين أم ستدين هذا العمل؟
2.      لو عينت وزيراً للثقافة في بلدنا وجاءك ملحدون يطلبون برنامج ثقافي متكامل للتلفزيون والإذاعة ومنتديات ومجلات ومنشورات فهل تعطيهم؟
3.      لو عينت وزيرا للتجارة والاقتصاد وطلب منك بدعوى تنشيط الاقتصاد فتح الكازينوهات والحانات ومراقص بكل الخدمات التي تقدم فهم تعطيهم؟
4.      لو عينت مسؤولاً شرعياً في الأحوال الشخصية وطلب منك من قبل قطعان المثليين إبرام عقود الزواج المثلي فهم تعطيهم؟
5.      لو عينت مسؤولاً للسياحة وطلب منك مجموعة من الشباب والشابات تخصيص الشواطئ والمسابح لممارسة الترفيه الخالي من الأقمشة فهل تعطيهم؟ أجيبوا يا مدعي الليبرالية وأرونا أنكم أفهم للدين من مشائخنا ومراجعنا الدينية.
ولكن هناك إشكالية تكمن في هذه الأسئلة بعد قليل من التدقيق فهذه الأسئلة لا نرى بينها ربط وبين الليبرالية كمصطلح، باستثناء السؤال الأول الذي يجب أن يدرس لا من خلال مقتضيات المعتقد الديني للنبي وما جاء به، بل من مقتضيات حركته الثورية والرسالية - لو صحت الحادثة أساساً-.

ومن الحكمة أولاً لأي مهتم أو متحاور تهيئة أرضية النقاش بتعريف المصطلح المؤطر للمفاهيم التي هي محل الاستفهام والحوار أي الليبرالية، ودون الاكتفاء بذلك. إذ على المهتم أن يكمل البحث باستعراض أشمل وأوسع لرحلة التنوير الأوربي على مدى أكثر من 7 قرون، لكي يعرف ما الذي وفد علينا ومن أي زمان وأي مكان، خشية أن يتحول النقاش إلى شيء أقرب ما يكون إلى أكلة الهريسة منه إلى نقاش علمي يرجع الأشياء إلى أسانيدها.

بما أن المتهم الأول في النقاشات دائما ما تكون "الليبرالية" فلنقدم محاولة هنا تختصر على القارئ الرجوع إلى المتون والمراجع، ولنحاول أن نفهم الكلمة من "مصادرهم" الرشيقة والمختصرة مع العلم أنها لا تقل عراقة عن غيرها.

يقول قاموس كامبرج في الليبرالية: هي توجه فكري وسلوكي يقضي باحترام المعتقدات والسلوكيات المختلفة والتسامح معها. كما أنها معتقد سياسي يقضي بضرورة التجارة الحرة وضرورة السماح للناس بالمزيد من الحرية الفردية، وضرورة عدم استحداث التغييرات في المجتمع بصورة حادة ومفرطة.

يقول قاموس التراث الأمريكي في الليبرالي(ـة): أ) أن يكون المرء متحرراً أو يمتلك خصال تحررية. ب) هي نظرية سياسية مبنية على نبل الطبيعة البشرية والحرية الذاتية المستقلة للفرد، ومبدأ تفضيل الحريات المدنية والسياسية وحكم القانون بتأييد المحكومين وحمايتهم من السلطات التعسفية. ج) هي مباني فكر الأحزاب الليبرالية. د) نظرية اقتصادية تشجع التعاملات الثنائية المستقلة في التجارة (laissez-faire) باعتماد السوق الحرة وعيار الذهب كأساس للعملة. هـ) حركة بروتستنتية من القرن التاسع عشر تشجع التساؤل الفكري الحر، وتشدد على ضرورة المحتوى الأخلاقي والإنساني في النصوص الدينية المسيحية وتهمش المعتقدات اللاهوتية المتشددة. ز) حركة كاثوليكية رومانية من القرن التاسع عشر تشجع السياسة الديمقراطية والإصلاح الديني داخل الكنيسة مع إبقاء المعتقدات اللاهوتية دون مساس.

تقول ويكيبيديا الإنجليزية في مقال يعتبر مستوفٍ للشروط بمقاييس ويكيبيديا إلى تاريخ المقال، عن الليبرالية: هي فلسفة سياسية وأخلاقية مبنية على الحرية والحقوق المتساوية. ويتبنى الليبراليون وجهات نظر مختلفة اعتماداً على فهوماتهم لهذه المبادئ، لكنهم يتفقون في تأييدهم لهذه المبادئ وهي: تحديد سلطات الحكومة، وحقوق الفرد بشقيه الحقوق المدنية والحقوق الإنسانية، والأسواق الحرة (أو الرأسمالية)، والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة (العلمانية)، والمساواة بين الجنسين، والمساواة بين الأعراق البشرية، ومبدأ تعزيز الصداقات الدولية (الدولانية)، وكفالة حرية التعبير والصحافة والدين.

من خلال كل التعريفات السابقة، يتبين لنا أن مبادئ الليبرالية هي المفاهيم والمبادئ العملية التي تحكم العالم المعاصر. ومن خلال كل مبدأ نرى مجموعة من الأنظمة والقوانين والهيئات والمنظمات الدولية التي أنشأت لدعم هذه المبادئ على مستوى الدول والحكومات والشعوب والأفراد. وهي لم توضع وتنتشر وتقبل بين أمم العالم لأنها المنظومة العقائدية الأحسن والأجدر بل لأنها مبنية على مجموعة من القيم الإنسانية المشتركة التي تعمل على تقارب الناس لا تنافرهم.

بالرجوع إلى الأسئلة الخمسة وبالذات الأربعة الأخيرة، فإننا لانجد تعريف من التعاريف أو الشروح التي تناولناها وقرأناها تدعم بالحرف القاطع العدمية الوجودية أو الانحلال الأخلاقي أو التعري أو الشذوذ الجنسي أو غيرها. وإنما لاستطراد الفكرة فإن الغرب مر بمراحل سابقة ولاحقة في رحلة "التنوير". ومن هنا لا بأس باستعراض بعض المراحل الزمنية في مسيرة ما يسمى بـ "التنوير الغربي" لا على سبيل الشرح ولكن على سبيل التعداد قبل المضي قدماً في الفكرة.

1.      عصر التنوير الأوروبي أو الرنيسانس الذي امتد من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر واشتهرت بحركة العلوم والفنون وانتقالها من الشرق إلى الغرب. كانت الشرارة الفعلية التي ولدت الزخم لهذا العصر هو سقوط القسطنطينية وما تلاها من هجرات للأدمغة والنفائس التقنية والعلمية والفنية من بيزنطة المنهارة إلى امبراطورية البندقية التجارية وسائر المدن الدول الإيطالية.
2.      العصر الرومانسي في القرن الثامن عشر، وقد اتسم هذا العصر بأمرين رئيسين أولهما محاولة انتحال وتقمص التاريخ الإغريقي الروماني القديم باعتباره التاريخ المؤسس للقيم والفنون والعقلانية الغربية، ويمكن القول هنا أن تاريخ الغرب وتاريخ الشرق معاً -لا سيما التاريخ الكتابي- ، تعرض لأكبر سرقة وتزوير في تاريخ البشرية سعياً لترسيخ أحقية الرجل الأبيض على سائر البشرية. وثانيهما قيام الامبراطوريات الغربية الحديثة (البرتغاليين، الأسبان، الهولنديين، الفرنسيين، الإنجليز وغيرهم) فيما يعرف أيضاً بالعصر الامبريالي والتي استلهمت من الامبراطوريات التاريخية للإغريق والرومان (الإسكندر المقدوني ويوليوس قيصر الرومان).
3.      الليبرالية في القرن التاسع عشر وهي من أهم انتاجات وإنجازات الثورة الفرنسية التي أثرت على الفكر والوجدان الغربي في هذه المرحلة وكانت بمثابة الوقود الذي حرك الثورة الصناعية في أوروبا. وكانت هذه الفترة تعرف بعصر المنطق والعقل لما تميزت من محاولة توسل العلم والمنهج العلمي في جميع مناحي الحياة. ونكتفي بما تم شرحه فيما تقدم.
4.      الحداثوية في بداية القرن العشرين وهي حركة فلسفية نشأت عن إفرازات الثورة الصناعية والأثر العميق الذي أحدثته في المجتمعات الغربية. كان لها تأثير قوي في الفكر والأدب والفن وسائر مناحي الحياة. وقد تأثرت بحركة الإنتاج الصناعي وانتشار التعليم ونمو شريحة الطبقة الوسطى واتساع المدن وانتشار الآلات وتعزيز الهوية الفردية على حساب هوية الجماعات والأهوال التي تمخضت عنها الحرب العالمية الأولى. وكان نيتشية هو نجم هذه المرحلة بالعمل الفلسفي الذي وضعه وهي إرادة القوة كما يقول علماء الاجتماع.
5.      ما بعد الحداثوية ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويقال أنها ما زالت قائمة إلى اليوم. ويطغى على هذه الحركة الفكرية طابعاً سلبياً من الشك والسخرية والتهكم بالحضارة البشرية وكل ما قدمته من إنجازات. وهنا تبلغ أهمية مبدأ الفردية ذروتها وتقدم على سائر المبادئ الأخرى، إذ تعزز ظواهر مثل مركزية الذات الفردية في تقرير الأحكام وتؤكد على نسبية الأفكار والقيم الأخلاقية لا إطلاقها، مع ضرورة قبول التعددية وضرورة قبول مختلف المعايير الأخلاقية. وقد تتقدم بعض تمظهرات هذه الحركة إلى أن تبلغ حد العدمية والعبثية الوجودية وهو ما يفسر بعض الظواهر في الغرب والتي لم تبق في الغرب، مثل ظواهر الانتحار الفردي والانتحار الجماعي، وعبادة الشيطان، والانحلال والشذوذ الجنسي وما يورثه من ضعف في بنية العائلة والمجتمع، والتطرف في مناصرة التأنيث، واستفحال الرأسمالية والاستهلاكية.
نلاحظ بعد تعداد هذه المراحل في "التنوير الغربي" كيف تطورت المذاهب الفكرية بتطور المجتمعات الغربية وما مرت به من ظروف. ومع تنوع الأحكام والقناعات فإن أخطرها هو المرحلة الأخيرة التي تشهد سقوطا حادا وشاملا في المعايير الأخلاقية.

إن المراحل الأربعة الأولى لا تخفى على الوعي الثقافي العربي وهي محل تداول في أوساطها، ولكن المرحلة الخامسة مجهولة تقريباً وهي مرحلة مهمة جداً خصوصاً لبلداننا. هذه الأهمية نابعة من أن أوطاننا بدأت مشوار الحداثة والتحديث في عصر ما بعد الحداثوية، فمعظم عمليات التحديث وإعادة التحديث التي بدأت في العالم العربي والإسلامي كانت على نموذج ما بعد الحداثوية، شئنا أم أبينا. إذا هذا الجهل هو ما يوقع المهتم في الخطأ وعدم التمييز والحساسية المفرطة من كل ما هو غربي وافد أبرزها كلمات مثل الليبرالية والعلمانية.

خلاصة القول أن ما نراه اليوم من شرعنة الانحلال والانحراف الأخلاقي والاجتماعي والديني مرجعها بشكل كلي هو مذهب ما بعد الحداثوية. ولعل الليبرالية تكون بريئة منها. ومن هنا يمكنني أن أبرئ ساحة الليبرالية من التهم المتضمنة في الأسئلة الأربعة. وأختم القول بأن الظواهر والحركات التاريخية أثرت وتؤثر علينا وعلى تفكيرنا وسلوكنا ومعيشتنا سواء وعينا بها أم لم نعي. وعلينا أن نتروى في الحكم ونتمعن في الدراسة لنعرف السلبي من الإيجابي، ومن أين يأتي هذا فنقطع عليه الطريق ومن أين يأتي ذاك فنستزيد منه ونكمل المسير من حيث انتهى الآخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.