المختار بوخمسين
01/05/2018
01/05/2018
صور مدينة الكنعانيين الحصينة المبنية منذ
الألفية الثالثة قبل الميلاد. سماها أهلها الأوائل طر أو طور (ومنها باللاتينية تير) الذي يعني الحجر الصواني القاسي في لغتهم وذلك لأنها بنيت على
صخرة في وسط البحر، ولقبت في أوج عظمة ملوكها بالصخرة. بقيت المدينة جزيرة إلى أن
أتى الاسكندر في حملته على "بلاد الفينيق" فبنى معبراً بحرياً لها وساق
أبراجه ذات العجلات لمجابهة حصونها المنيعة، فتمكن من
فتحها وتدميرها في عام 334 ق م وأبقى على معابدها وكل من التجأ إليها.
أعيد بناء المدينة بعد فتح الاسكندر على
البر الرئيس للبنان وبقيت أطلال المدينة القديمة على حالها بمعابدها السليمة، يصلها بالبر الرئيس
المعبر الذي وسع على جانبيه عبر الأزمان حتى صار اليوم رأساً بحرياً ناتئاً عن
ساحل لبنان، تقع على طرفه الآثار والمعابد اليوم.
تكرر اسم صور في أبكر المصادر الإغريقية،
بل كانت هذه المدينة هي من المدن المؤسسة للأساطير الإغريقية. إن أهم الأسماء التي
ارتبطت بهذه المدينة والتي جاءت في أساطير اليونان هي أروبا و هرقل و إيليسار
وزيوس.
أروبا هي بنت ملك المدينة التي تزوجها زيوس
بعد أن اختطفها وأخذها إلى أرض تليق بجمالها. وعندما علم الملك بمكان ابنته
وبزوجها أطلق عليها اسم يروبة وهو اسم الأرض التي استوطنتها مع زوجها، حيث يسميها
أهل صور يروبة أو غروبة أي الغرب أو المكان الذي تغرب فيها الشمس ومنها جاء اسم
القارة "أوروبا".
إن أهم المعابد في المدينة القديمة والتي
كانت مزاراً عظيماً للكنعانيين واليونايين إلى العصور المتأخرة من العهد الهلنستي
فهو معبد هرقل أو ملقرت كما يسميه الكنعانيون، أي "ملك القرية".
أما إيليسار، وتعرف أيضاً بـ "عليسار
ديدون" فهي أميرة أخرى روي أنها عاشت في القرن التاسع قبل الميلاد واسمها مكون
من شقين ألي و ساري. إيلي هو الإله إيل. وساري يقال أن معناها المرأة-الأنثى أو
الشعلة-النار.. هذه الأميرة تزوجت كبير أساقفة المعبد واعتلت عرش المدينة فثار
عليها أخوها وقتل زوجها. فجمعت أسطولها والموالين لها وركبت البحر وأبحرت غرباً
لتؤسس مدينة قرطاج أو قرت-حدثت أي القرية الحديثة فسماها سكان أفريقيا ديدون أي
الملكة السائحة. وكانت قرت-حدثت تعتبر درة امبراطورية قرطاج التجارية وعاصمتها
التي حكمت السواحل الغربية للبحر المتوسط وناطحت روما حتى القرن الثاني قبل
الميلاد.
أما زيوس فهو بعل مدينة صور أي إلهها
الراعي ويسمونه بعل السماء، وهو نفس إله مدينة دمشق والذي يسمونه هدّاد أي هدّاد
المطر، وهو في اليونان زيوس إله السماء والرعد والنور، وهو في روما جوبيتر أو
إيو-باتري، أي الأب الذي في السماء. ونلاحظ هنا أن زيوس بمختلف تسمياته هو الإله
الأعلى لدى كل الشعوب التي ذكرناها. ولا يختلف هذا الاسم سواء عند الطوائف الموحدة أو عباد الأوثان.
إن المطالع في تاريخ وأساطير هذه المدينة
بشيء من التفصيل يتمكن من أن يرى الرابط القوي بين حضارتين لا تكادان تنفصلان وهي
حضارة الكنعانيين (الفينيقيين) والحضارة اليونانية التي ورثت من الأولى أهم ما يكوّن
الوجدان والمزاج الشعبي لأي شعب، وهي الأسطورة والاله العالي الواحد وبانثيون الآلهة الوثنية.
وأهم ما نراه فيما سبق من أسطورة هو الرابط
بين الشخصيات الأربع والذي يشي بأمر غير عادي في اجتماعهم في هذه المدينة. المعروف
أن هرقل-ملقرت هو إبن الإله زيوس، وبأن أروبة هي زوجة زيوس. أما أليسار فهي سليلة
بيت أروبة الملكي وقد تزوجت من كبير أساقفة معبد ملقرت وخرجت أيضاً -مثل أروبة-
لتبني الحضارة والأمجاد وهي سليلة الكنعانيين. أي أننا نرى هنا تحالفاً واضحاً بين
السماء ممثلاً بزيوس وملقرت وبين البيت الكنعاني، ممثلاً بأروبة وإيليسار وهرقل.
إن ما ذكرناه هنا يضاف على ما هو معروف من
كنعان الأنبياء وكرسي حكمهم في ساحل الشام من قبل. وملوك كنعان الذين كانوا
الحلفاء والعضداء لمملكة إسرائيل من كرسي حكمهم في مدينة صور من بعد.
إن المتأمل في هذه الآثار عبر تسلسلها الزمني، لا يمكن إلا أن يتسائل عن الخيوط الذهبية المتناثرة حول أرض كنعان. فهل يكون أن خلطت الأسطورة بين السماوي والملكي والنبوي؟ وهل يكون زواج الأرض بالسماء باسم زيوس وأروبة تصورا لما هو أبعد في عروج من الأرض إلى السماء؟ وهل يكون هرقل العظيم الذي صورته الديانات الوثنية بأنه البطل الذي يصرع الوحوش، سوى عظيم في الخلق والعلم والرأي والجاه موفد مدينة صور إلى أرض أروبة؟
كيف لا وهذه السلالة هي ميراث أبيهم إبراهيم أبو الأنبياء. كيف لا والأرض من مهدها إلى لحدها هي الأرض التي خصها الله واختصها لنفسه ولظله. ما هو سر كنعان
وما سر هذه المدينة الولادة للحضارة وللنبوغ الإنساني؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.