كما كان الحال مع إسحاق نيوتون حين قال مقولة "أكتاف العمالقة" الشهيرة (إنْ كان بإمكاني أن أرى أبعد فليس ذلك إلا بفضل وقوفي على أكتاف العمالقة)، فإن الحضارات الحديثة مدينة بكل أفضالها للحضارات التي سبقتها. وكما أن هنالك حضارات حُفرت في أذهان كل واحد منا، من قبيل حضارة السومريين وحضارة المصريين القدماء، فإن هناك العشرات من الحضارات الأخرى التي ضاعت في سجلات النسيان. وإليك منها هذه العشر.
10. حضارة الحطيين
الحطيّة هي حضارة سكنت هضبة الأناضور الواقعة في تركيا المعاصرة، وقد عاشت في القرن السادس والعشرين قبل الميلاد واستمرت إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد. يُعتقد اليوم بأن هذه الحضارة هي الأولى في الاستيطان الحضري لتلك المنطقة ويمكن تعقّب أثر وجودها هناك إلى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد وهي فترة ظهور الألواح الأكادية المسمارية. ويعتقد معظم علماء الآثار أنهم السكان الأصليون للمنطقة التي ظهرت فيها لاحقاً الحضارة الأكثر شهرة وهي حضارة الحيثيين التي ظهرت في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. فانصهرت الحضارات مع بعض ببطء، قام خلالها الحيثيون بأخذ المعتقدات والعادات الدينية عن الحطيين. ويُرجّح أن الكثير من المستوطنات الحيثية الكبرى مثل ربوة ألّاجة وحاتوشا هي في الحقيقة مستعمرات كان قد أسّسها الحطيون بأنفسهم.
وبينما تشير الأدلة الأثرية إلى امتلاكهم للغتهم المحكية الخاصة، فإن أيّ دليل لم يكتشف على وجود صيغة مكتوبة للّغة الحطّية. ومن المرجّح أنهم كانوا يتحدّثون بأكثر من لسان، لكي يسهّلوا التبادل التجاري مع شركائهم الآشوريين. وفي الحقيقة، فإن أغلب ما نعرفه عن الحطيين قد وصلنا من التبني الواسع لثقافتهم من قبل الحيثيين. ويُحتمل أنهم كانوا يشكّلون الأغلبية السكانية لعقود إن لم يكن لقرون من الزمان عندما كانوا هم الأسياد الحاكمين على الحيثيين، ثم تلا ذلك فترة ضبابية انتهت باختفائهم في غموض التاريخ.
9. حضارة الزابوتك
في الحين الذي يألف فيه أغلب الناس أقوام الأزتك والمايا التي كانت تسكن أمريكا الوسطى، فإن هناك غموض نسبي يلف بأقوام الزابوتك. لقد كانت هذه الأقوام هي من أوائل المجموعات البشرية التي زاولت الزراعة واستعملت الأنظمة الكتابية، كما كانوا من أبكر الجماعات التي بنت المدن المكتشفة في أمريكا الشمالية – مثل مدينة مونتي ألبان. هذه المدينة التي أسست في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت موطناً لما لا يزيد على 25.000 مواطن لأكثر من 1200 سنة. وقد حكمت طبقة اجتماعية ذات وجاهة وحظوة في مدينة مونتي ألبا تكونت من الكهنة والمقاتلين والفنانين وحكموا سائر الطبقات الاجتماعية الأقل حظاً.
ومثل أغلب حضارات أمريكا الوسطى، فإن أقوام الزابوتيك قاموا بإخضاع المناطق المحيطة بهم عبر خليط من الحروب والدبلوماسية والمصالح الاقتصادية. أما السقوط المفاجئ لحضارتهم فلا يبدو له أي تفسير، حيث أن أكبر مدنهم في معظمها تُركت سليمة دون أضرار بالغة فيها، إلا ما تعرض منها للأضرار نتيجة الهجران والظروف الطبيعية. ويعتقد بعض الدارسين أن انهيار نظامهم الاقتصادي دفع بمجموعات كبيرة إلى الخارج ليبحثوا عن أرزاقهم في أماكن أخرى، فيما تقاسم بقية السكان المدن فيما بينهم واستقلوا بها ثم تقاتلوا مع بعضهم البعض ومع قوىً خارجية دخيلة حتى اختفوا من الوجود.
8. حضارة الفينكا
إن أكبر حضارات أوروبا ما قبل التاريخ هي حضارة الفينكا التي عاشت لخمسة عشر قرناً ابتداءً من القرن الخامس والخمسين قبل الميلاد. وقد عاشوا في الأراضي الواقعة ما بين صربيا ورومانيا. وقد برعت أقوام الفينكا في صنع الأدوات المعدنية واسمهم مأخوذ عن القرية الحديثة الواقعة قرب نهر الدانوب، حيث اكتشفت أولى آثارهم في بداية القرن العشرين، ويحتمل أن تكون هي الحضارة الأولى التي طوّعت النحاس للاستعمال اليومي، كما أنهم كانوا أول من حفر المناجم في أوروبا.
ورغم أن أقوام الفينكا لم يُعرف عنهم استعمالهم لأي شكل من أشكال الكتابة، فقد عُثر على بعض النماذج المؤسِّسة لفكرة الكتابة، وهي رموز لا تعبّر في الحقيقة عن لغة محكية. وقد عُثر على هذه الرموز منقوشة على أنواع مختلفة من الألواح الحجرية التي ترجع إلى أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد. بالإضافة إلى ذلك، فقد كانت تغلب عليهم الميول الفنية التي يطغى عليها حب الأطفال؛ فقد عثر علماء الآثار على أنواع من الألعاب مثل الحيوانات والخرخاشات المدفونة بين الأدوات المختلفة. وقد عُرف عنهم التنظيم والترتيب الشديد، فبيوت الفينكا كانت تحتوي على أماكن مخصصة للقمامة وكان الأموات يُدفنون في مدافن مركزية منتقاة بعناية.
7. حضارة الحوريين
الأقوام الحورية هي من بين الأقوام التي أثرت في حضارة الحيثيين، وقد عاشوا عبر منطقة الشرق الأوسط خلال الألفية الثانية قبل الميلاد. ومن الراجح أنهم كانوا موجودين قبل ذلك الوقت: فقد كانت أسماء الأشخاص والأماكن المستخدمة في اللغة الحورية تُذكر في سجلات بلاد الرافدين حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد. ولسوء الحظ فلا توجد من آثار وأدوات تلك الحضارة إلا النزر اليسير، وأغلب ما نعرف عنهم أتى مما كتبته الحضارات المتعاقبة عنهم، وبين من جاء على ذكرهم هم الحيثيون والسومريون والمصريون.
وكانت آخر مدنهم هي مدينة أوركيش [عند تل موزان] وهي واقعة في الشمال الشرقي من سوريا. ومدينة أوركيش هي أيضاً موطن أقدم النصوص المعروفة للحورانيين، وهو نص منقوش على لوح، وفيها عُثر على تمثال يعرف باسم أسد اللوفر. لقد ساد الاعتقاد بين الدارسين بأن الحورانيين هم أقوام بدوية مرتحلة، لكن الراجح الآن هو تأثيرهم الكبير الذي فاق التصور السابق. ومرجع ذلك هو اختلاف لغتهم عن الألسن السامية والهندو-أوروبية الأخرى. ولكن، مع نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد، يبدو أن أغلب الأثر العرقي للحورانيين قد اختفى من الوجود، ولم يبق منهم إلا ما تركوه في الحيثيين من معالمهم.
6. حضارة النوك
ازدهرت حضارة النوك خلال الألفية الأولى قبل الميلاد واسمها مأخوذ عن منطقة في نيجيريا عُثر فيها أوّل ما عُثر على ذخائرهم الأثرية. وقبل أن تُنسى هذه الحضارة مع مرّ الأزمان في القرن الميلادي الثاني، فإن بعض النظريات تحتمل أن أقوام النوك قد أفرطوا في استغلال الموارد الطبيعية لمنطقتهم ما أثر مباشرة على تراجع العدد السكاني. ومهما كان الأمر، فإن الدارسين يعتقدون أنهم لعبوا دوراً مهما في النمو الثقافي للمنطقة ما هيّأ لظهور أقوام أخرى مثل أقوام اليوروبا والبينين.
ولعل أكثر الأمثلة وضوحاً لطباعهم الفنية هي تماثيلهم المصنوعة من الطين النضيج التي وُجدت متناثرة عبر منطقتهم. كما يعرف عنهم أنهم من أوائل الأفريقيين الذين تمكّنوا من صهر الحديد، رغم ما يسود من اعتقاد بأنهم أخذوا هذا الفن عن الأقوام والثقافات الأخرى التي جاورتهم، ويرجح أنهم القرطاجيون. وسبب هذه الفرضية هي انعدام الأدلة الأثرية عن صهر النحاس، وهي من البوادر المؤسِّسة لظهور تقنيات صهر الحديد في كل الحضارات الأخرى. ورغم شيوع الاعتقاد بأنهم كانوا من بين أبكر الحضارات الأفريقية، فإن الأدلة الأثرية الدالة على ازدهار حضارتهم بقيت مختفية لأن نيجيريا المعاصرة هي من البلدان الحديثة التي يصعب تسخير أدوات البحث فيها.
5. حضارة البنط
عُرف عن أرض البنط بأنها منشأ البخور والأبنوس والذهب في القرن الأفريقي وهي من أشهر الشركاء التجاريين لمصر القديمة. ويختلف الدارسون عن المكان الدقيق لهذه الحضارة، تاركين مجال التخمين مفتوح في منطقة تبدأ من جنوب أفريقيا وتمتد شمالاً حتى سواحل الشرق الأوسط. ورغم الكتابة الموسعة عنهم في مصادر المصريين القدماء وعن أراضيهم، فإن أيّاً من هذه المصادر لم تعنى بذكر المكان على حقيقته الجغرافية.
وتنشأ أغلب معرفتنا بأقوام البنط من فترة حكم حتشبسوت، الفرعونة الشهيرة التي حكمت مصر خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ويحتوي ضريحها على مخابئ وجيوب حُفظت فيها سجلات مهمة عن حملة تجارية كبرى إلى أرض البنط، وجاء في هذه السجلات تفصيلات دقيقة مثل صور لمنازل بنيت على شكل خلايا النحل الطبيعية مرفوعة على ركائز خشبية. كما نحتت على جوانب الضريح منظر يُظهر حتشبسوت وهي تستلم الهدايا المتنوعة المجلوبة من تلك الأرض الأجنبية. ولسوء الحظ، فإننا لم نجد إلى الساعة، أي دليل أثري يدل على مكان أرض البنط، على الرغم من وجود العديد من الذخائر الأثرية المصرية التي تحمل نقوش تذكر هذه الحضارة، وهو ما يغذي أمل الدارسين في العثور على حضارتهم يوماً ما.
4. حضارة النورتي تشيكو
بدأت حضارة النورتي تشيكو خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد ودامت لأكثر من 1200 سنة، وقد سادت حضارتهم على أمريكا الجنوبية واعتبرت أقدم الثقافات وأكثرها تطوّراً في القارة. وقد أخذت هذه الحضارة اسمها من الاسم المعاصر للمنطقة التي احتلته في البيرو، حيث انتشرت فيها 20 مدينة كبرى ، تتميز بعمارة وزراعة متطورتين، احتلت معظم مساحاتها. كما طوّروا أنظمة ريٍّ معقدة بتقنيات لم يكن لها نظير في كلتا الأمريكيّتين من ذلك الزمان.
وقد عُثر على رموز دينية واضحة المعالم عبر أرجاء منطقتهم، خصوصاً بالقرب من الأهرامات الحجرية التي عُرفت بها حضارة النورتي تشيكو. وهناك سجال دائر في الوسط العلمي حول أهلية النورتي تشيكو لحمل صفة الحضارة كما أن السجال يدور حول معنى "الحضارة". وقد اتفق الدارسون على أن هذه الكلمة –أي الحضارة- يجب أن تحتوي على صفتين رئيستين هما الاشتغال على فنٍّ من الفنون والشخصية ذات الطابع الحضري أو المدني، لكن النورتي تشيكو تفتقر إلى كلتا الصفتين. ومهما يكن الحال، فلا يمكننا أن ننكر أثر حضارتهم البليغة على الثقافات الأمريكية الجنوبية التي جاءت بعدهم، مثل حضارة التشافين التي بدأت بعد سقوط النورتي تشيكو ببضع مئات من السنين.
3. الحضارة العيلامية
مع أن هذه الأقوام اتخذت لفظة هلتم للدلالة على نفسها، فإن عيلام هي كلمة أُخذت من النصوص العبرية للدلالة عليهم. لقد تألفت الحضارة العيلامية في الغالب من أراضي إيران المعاصرة وجزء صغير من العراق. الحضارة العيلامية هي واحدة من أبكر الحضارات في المنطقة، وقد أُسّست في وقتٍ ما من الألفية الثالثة قبل الميلاد وهي لحد الآن أقدم حضارة نعرف عنها في إيران. إن الأراضي العيلامية محاذية لحدود السومريين والأكاديين، وهي تشبههم لحد بعيد في كثير من سماتها رغم أن لغتها متفردة ولا تمت لهم بصلة.
ورغم أنهم استمروا كمملكة مستقلة لألف سنة على الأقل، فإننا لا نعلم عنهم إلا النزر القليل لأن الكَتَبَة العيلاميين لم يكونوا يحفلوا بتدوين أساطيرهم أو آدابهم أو إنجازاتهم العلمية. ولم ينظروا إلى الكتابة إلا كوسيلة لتمجيد الملك والقيام بالواجبات الإدارية. ولهذا السبب تحديداً، فإن الأثر الذي تركوه على الحضارات التي جاءت بعدهم بقي محدوداً جداً، خصوصاً حين يُقارنوا بالمصريين والسومريين.
2. حضارة دلمون
كانت دلمون في عز أيامها حضارة تجارية بالدرجة الأولى، واحتلت المساحة الجغرافية التي غطتها المساحات المعاصرة لكل من البحرين والكويت وشرق السعودية. ورغم أنه لم يُكشف إلا عن أدلة أثرية يسيرة لحد الآن، فإن الدارسين يعتقدون بأن بعض المواقع الأثرية مثل سار وقلعة البحرين هي مستوطنات قديمة لشعب دلمون. وما تزال سار رهن الدراسة، لكن الكثير من النفائس الأثرية التي عثر عليها يرجع تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ما يعزّز من مصداقية الأقوال التي تزعم بأنها من نتاج الحضارة الدلمونية.
لقد كانت دلمون لاعباً تجارياً مهماً في أيامها، وقد سيطرت على خطوط التجارة وشبكات التواصل في الخليج الفارسي امتدت حتى تركيا. إن العيون المائية الدافقة عبر أرجاء منطقة دلمون، قادت الكثير من الباحثين إلى الاعتقاد بأن أسطورة البحرين هي جنات العدن التوراتية. بالإضافة إلى ذلك، يُذكر أن إنكي، إله الحكمة السومري، قد عاش في جوف العيون المائية. وكانت دلمون توصف بأنها "المكان الذي تشرق منه الشمس"، ومن ذلك فقد احتلت موقعاً كبيراً في الميثولوجيا السومرية. ووفقاً لما ورد في الأساطير، فإن دلمون هي المكان التي أُخذ إليها أوتنابشتم ليحيا حياته الأبدية الخالدة.
1. حضارة هارابان
وتعرف أيضاً بحضارة وادي السند، وهذه الحضارة كانت عبارة عن مجموعة من الأقوام التي عاشت في أجزاء من باكستان المعاصرة والهند. وقد عُرفت مدنهم بالترتيب الفائق نظراً لموهبتهم التي أملت عليهم أن يعدّوا الخطط والتصاميم قبل بناء مدنهم. ولسوء الحظ، تراجعت حضارتهم تدريجياً بسبب ما يعتقد العلماء أنه جفاف شديد دام قرناً من الزمان، لم تتعافى منه بعد ذلك. وهذا ليس إلا مجرد نظرية لكنه يساعدنا على تفسير تراجع ثقافات أخرى في المنطقة أيضاً.
ومع بداية حضارة الهارابان في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، فقد طوروا للغتهم نظام كتابي يشمل أكثر من 500 حرف مختلف بقيت إلى يومنا منيعة عن الفك. وأكثر ما يشدّ الانتباه من تحفهم وذخائرهم هي الأختام التي صُنعت من الحجر الصابوني، والتي تظهر فيها أنواع مختلفة من الحيوانات والمخلوقات الأسطورية. ويعتبر موقعي هارابا وموهنجو دارو أكبر المواقع الأثرية الهارابية، حاز الأخير بينمها على علامة اليونسكو للتراث العالمي. وحين انهارت الحضارة الهارابية، فقد صارت آثارها وخرباتها أنموذجاً يحتذى بها لكل الثقافات المختلفة التي جاءت بعدها.
مترجم عن: http://i1.wp.com/listverse.com/wp-content/uploads/2014/03/5-nok.jpg?resize=632%2C420
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أرحب بتعليقاتكم دائماً حول الموضوع مع خالص التحية.